فيروس كورونا المستجد: العثور على الرحمة في عهد الطاغية

فيروس كورونا: السيادة دون قيامة مجرّد أفيون
أبريل 2, 2020
عيد القيامة بأجواء عائلية فريدة رغم وباء كورونا
أبريل 16, 2020

بقلم مايك كون

فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ…. لوقا 23: 44

أعترف لكم. اعتقدت أنّ الأوبئة انتهت في العصور الوسطى.

بالتأكيد أتذكّر السارس والإيبولا. غير أنّها لم تكن وشيكة واقتصر تأثريها على الآخرين. لقد أصبت بفيروس H1N1 (أنفلونزا الخنازير) لكنّي تعافيت واستمرت الحياة. يبدو هذا مختلفًا … عالميًا وغدّارًا. يختبئ ساكنًا ثم ينقضّ على فريسته. إنّه يودي بحياة كبار السن بيننا … وأنا واحد منهم تقريبًا … غير أنّ تأثيره على الشباب يمكن أن يكون مدّمرًا أيضًا. الطاقم الطبي في خطّ المواجهة. أوّل المستجيبين يقعون ضحية الفيروس. والجميع يشعرون بتأثيره القاتل.

سحب كورونا البساط من تحتي … وساقاي ترتجفان.

أنا قلق من أن يتواجه صديق أو فرد من عائلتي مع كورونا قريبًا. إنّه يقترب.

وأنت؟

بالنسبة للمسيحية التي تعتمد التقويم الغربي، هذا أسبوع الآلام – الفصح (على الرغم من أنّه الأسبوع المقبل للمسيحية الشرقية). إنّه أسبوع آلام يسوع. يذكّرنا لوقا بأنّ الأسبوع بلغ ذروته بظلام دام ثلاث ساعات في منتصف النهار وغطّى الأرض كلّها. وبعد برهة، يخبرنا لوقا أنّ حجاب الهيكل انشقّ إلى قسمين. ثم “يا أبتاه، في يدَيك أستودع روحي”. ويبدو أنّ الأنوار قد أُطفئت.

بذلك انتهى أحلك أسبوع في تاريخ البشرية. الناس الذي رأوا ما حدث عادوا ديارهم وهم يقرعون صدورهم.

ما رأوه سحب البساط من تحتهم.

فكّروا في بطرس ويوحنا ومريم …

نحن نرى اليوم قيامة يسوع هازمًا الموت بعد أن كانت القيامة قد حدثت بالفعل. ولكن ماذا لو لم نكن نعلم ذلك، ماذا لو عدنا في الزمن إلى يومي الجمعة والسبت المظلمَين، كنّا سنعرف أنّ هؤلاء التلاميذ وجماعة النساء التابعات قد غلبتهم موجة من اليأس العميق. كان صلب المسيح أسوأ سيناريو ممكن.

غير أنّه في تلك اللحظات المظلمة، انشقّ حجاب الهيكل. لقد كان هذا أكثر من مجرّد رمز. لقد بات ذلك يمثّل بزوغ فجر الكنيسة … أنه لا شيء يفصل بين الشعوب (يهودًا وأممًا) عن بعضهم البعض … ولا شيء يفصلهم عن الله وأباهم وخالقهم. الطريق مفتوح!

كورونا – الكلمة اللاتينية للتاج. يبدو الفيروس كتاجٍ عند رؤيته تحت المجهر.

يا له من واقع يثير السخرية، أليس كذلك؟ فيروس مجهري زعم سيادة العالم وأوقف أنشطة سكّان العالم بأسره. بات كورونا ملك طاغية مجهري أجبرنا جميعًا على الخضوع!

يسود الطغاة خلال الأوقات المظلمة، لكن الظلام الذي يلف عهدهم يجعل النور أكثر وضوحًا وجاذبية. قد يكون من السابق لأوانه أن نطرح السؤال، لكنّني أتساءل عمّا إذا كان أيّ خير يمكن أن يأتي من استبداد كورونا.

