رجاء الحجْر المَنزلي: تأمّلات في أربعة مستويات من المنزل في ظلّ الوباء

التضامن بين الأديان خلال شهر رمضان
أبريل 30, 2020
الإعلان عن محادثات الشرق الأوسط 2020
مايو 14, 2020

بقلم برنت حمود

تمضي البشريّة الكثير من الوقت داخل المَنزل في هذه الأيام. لقد حصرتنا أوامر التزام المَنزل لحد بعيد بالدوائر الخاصة، ما أدّى لبعض العواقب الصاعقة: وُضِع نصف عدد سكان العالَم في الحجْر، وقد بات تسعة طلاب من أصل عشرة خارج المدرسة، كما وأمسَتْ حركة الطيران جزءًا يسيرًا ممّا كانت عليه. تشكّل صور المساحات الفارغة لقطات رائعة وأيضًا مهيبة لهذه اللّحظة التاريخيّة. وسواء أنعشنا اختبار زمنٍ غير متوَقَّع من البساطة أو أصابنا الاستياء لسبب الاضطراب المطوَّل (أو التأرجح ما بين الموقفين)، إلّا أننا نواجه جميعًا ما هو غير مسبوق. يخفِّف هذا الموسم العالَمي من الحَجْر من أزمة كوفيد-19، غير أنّه يزوّدنا أيضًا بنظرة ثاقبة لأزمة إنسانيّة أعمق جدًّا من أيّة جائحة: أزمة المَنزل.

لا شكّ أنّنا كُوِّنّا كمخلوقات لنسكن المَنزل، وثمّة البعض اليسير من الأمور التي نرغبها أكثر من رغبتنا بملاذ آمن وهي أن نجد مغزى من الحياة، وأن نُؤصِّل جذورنا وأن ونكون ملء أنفسنا. يُعَدّ المَنزل مفهومًا وتجربة عمرها من عمر التاريخ؛ يبدأ الكتاب المقدَّس بسرد قصّة يصمّم فيها الله الخليقة وهي كلّها في مسكنها. غير أنّ الخطيئةُ قلبت الأمورَ رأسًا على عقِب. لقد أُفسِدتِ الجنة المورقة النّضرة التي تحوي “كل شجرة شهيّة للنظر وجيدة للأكل”[i] وتحوّلت إلى أرضٍ مُتربةٍ تنبت “الشوك والحسك”[ii]، وابتُلِيَ العالَم مُذّاكَ الحين. تتميّز قصة البشر بالبحث عن ملاذ للسكن في عالَم يهدّد على الدوام بتقويض أيّ شعور بالأمان والانتماء. يا لها من حالة وجوديّة محفوفة بالمخاطر، تجتمع فيها حاجتنا الماسة للمسكن وحبّنا الدؤوب له وهمّنا الدائم لتأمينه.

ثمة القليل من القوى التي تُحرّكنا بالقدر نفسه التي تحرّكنا فيه قوّة المَنزل. عبَرَ البشر البحار واليابسة بحثًا عن بقعة عشب ليستملكوها، وقد زهقت أعداد لا تحصى حياتها دفاعًا عن الأوطان. تتشبّع القصص والقصائد والأغاني بمعانٍ جوهريّةٍ حول مفهوم المَنزل، والتي يتردّد صداها في أعمق مكامن وجودنا. عندما يغني جون دنفر “يا طرقات بلادي خذوني إلى منزل انتمائي” وعندما تغنّي فيروز “يا هوا، دخل الهوا، خدني على بلادي”، فهما لا يذكران مجرّد مشاعر عابرة، بل فيها من الصلاة التي تتوق لِما هو أعمق جدًا ولكنّه للأسف أمرًا بعيد المنال. وثمة مقولة تكشف حقيقة مُرَّة وهي: ما مِن مكان مثل البيت.

إنّ حاجتنا للمنزل جليّة غير أنّ اختباراتنا متشابكة، وبخاصّة أثناء جائحة كوفيد-19 الحاليّة، إذ بات المَنزل يجمع الملاذ وقارب النجاة والسجن في آنٍ معًا. وها الوقت المناسب للتأمّل في هذا المكوِّنِ الرئيس للتجربة الإنسانيّة، وأرى أنّ المفهوم السليم يتجلّى بالتفكير بالمَنزل في أربعة مستويات متمايزة ومتقاطعة. يمكن لهذا النوع من التأمّل أنْ يربط أزمتنا الوبائيّة الحاليّة بأزمة الوجود الإنساني الكبرى وأنْ يجذبنا عميقًا نحو الرجاء الأبدي في الله.

