فيروس كورونا: السيادة دون قيامة مجرّد أفيون

المسيحيّة في زمن كورونا
مارس 26, 2020
فيروس كورونا المستجد: العثور على الرحمة في عهد الطاغية
أبريل 9, 2020

بقلم كالب هاتشرسون

المؤذِّن يدعو الناس للصلاة في بيوتهم بدلاً من أنْ يدعوهم للصّلاة معًا في الجامع. الكنيسة تلغي خدمة العبادة يوم الأحد وتبث خدماتها عبر الإنترنت. كليّة لاهوت تتنقل إلى التعليم عبر الإنترنت وتغلق مؤقتًا صفوفها التي يتلاقى فيها الطلاب ووجهًا لوجه بصورة. قد لا تتصدّر أيّ من هذه التغيرات المحليّة الأخبار في الأوقات العاديّة، غير أنّ هذه الأوقات غير عاديّة. فالعالَم يختبر معًا وباء كورونا. وجميعنا نكافح لنفهم الأمر.

يتمحور الكثير ممّا أقوم به وتلاميذي في صفوف اللاهوت التاريخي في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة حول تفحُّص دوافعنا اللاهوتيّة من جهة ما نعتبره “كتابيًّا”. إنّ إزالة غبار المعتقدات والممارسات القديمة لقي الضوء بصورة نقديّة على افتراضاتنا الموروثة. إلاّ أنّه في خضم أزمة كهذه التي نمر بها معًا الآن، تكون هذه الافتراضات أوّل الأمور التي نلجأ إليها في سبيل فهم مجريات الأمور ومعرفة ما علينا القيام به في هذا “الوضع”.

وبالنسبة للكثير من المسيحيّين الإنجيليين، وبخاصة المتأثِّرين بتقليد الإصلاح، إنّ مفهوم سيادة الله هو أحد أهم المفاهيم الرئيسة لتناول حالة الأزمة والألم. نؤكّد لبعضنا البعض أنّه، وبغضّ النظر عمّا يحصل، يظلّ الله صاحب السيادة. لا يجب أنْ نخاف إذ الله ماسك بزمام الأمور. وهو يُوجِّه كافة التفاصيل. أوافق على هذا الأمر، ولكن إلى حدّ ما.   

غير أنّ هذه التعابير تهمل جانبًا ضروريًّا من القصة. إنّ التشديد الحصري على سيادة الله في خضم المرض، الألم والموت يساهم بما أطلِق عليه “لاهوت السجّادة”. إنّ أقصى ما يُؤمّنه هذا اللاهوت هو يقين نظري. غير أنّ أسوأ ما قد يفعله لاهوت السجّادة هذا هو أنْ يكمّ أصوات الضحايا، أنْ يُصَمِّت مشاركة الألم والخوف الحقيقيَّين، وأنْ يُسهّل أنواع متعدّدة من الاستغلال. فالله متسيّد. نقطة على السطر.

غير أنّ التقليد المسيحي يتضمن أيضًا أفكارًا محوريّة هامة إلى جانب فكرة سيادة الله، مثل مفهوم رجاء القيامة. ننسى في الكثير من الأحيان هذا الرجاء في استجابتنا لحالات الألم. إنّ هذه الفكرة لهي محوريّة في سبيل اكتمال قصّة سيادة الله. يشدّد لاهوت القيامة على قيامة المسيح الجسديّة من الموت، بكونها تتميم لقصّة سيادة الله. الحبُ يغلب الألمَ. الرجاءُ ينتصر على اليأس. الحياةُ تطيح بالموتَ.

إنّ السيادة دون قيامة لهي مجرّد أفيون.

إنّ الممارسة المسيحيّة عبر التاريخ، وبسبب هذا الأمر، لم تمسّ مسألة رجاء القيامة. ثمة الكثير من الأمثلة عن أُناس واجهوا المرض والألم طوعًا على أساس إيمانهم هذا بحقيقة قيامة يسوع. لقد أعان رجاء القيامة الناس على استيعاب المرض والأوبئة من خلال تحويل الأزمة إلى دعوات للخدمة المشابِهة لخدمة يسوع، إذ ضحّوا بحياتهم في سبيل الآخرين. لنستعرض بعض الأمثلة.

