فايروس كورونا المستجد والنجاسة الكتابية: اذهبوا وانقلوا العدوى لجميع الأمم

عيد القيامة بأجواء عائلية فريدة رغم وباء كورونا
أبريل 16, 2020
التضامن بين الأديان خلال شهر رمضان
أبريل 30, 2020

بقلم نبيل حبيبي

قوانين الطهارة هي أحد أكثر أوجه العالم القديم غرابة. فثمة الكثير من المجموعات اليهودية وحتّى الناس العاديين كانوا في وعي دائم حول الطهارة الطقسية ولا سيّما فيما يخص الأكل والصلاة في الحياة اليومية.[1] وطالما عاشوا في خوف من خطر خفي بحيث كانت خياراتهم اليومية حول ماذا يأكلون ومع من يتخالطون وماذا يلمسون تحمل عواقب وخيمة. بينما يجتاح فايروس كورونا المستجد عالمنا نجد أنفسنا في خوف مشابه من عدو خفيّ. هل يمكن أن تساعدنا المفاهيم الكتابية للنجاسة في الجائحة اليوم؟

إذا أصاب البيت نجاسة في الأيام الكتابية كان ممكن أن يُدمّر البيت (لاويين 14: 33-56). وإذا لمست جثّة أو حتى وقفت في الغرفة نفس مع جثّة تصبح نجسًا وممكن أن تنقل نجاستك للآخرين عبر اللمس (عدد 19: 11-22). لم تنتقل النجاسة عبر اللمس فقط بل أيضًا عبر الهواء، وإن أصبحت نجسًا فأنت تضع نفسك وعائلتك وكل مجتمعك في خطر. بالنسبة لبعض الفرق اليهودية، مثل مجتمع قمران، كان من الممكن أن تُمنع عن المائدة المشتركة لمدة سنة إذا كنت نجسًا (أنظر مثلًا قانون الجماعة 1QS 513).[2]

من الملفت أنّ فايروس كورونا المستجد يشبه هذه النجاسة الخطرة في العالم القديم. من الممكن أن ينتقل الفايروس عبر الهواء، ومن يصيبه المرض يضع نفسه في خطر ويصبح مصدر تلوث للآخرين. وحتّى نجد في عدة سياقات أنّ مرضى الكورونا يتعرّضون للكراهية، حتّى أنّ تقرير تلفزيوني غير دقيق في محطة لبنانية محلية ادّعى أنّه ممكن للحيوانات الأليفة أن تنقل المرض للبشر ما دفع المئات في البلد للتخلي عن حيواناتهم الأليفة وتركهم على الطرقات.[3] انقسم الناس بين من هو “طاهر” ومن هو “ملوّث،” ونعيش في خوف من الجيران والأصدقاء.

ولكن لماذا خاف القدماء من النجاسة؟ ببساطة، لأنّ “القداسة تتطلّب الطهارة.”[4] العبرانيين الذيت تلقوا الناموس نظّموا مخيّمهم، ولاحقًا أرض الموعد ومدينة أورشليم المقدسة، بطريقة متمركزة حول الهيكل، حيث الهيكل أو خيمة الاجتماع في الوسط والمجتمع منظّم حوله في دوائر متباعدة. أيّ نجاسة في المجتمع خطر على الهيكل وبهذا تكون الطهارة هي الحدود بين من يُسمح له بالدخول ومن يبقى في الخارج لكيلا يكون تهديدًا على حضور الله.[5] لذا، رسمت قوانين النجاسة الحدود الاجتماعية والكونية.[6] لم يتمكّن النجسون من الدخول إلى محضر الله ليكلا يلوّثوا حضور الله في كلّ المخيّم أو المدينة، وكان ثمة طقوس مثل يوم الكفارة لتطهير قدس الأقداس نفسه (لاويين 16).