المستوى 1: البيت أو المسكِن

من أبهى الصور التي نعبّر فيها عن المنزل هي أنّه ذلك المكان الخاص والحميم للعيش. يُعدّ المأوى حاجة إنسانيّة حيويّة وهو موضوع عام للهاجس البشري (تتخصّص صناعات برمّتها لـ “تحويل البيت إلى منزل”). ونحن نقدِّر الحالة الصحيّة المَنزليّة الجيدة ونحزن لخسارة المنازل عندما تتفكّك أو عندما تنهدم. تصبح المساكن امتدادًا لأنفسنا، فتَركُ البيت طعمه بمرارة العلقم.

يكشف لنا كوفيد-19 إشكاليّة هذا المستوى المَنزل. إنّ هدف البيوت هو المحافظة على سلامتنا، غير أنّ السلامة ما هي إلاّ وهْم لمن يعيشون في فقر مدقع، حيث تدابير قيود التحرك غير ممكنة. وعلاوة على ذلك، إنّ ما يدعو للقلق هو انتشار تقارير حول أفراد مضطرّون لعزل أنفسهم في منازل مسيئة، حيث الخطر الأكبر لا يتربص في الخارج بل يداهمهم في الداخل. المفترض أن يكون البيت المكان الأكثر أمانًا – ولهذا السبب تحديدًا طُلِب منّا التزام المَنزل – غير أنّ البيوت كثيرًا ما تمسي أماكن ضارية؛ وتعجز اللقاحات الطبية عن تعزيز المضادّات الحيويّة اللّازمة لبناء مناعة منزليّة. لا يجب على أحدٍ التردّد في طلب المساعدة أو في تقديمها عندما يصبح المَنزل خطرًا.

المستوى 2: المجتمع

إحساسنا بالبيت يمتدّ إلى مستوى المجتمعات الجغرافيّة والعلاقيّة المحيطة بنا. وقد يتشكّل هذا أحيانًا عبر روابط عائليّة أو قبليّة في السياقات القروية. وفي أحيان أخرى تأتي عبر شبكة محليّة من الجيرة، زمالة العمل، أهل الإيمان المشترك، زملاء الدراسة والمعارف. وبغض النظر عن السياق، ينطوي التواجد في المَنزل على التنقّل في أرجاء الأماكن المألوفة وضمن مجتمعات الألفة بحيث تكون معروفًا ومُقَدَّرًا. وصدقت كلمات الأغنية؛ تحتاج لأماكن “حيث يعرف الجميع اسمك ويسعدهم قدومك على الدوام”.

لقد فصلتنا سياسات التباعد الاجتماعي لحد بعيد عن مواقع المجتمع وأنشطته، وإذ بنا نعاني. لا يمكن لأيّة كميّة من أوراق المرحاض أو لخدمات البثّ عبر الإنترنت أنْ تحلّ محلّ شعورنا بالرضى ولا تُضاهي مشاركة الآخرين الوقت والمكان. لقد حوّلنا كوفيدُ-19 جميعًا لأطفال نشتاق لأصدقائنا ونود اللعب معهم مجددًا بكلّ بساطة. بل أننا نفتقد التواجد حتّى في محضر الغرباء! ولا شكّ أنّ تكنولوجيا الاتصالات مذهلة، غير أنّنا لسنا مصمَّمين للتواصل الافتراضي والرقمي أو للعزل لفترات مديدة. غير أنّ البعض يشهد توطيدًا للمجتمع مع بروز إحساس متجدّد بالتكافل والاهتمام ضمن الشبكات المحجورة. لعلّ الفيروس يعالج المجتمعات المريضة بطريقة أو بأخرى عبر تذكيرنا بأهميّة العيش مع الأشخاص الأقرب إلينا.