يمكننا أنْ نبدأ من حقبة الكنيسة الباكرة. عُرِف عن المسيحيّين ضمن الإمبراطوريّة الرومانيّة بخدمتهم للّذين تأثّروا بالأوبئة بدلاً من التخلي عنهم كما كان يفعل الكهنة الوثنيّين في المجتمع اليوناني والروماني. وقد قاموا بذلك على حساب خطر تعرّضهم للمرض. في الواقع، لم يقتصر الأمر على مواجهة المرض الجسدي، بل توقّعوا أنْ يتألّموا ويموتوا مع مَن ضُرِبوا بالوباء. لقد قاموا بهذه الأمور على أساس إيمانهم المتأصّل بقوّة قيامة المسيح الجسديّة، والتي بدورها قدّمت لأناس مثل يوستينس الشهيد رجاء أصيلًا في الحياة بعد الموت. لقد أدّى تمسّكهم الأمين بهذا الإيمان ليحذوا حذو المسيح، بحيث قدّموا حياتهم طوعًا في سبيل الآخَرين.

ونستهل جولتنا لبضعة قرون لاحقة في أوروبا ضمن العصور الوسطى حيث قامت الكنائس بدور رئيس في رعاية المرضى، وذلك عبر تنظيم ما بات يُعرَف بـ “المستشفيات”. ومن الملفت أنّ ممارسة الرعاية الاستشفائيّة كانت قد أدخلتها المجتمعات الإسلاميّة من الشرق إلى الأوروبيّين في العصور الوسطى، فهذه المجتمعات الإسلاميّة التي كانت أكثر تقدّمًا من حيث تطبيق العلوم والطب. لا شكّ أنّ رعاية المرضى بدت مختلفة جدًّا عن العلاج الطبّي التي توفّره المستشفيات الحديثة. آوى المسيحيّون وأعانوا أولئك الذين رفضهم المجتمع خوفًا من الإصابة بالعدوى. فغالبًا ما كانت تعني ممارسة الرعاية الاستشفائيّة استضافة أشخاص مرضى في الأديرة أو في المباني الملحقة بالكاتدرائيّات. يُعدّ دير كلوني مثالًا للرعاية الاستشفائيّة والضيافة البندكتيّة، إذ تمّ جلب المرضى حرفيًّا إلى داخل جدران الكنيسة. لقد نظر هؤلاء للمرض والموت في ضوء لاهوت القيامة، والذي أدّى بدوره إلى (وتشكّل من خلال) استضافة أشخاص ضعفاء ومتألّمين في حرم الأماكن “المقدسة”.

لقد اضطلعت على العديد من المنشورات في الأسابيع الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تشير إلى رسالة مارتن لوثر الرعويّة تحت عنوان “ما إذا كان لا بد من الهروب من الوباء“، وقد شكّلت مثالًا لكيفيّة تعامل المسيحيّين مع كوفيد-19. لقد تشكّلت تعليمات لوثر المفصّلة في خضم التفشّي المحلي لـ “الموت الأسود” في عام 1527. لقد انتاب الناسَ الخوف بسبب الذاكرة الجماعيّة المرعبة لـ الطاعون الدمّلي الذي عاث بالعالم خرابًا لحوالي 200 عام. ويقول لوثر في جزء من رسالته، والتي قُرِأت الآن على نطاق واسع، أنّه سيصلّي لرحمة الله، ومن ثم سيقوم بكلّ ما يمكنه القيام به لتنظيف الأماكن من حوله و”سيتجنُّب الأماكن والأشخاص حيث ما من حاجة لوجوده”. غير أنّ هذا ليس كلّ ما يقوله لوثر ضمن هذه الرسالة.

يحاجج لوثر في كامل الرسالة أنّ على المسيحيّين واجب خدمة الآخَرين والعنايّة بهم، حتّى ولو وصل الأمر إلى الموت. إنّ رفض مساعدة الذين يعانون من الوباء هو إدانة بالقتل. وقد اشتملت هذه المساعدة على سبيل المثال لا الحصر، منع إصابة الآخَرين بالوباء. كما وقد عنى هذا الأمر للوثر عدم التخلّي عن ممارسة الأسرار المقدسة، وعدم توقّف خدمة الكنيسة والاجتماع فيها معًا.

