التضامن بين الأديان خلال شهر رمضان

فايروس كورونا المستجد والنجاسة الكتابية: اذهبوا وانقلوا العدوى لجميع الأمم
أبريل 23, 2020
رجاء الحجْر المَنزلي: تأمّلات في أربعة مستويات من المنزل في ظلّ الوباء
مايو 7, 2020

بقلم مرتان عقاد

تجمَّعَ طفلاي الصغيران (في الثامنة والعاشرة من العمر) حولنا أنا وزوجتي، منذ أيام قليلة، لنتحدّث معًا قلبًا لقلب. على الرغم من أننا كنّا حتى الآن قد قرّرنا تجنيبهما مشاعر الهم لجهة الأمور الماليّة، فقد شعرنا أنّ الوقت قد حان لإجراء محادثة من شأنها توعيتهما بالوضع الاقتصادي الحالي في لبنان. لا، لم نقرّر تحويلهما إلى خبيرَين اقتصاديَّيْن، ولم نقصد أن نجعلهما يشعران بأنّهما ضحيّتا الظروف. ما أردناه هو أن نزرع فيهما شعورًا أكبر بالتعاطف مع المحنة التي يمرّ فيها المواطن اللبناني.

التعاطف هو القدرة على إدراك العواطف التي يختبرها الآخرون من حولنا. فنفرح مع الآخَر عندما يكون سعيدًا، ونبكي معه عندما يكون حزينًا، وننتفض عندما يشعر الآخَر بالغضب إزاء ظلم اختبره، ونحبس أنفاسنا معه عندما يشعر بالخوف. اختبار تلك المشاعر المشتركة معًا يجعلنا نتأهّب للعمل تضامنًا مع الآخر. التعاطف هو ما يزيدنا إنسانيّةً، ويجعلنا جيرانًا أفضل، وأصدقاء أكثر أمانةً، ومواطنين أكثر مسؤوليّةً.

الليرة اللبنانيّة الآن في حالة تدهوُر حادّ مقابل الدولار الأمريكي. أسعار المواد الغذائية خرجت عن السيطرة. قدرتنا الشرائيّة أضحت أضعف من أيّ وقت مضى. وأكثر من نصف الشعب اللبناني – بعضهم يقول 55٪ – باتوا تحت خط الفقر. في الوقت الذي سيتم فيه نشر هذا المقال، من المحتمل أن لا تساوي الليرة اللبنانية أكثر من ثلث ما كانت عليه قبل بضعة أشهر فقط. وإذا أعدتُ قراءة المقال في غضون بضعة أشهر، سأبتسم لذكرى تلك الأوقات الجيّدة اقتصاديًّا والتي قضى عليها الدهر. ومن ناحية أخرى، فبالنسبة لمعظم اللبنانيين، بقي دخلهم – في أحسن الأحوال – على ما كان عليه بالليرة اللبنانية. وعدد كبير من الآخرين أصبحوا يكسبون جزءًا فقط مما اعتادوا عليه. وقد فقد عشرات الآلاف دخلهم بالكامل، إمّا لكَوْنهم عمّالاً يوميّين أو لأنهم فقدوا وظائفهم في شركة غارقة بسبب الانهيار الاقتصادي.

هذا الوضع الاقتصادي، إلى جانب التحدّيات الاجتماعيّة الناتجة من وباء كورونا، سيجعل الصوم أكثر صعوبة من المعتاد بالنسبة للمسلمين هذا الشهر – شهر رمضان. وبغية معرفة حجم التحدي، سألتُ صديقي العزيز، الشيخ فؤاد، كيف يدعم الأئمّة المسلمون رعاياهم في هذه الأوقات. فأكّد لي أنّ “رمضان هو شهر الصبر والتحدّي. لأنّ الإنسان عندما يصوم، فهو يعمل على تقوية إرادته في مواجهة التحديات.”

وطبعًا الصوم ليس حكرًا على الإسلام، بل تمارسه كلّ الأديان على حدّ علمي. على المستوى الشعبي والتَقَوي – سواء كنت مسيحيًا أو مسلمًا أو هندوسيًا، فقد يكون الصوم طريقَك لكسب الحسنات عند الله. أمّا بالنسبة لآخرين قد ينتمون إلى تيارات روحية وزهدية، فإنّ الصوم هو انضباط روحي. من الآباء النسّاك في الصحراء، إلى الصوفيّين الزهديّين، إلى الرهبان التأمليّين في جبال الهيمالايا، يمكن أن يكون الصوم وسيلة للتخلّي عن الاحتياجات الماديّة وإخضاعها لسلطة الروح. ويمكن أن يكون طريقة لكبح الشهوات الجسدّية والانغماس في الحب الإلهي.