المستوى 3: العالَم

إن الجنسيّة، أو المواطَنة، ضرورية للانتماء لدولة قوميّة، وبالتالي للعالَم الحديث. تشكّل وثائق الهُويّة ممتلكات ثمينة، إذ تسمح لنا أنْ نشعر بالانتماء في العالَم، وذلك عبر منحها لنا الوصول إلى سلّة من الحقوق والحَصانات. ولاستيعاب أهمية هذه المسألة، تصوّر ببساطة لو حاولت العيش من دون أيّة وثائق رسميّة تثبت هُويّتك. لن يحتاج مكتومو القيد تخيّل الأمر؛ فهم محرومون من الجنسيّة وسيبقون منبوذين أينما حلّوا. يختبر الملايين يوميًّا من مكتومي القيد أزمة وجوديّة، كما وأنّ وباء كوفيد-19 يُفاقم استضعافهم اللامتناهي. كيف لأيّ إنسان أنْ يشعر بأنّه ينتمي لوطنه الذي هو بمثابة بيته في عالَم لا يعترف بوجوده/ـا القانوني؟ نعم، سيتم رفع إجراءات الحظر بالكامل وسيعود معظمنا إلى عالَم سيستقبلنا بالتّرحاب، غير أنّ مكتومي القيد لن يعرفوا سوى عالَم الإقصاء.

ما العمل حينها، بينما يتربّص إحساس التشرّد بالبعض حتى أبّان الاحتماء في بيوتهم؟ كيف يمكن أن نأمل مستوى من الراحة في عالَم لا يفي بوعده بتأمين مكان لنا؟ يكشف الإيمان الكتابي علاجًا نهائيًا وحاسمًا، وهو مفعم بقوة نابضة قادرة على تحويل شتّى الظروف وتحقيق توقنا لوطنٍ.

المستوى 4: ملكوت الله

إنّ ملكوت الله غامض ومربك وحقيقي جدًا. إنّه يخترق جميع الأماكن ويُفعّلها على نحو جذري، وذلك حتى أحلك الحالات. الملكوت رجاؤنا الأعظم لوطن، وهذا ما أعلنه يسوع مبشِّرًا بإنجيل الملكوت وداعيًا الناس للمصالحة مع الله، وللمصالحة مع بعضهم البعض ومع انتمائنا ومكاننا في العالَم. لا شكّ أنّها بُشرى سارة للجميع، وبخاصة لأولئك الذين تم إخضاعهم لكتمان القيد، ومع ذلك، فهم ما زالوا متشبّثين بوعد الميراث؛ منزلاً، على الأرض.

وبغض النظر عمّا قد تبدو عليه الحياة على أيّ صعيد آخر، فسيتمكّن الذين حصلوا على مكانٍ في ملكوت الله أنْ يطالبوا بمنزل يقلب كل الأعراف الدنيويّة رأسًا على عقب. سواء ربضوا في المراعي الخضر وفي مياه الراحة أو تشرّدوا في وادي ظلّ الموت، فهم يتشبثون براحة معرفة أنّ الله معنا. في هذا الملكوت الكؤوس مرويّة انتظارًا لِما هو أعظم. وكما بدأ التاريخ بخلق وطن حسن، هكذا سيتكمّل باستعلان خليقة جديدة حيث نسكن في المسيح للأبد. يا لعُجْب النعمة القائلة: “وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا”[iii]. ما من أدنى شك بالنّسبة لرعايا الملكوت بمكان المنزل الأسمى وبمن هو منزلهم الأسمى.

وإلى أنْ يكتمل التاريخ، هناك تاريخ لا بدّ مِنْ صنعه. وفي مسيرنا داخل أزمنة الوباء وخارجها، نرجو أنْ تتسمّر أنظارنا شاخصة نحو المَنزل الأعلى، وأنْ نخدم بأمانة لنرى راحة الملكوت “كما في السماء، كذلك على الارض”. ها وليمة العرس آتية، بل ويمكن تذوّقها من الآن. التباعد ليس من خِصال هذا الملكوت. وعليه، دعونا نحيا عالِمين أنّ لنا في المسيح وطن، إذ ندعو العالَم لمشاركتنا رجاءنا الرّاحة التي لنا في وطننا. يا ليت هذا النوع من التزام المَنزل يبقى أبدًا في قلوبنا.


[i] تكوين 2: 9

[ii] تكوين 3: 17-19

[iii]يوحنا 14: 3

اترك رد