قد يبدو هذا الموقف متهوّرًا وغير قانوني في حالتنا الراهنة. غير أنّ مفتاح فكّ رموز لغة لوثر المتناقضة ظاهريًّا هي إدراك محوريّة الصليب في فكر لوثر. إنّ الصليب بالنسبة للوثر هو المصدر الأساس لمعرفة مَن هو الله وخلاصه. يُظهِر موت المسيح على الصليب كمال طبيعة الله الذي دخل إلى ألمنا وموتنا. فالذين يتبعون المسيح سيفعلون كذلك حتّى وإنْ  واجهوا خطر الموت، وذلك على رجاء القيامة بعد الموت. تملأ حياة لوثر الشخصيّة تفاصيل ما فَهِمَهُ لمعنى التوتّر في الحياة الواقعيّة.

لقد جلب لوثر وزوجته كاثرين الكثير من المرضى إلى منزلهم لرعايتهم خلال فترة الوباء، الأمر الذي أدّى إلى عزل أسرتهم بأكملها. لم يكن الخوف من الوباء بنظرهم سببًا للتخلّي عن رعايّة المحتاجين. كما وقد دفع الخوف من المرض لفعل كلّ ما في الإمكان للحدّ من انتشاره إلى الآخرين، سواء باعتبار الحجر الصحي عند الضرورة أو برعاية المصابين. غير أنّ اهتمامهم الكبير بالآخرين لم يأتِ دون تكلفة. فقد توفيت ابنتهما إليزابيث بالطّاعون. وبكوني أبًا لفتاتَين وفتى، لا يمكنني أنْ أتخيل نتيجة أكثر إيلامًا.

بالنّسبة للوثر معنى سيادة الله في “يوم الأزمة” أبعد من مجرّد الشعور بالثقة. لم يكن أفيونًا يهدف لتهدئة خوف الجماهير. بل إنّ لوثر فهم سيادة الله كمحفِّز يمنح شعبه الجرأة على مواجهة “سم أنياب” الشيطان. فقد باتت خدمة الله في خضم الوباء تعني خدمة الآخرين، ذلك بدلاً من السعي للحفاظ على الذات أو على “الكنيسة”. لقد تصرّف لوثر على هذا النحو، لأنّ سيادة الله كانت معروفة وباتت معلَنة في المقام الأوّل بواسطة موت المسيح وقيامته.

لقد قدّمت هذه اللّمحات الوجيزة المتعلّقة بممارسات المسيحيّين لرعاية المرضى بكونها أمثلة عن الخدمة التي يشكّلها رجاء القيامة. لقد أصبحت الخدمة أمرًا مربكًا في زمن كورونا بالنّسبة للكنائس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحيث كانت المواظبة على التجمُّع العام للمؤمنين واجبًا وجوديًّا. هل يجب أنْ نلتقي معًا أم علينا البقاء في المنزل؟ هل سنتوقّف عن المشاركة في الشركة/القربان المقدس أم هل علينا الاستمرار؟ هل سنتوقّف عن لقاء الفئات الأكثر ضعفًا والفقراء في مجتمعاتنا في سبيل مساعدتهم، أم علينا الاستمرار بذلك حتّى في خضم المخاطر الحقيقيّة الواقعة على الجميع؟

لا يشجّع لاهوت القيامة في زمن كوفيد-19 على السّذاجة، متجاهلًا بتهوُّر مخاطر هذا الفيروس. كما أنّه لا يسعى باتّجاه حماية أنفسنا على حساب التخلّي عن الأشخاص الضعفاء والمتروكين. عوضًا عن ذلك، لا بدّ أنْ يُشكّل رجاء القيامة خدمات مبتكرة نابعة من التضحيّة بالذّات. يتطلب الأمر منّا أنْ نحميَ الآخرين باجتهادٍ وذلك من خلال الحد من حرّيتنا أو تقاليدنا المتّبعة. قد يبدو الأمر وكأنّه عزل ذاتي في سبيل حماية الضعفاء، أو قد يعني هذا الأمر تعريض أنفسنا للخطر من أجل حماية الضعفاء. في كِلا الحالتين، يعني هذا أنْ نبذل أنفسنا بالتّمام بهدف مساعدة الفئات الأكثر احتياجًا. حتى ولو كلّفنا الأمر كل شيء.

يقطن كالب هاتشيرسون مع أسرته في بيروت منذ عام 2008. وهو يُدَرِّس في مجال اللاهوت التاريخي في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

اترك رد