بينما خاف شعب الله في القديم من النجاسة، يسوع، وهو نفسه معلّم يهودي من الجليل في أوائل القرن الأوّل، أخذ منحى مختلف تجاه النجاسة. نرى يسوع باستمرار في الكتب المقدسة في هجوم مباشر على النجاسة، حيث يجتاز الحدود التي وضعتها النجاسة. نراه يدخل القبور، وهو مكان شديد النجاسة لليهود، حيث يقطن رجل تسكنه فرقة من الأرواح النجسة، ومن ثم نرى ذلك الرجل الذي لم يستطِع أحد السيطرة عليه يجثو بخوف أمام يسوع قدوس الله (مرقس 5: 1-20). نرى يسوع يرد بمحبة على المرأة النجسة النازفة التي لمست هدب ثوبه، فعوض عن تأنيبها للمسه وجعله نجسًا بحسب الشريعة نراه يشفيها ويدعوها ابنة (مرقس 5: 24-34). وأهم هذه المقاطع هو نقاش يسوع الشهير مع الفريسيين حول النجاسة في مرقس 7 (أيضًا نقاش حول غسل اليدين)، حيث يقدّم يسوع مبدأ جديدًا وطريقة ثورية لرؤية الأمور: لا يهم ماذا تلمس أو تأكل، بل كلّ الأهمية في هويتك، من أنت.

لم يحيا يسوع في خوف من أن يصبح نجسًا، ولم يسمح للخوف من النجاسة أن يرسم له حدود تحركاته وعلاقاته. بل على العكس، جعل الأرواح النجسة تخاف من حضوره، فحضور الله القدوس يقتحم عالمنا الملوّث والروح القدس يعيد كتابة الحدود بين الناس من خلال محوها كليّا.

ماذا نفعل إذًا بهذا النقاش القصير حول النجاسة من قديم وهذا الفايروس الجديد؟ هي دعوة، في جوهرها، لنحيا حياة تشبه يسوع، أن نحيا بلا خوف. لا أدعوك لترك المنزل بدون سبب وجيه، ولا لعدم الالتزام بالنصائح الطبية (ما زلنا بحاجة لغسل اليدين اليوم)، ولكن أدعوك ألا ترتعد خوفًا مثل باقي الناس بينما تختبئ في البيت. من الممكن أن نُصاب بفايروس كورونا، ومن الممكن أيضًا أن يقتلنا، ولكن الألم والموت ليسا جزءًا من مخاوفنا واهتماماتنا. يسوع قام. دعونا نحيا كأتباع للمسيح المقام.

ستستمر الأيام القادمة بفحص إيماننا كأفراد وككنيسة، فلنواجه هذه الأيام الصعبة بمحبة وفرح ورجاء ولطف وكرم وقوة بينما يجتاح فايروس كورونا المستجد الأمم. بنهاية المطاف، الأساس هو ردّة فعلنا تجاه الفايروسات والنجاسة، وليس هذه الأشياء بعينها.

في البلدان التي تمر بأزمة، مثل لبنان، قد نشهد سرقات وجرائم وضيقًا اجتماعيًا بينما تستمر نسب البطالة بالارتفاع الجنوني ويستمر الاقتصاد بالهبوط الحر. فلنواجه هذه الضيقات بثبات في هويتنا كاولاد الله، شعب نزاهة وشفافية، في وجه النجاسات الملوّثة الحقيقية في عالمنا اليوم، الخطية والشر.

ستشهد الأيام القادمة بناء المزيد من الأسوار بين الأصحاء والمرضى وبين من يملك الكثير ومن لا يملك شيئًا. لنواجه هذه الأيام ببناء الجسور عبر الحدود، ولو تعرّضنا للعدوى أو الإفلاس، لكي نُظهر محبة المسيح للجميع.


[1] Jonathan Klawans, Purity, Sacrifice, and the Temple: Symbolism and Supersessionism in the Study of Ancient Judaism (Oxford: OUP, 2006), 169.

[2] Hannah K. Harrington, The Purity Texts. CQS (London: T&T Clark International, 2004), 23.

[3] https://www.al-akhbar.com/Media_Tv/286599/%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9-mtv-%D8%A5%D9%86%D9%83%D8%A7%D8%B1-%D8%AA%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87-%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%AA

[4] John J. Gammie, Holiness in Israel (Overtures to Biblical Theology; Minneapolis: Fortress Press, 1989), 195.

[5] Christian Frevel, “Purity Conceptions in the Book of Numbers in Context.” In Purity and the Forming of Religious Traditions in the Ancient Mediterranean World and Ancient Judaism. DHR 3 (eds. Christian Frevel and Christophe Nihan; Leiden and Boston: Brill, 2013), 378-80.

[6] Mary Douglas, Purity and Danger: An Analysis of Concepts of Pollution and Taboo (New York: Routledge Classics, 2002), 140.

اترك رد