يذكر البابا فرنسيس، في خطابه الأخير الذي استمده من لحظة مظلمة أخرى في الأناجيل، أنّ الفيروس علمنا أننا أقرب كثيرًا وأكثر ارتباطًا ممّا كنا نعتقد. يبرز فيروس كورونا المستجّد إنسانيتنا المشتركة. “كلنا مدعوون للتجاذب معًا، كل منّا بحاجة إلى تعزية الآخر”. في هذا العالم الممزّق، هل يمكن أن يشقّ شر كورونا حجاب الهيكل – الجدران التي تفصل بيننا؟

أنا ممتن للإنترنت وقدرته على مدّ خطوط التواصل بيننا حتّى في عزلتنا. لقد لاحظت أنّ أولئك الذين أتوق إلى التواصل معهم خلال هذه الأزمة هم أكثر أشخاص أحبّهم – العائلة أولاً ثم الأخوة والأخوات الروحيون الذين تشاركت معهم الحياة على مرّ السنين. إنّ الانسحاب من “الانشغالات” وطغيان المتطلبات الملحّة يعزّز التواصل مع من نحبهم ونقدّرهم. يكبح كورونا عجلة سرعة حياتنا لندرك مدى أهمية العلاقات لسعادتنا. نحن مخلوقون على صورة الله الآب والابن والروح، نحن مخلوقون للتواصل والعلاقات. ويعيد كورونا إبراز تلك الطبيعة فينا.

أدّى غزو فيروس الطاغية إلى التخفيف من سرعة حياة البعض منّا، دون البعض الآخر. يخدم مزاولو الطب والمستجيبون الأوائل في ظروف قاسية معرضين حياتهم للموت. في هذه اللحظة من الزمن، لم يعد أبطالنا رياضيين وممثلين، بل باتوا أطباء وممرضات ومستجيبي الطوارئ وموظفي الخدمة العامة الذين يخدمون بالفعل. لقد جرّد الغازي القيم الزائفة، وأعادنا إلى الخدمة الحقيقية.

كما كشفت كورونا عن شعورنا الزائف بالأمان. أوثاننا تتهاوى. الرياضة، الترفيه، الطعام، السفر، الاستثمارات، الأعمال التجارية … الأنشطة المشروعة والمفيدة وكذلك بعض الأنشطة غير المشروعة، تحولت إلى أفيون الناس … المخدرات المفضلة لعلاج فراغنا الذي لا هوادة فيه. وفيما منحناهم وقتنا ومواردنا، أطبقوا قبضتهم. وتحوّلوا من خدامٍ إلى أوثان … كائنات وسلع نعبدها ونتكرّس لها. لم نرهم بهذه الطريقة آنفًا. ربّما، الآن بعد أن انتزعنا كورونا من قبضتهم، يمكننا أن نراهم على حقيقتهم.

يستل هذا الملك المستبد المجهري سيفه ويغرسه في قلب نفسنا المتغطرسة. الكلّ بات عرضة الآن. بغض النظر عن كيفية تحديد قيمتنا سابقًا (الثروة، القدرة على التنقل، مكانتنا، صحتنا، براعتنا الجنسية، مهاراتنا، معرفتنا، وما إلى ذلك)، فإنّ كلّ شيء بات عرضة للخطر الآن … الكلّ معرّض.

ربما الرحمة الخفية في ظلمة كورونا تكمن في اختراق حرمة قلوبنا، وتحريرنا لنتذكّر ونتوق لملك آخر.

وعلى حدّ تعبير الملك الحقيقي، حان الوقت “لنكون ساهرين ونشدّد ما بقي”. (رؤيا 3: 2)

تبدو لحظة جيدة للصلاة …

أبانا وراعينا المُحِب

نحن نقاتل غازٍ مجهري، ملكٍ مزعوم. لذا نلجأ إليك وإلى ابنك المتوّج وإلى روحك الساكن فينا بينما نتذكّر أنّ أحلك لحظة في التاريخ كانت لحظة فدائنا ومصالحتنا لك. لذا في هذه اللحظة المظلمة الجديدة، نحوك نرفع أعيننا. نضع رجاءنا فيك أنت درع لنا ورافع رؤوسنا. ما بدأته من رحمة أكمله. اشفِ انقساماتنا وأعدنا إلى محبة قريبنا. اشفِنا من أوثاننا وأعِدنا إلى ابن محبتك. اشفِ علاقاتنا التي أهملناها لفترة طويلة. استرد الأنا المنكسر فينا كي نجد قيمتنا الحقيقية في علاقتنا معك كأبناء وبنات.

يا ربّ، ارحم أولئك الذين ليس لديهم منزل يحتمون فيه، ولا طبيب يستشيرونه، ولا موارد لشراء خبزهم اليومي، ولا أسرة للتقرب منها، ولا وعي لحماية أنفسهم، ولا دولة ينتمون إليها. يا ربّ ارحم. يا يسوع ارحم.

امنح شعبك مقدرة الابتعاد عن اللوم، والحرص على حفظ الذات، والشعور بالتفوق والأوثان المزيّفة، وأعدهم المحبة والرحمة وديناميكية بذل الذات .التي تميّز إنجيل المصالحة

.امنحنا ألا ننسى، بمجرد أن تزول الآفة، قيمة هذه اللحظة وجمالها

آمين

اترك رد