في فكر الكتاب المقدّس، يرتبط مفهوم الصوم بمبدأ العدل ارتباطًا وثيقًا. فنجد رسالة الله عبر نبيّه إشعياء واضحة ومؤثّرة وبخاصة في الفصل 58، العدالة تجاه الآخَر هي الشرط المسبق لحضور الله واستجابته لصلواتنا (انظر الآية 9). الصوم بدون عدالة مضيَعة للوقت: “فالصوم الذي أريده أن تُحَلَّ قيود الظُّلم وتُفَكَّ مرابط النّير ويُطلَقَ المُنسَحِقون أحرارًا، ويُنزَعَ كلُّ نير عَنهم (الآية 6)، أن تَفرِشَ للجائع خبزَكَ وتُدخِلَ المسكين الطّريد بيتَك، أن ترى العُريانَ فتَكسوه ولا تتهرّبَ مِن مساعدةِ قريبِكَ” (الآية 7).

وبذلك، فإنّ الصوم في الممارسة اليوميّة يجب أن يُربَط بالكَرَم والنية الحسنة. إنّ الإقلاع عن الطعام لبعض الوقت، ومقاومة نَزعات الأنا الدنيويّة، يجب أن يؤثّرا على نظام قِيَمك وأن يُساعداك في التغلب على أنانيّتك الطبيعية. كما أكّد لي صديقي الشيخ فؤاد، “إنّ الصوم هو فرصة للتواصل والتبادل والعطاء، لا سيّما للقادرين.” وأضاف موضحًا: “وهنا ينشط دَوْر الجمعيّات الخيريّة في التواصل مع الأغنياء لمساعدتهم في إيصال ما يرغبون من مساعدات مالية وعينيّة.”

عندما اجتمعَت أسرتي الصغيرة في ذلك الصباح، كان عليّ أن ألخّص الوضع في بضعة مبادئ أساسية للغاية يفهمها طفلاي ويمارسانها في مثل هذه الأيّام:

  • لا تركّز على ما عليك أن تتخلّى عنه، بل ركّز على ما تحتاج إلى أن تحتفظ به. فستدرك أنّك بحاجة إلى أقلّ بكثير ممّا كنت تعتقد.
  • أَنفِق أقلّ قَدَرٍ ممكن، حتى تتمكّن من إعطاء الآخَرين قدر الإمكان ممّا استطعت أن توفّره.

وقد لقي أحد تصريحات الشيخ فؤاد صدىً جيدًا بخاصة مع هذا التفكير: “لذلك فنحن في هذه الأيام الفضيلة، ندعو الناس للتقشف وعدم شراء إلاّ الحاجات الضروريّة. وندعو القادرين على العطاء والبذل ومساعدة الفقراء.”

في مقطع مذهل يرفع مفهوم التعاطف فوق المنطق البشري، يبني الرسول بولس على تعليم المسيح ويقول: “باركوا مُضطهِديكم، بارِكوا ولا تلعنوا. افرحوا مع الفَرِحين وابكوا مع الباكين” (رسالة رومة 12: 14–15؛ انظر أيضًا متى 5: 44 ولوقا 6: 28). يدعونا العهد الجديد إلى العيش المقتصد في هذه الأيّام – ولا شكّ أنّه يذكّرنا بهذا المبدأ كقيمة حياتيّة عامّة. سواء كنّا نصوم أو نمارس أي رياضة روحيّة أُخرى، فإننا لا نفعل ذلك لمجرّد اكتساب الحسنات الإلهيّة، ولا لنفخَر بقدرتنا على إخضاع رغبات الجسد. نحن نفعل ذلك لأنّ المسيح والعهد الجديد يدعواننا لممارسة التضامن الإنساني، فهو الرد الوحيد الملائم لشعور التعاطف، هذا الأنين العميق الذي يضعه الروح القدس فينا.

يسعى معهد دراسات الشرق الأوسط إلى الشراكة ضمن شبكة من القادة الدينيين المسيحيين والمسلمين للمساعدة في تلبية الحاجة المتزايدة للأمن الغذائي التي تواجه الأُسَر في لبنان. نرغب في أن نكون جزءًا من جهد عابرٍ للطوائف، تفاعُلاً مع التعاطف الذي وضعه الله فينا. ندعوكم إلى الصلاة من أجل هذه المبادرة النامية، وإذا كنتم ترغبون في البقاء على علم بها، يُرجى التواصل مع مدير علاقات الشراكة.

1 Comment

  1. يقول Ramy:

    د. مارتان أحيك على الطرح الكتابي المتزن.. نحتاج أن نتعلم أن الشعائر والمقدسات لن تكتمل إلا باقترانها بالقدوس وبشخصيته. فالعمل بحث اساس الصيام. والحب أساس العطاء.. شكرا

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: