عن التّونة، الإيمان والاقتصاد!

آلهتنا تحترق
مايو 21, 2020
قوّة تأثير القصّة
يونيو 4, 2020

بقلم وسام نصرالّله

لطالما استَمْتَعْتُ بتسوّق البقالة في عطلات نهاية الأسبوع لشراء حاجيات عائلتي. ومع ذلك، فقد بات التسوّق من البقالة في لبنان خلال الشّهْرَيْنِ الماضِيَيْن تجربة نفسيّة وروحيّة بالفّعل. والمربك في الأمر هو ليس الاستعداد لاستخدام الأقنعة والقفّازات ومُعَقِّم اليَدَيْن، وإنّما عدم معرفة لما يُمكن توقُّعه من تضخُّمٍ للأسعار بين الزّيارة والأخرى. فكلّما تدهورت قيمة اللّيرة اللّبنانيّة مقابل الدّولار الأميركي، ارتفعَتِ الأسعار أكثر. حتّى أنّ بعض المحال التجاريّة تغيّر الأسعار خلال اليوم نفسه. يُكمن تسعير المنتجات صباحًا وإعادة تسعيرها في فترة ما بعد الظّهر. إنّه حرفيًّا ما يمكن تسميته بالتضخُّم الفوري.

ولكنْ ما علاقة تضخُّم سعر التّونة بالإيمان؟

بالنّسبة لبلدٍ يستورد معظم حاجيّاته من الخارج، فهذا يعني عمليًّا أنّ لا شيء سيسلم من التضخّم، لا سيّما حسابي التّوفيري باللّيرة اللّبنانيّة. ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، لقد شهِدَ ما يُعرَف  بالـ  SMEB(الحدّ الأدنى من الإنفاق لضمان البقاء) ، زيادة بالأسعار بنسبة  71% ما بين أكتوبر/ تشرين الأوّل 2019 و20 أبريل/ نيسان 2020  (وما زالت الأسعار ترتفع منذ ذلك الحين)، في حين فقدت اللّيرة اللّبنانيّة ما يصل إلى 160% من قيمتها مقابل الدّولار. تكشف هذه الأزمة عن مدى تحوُّل الاقتصاد اللّبناني إلى اقتصاد رَيْعيّ كسول مُدمن على تحويلات الدّولار الأميركي من اللّبنانيّين المغتربين. وبين السكرة والصحوة، سيكون علاج إزالة السّموم طويلًا ومؤلمًا حيث سيتعيَّن على الأكثر استضعافًا دفع الثمن الأعلى.

بات التسوّق من البقالة في بعض الأحيان كَمَنْ يلعب بسوق الأسهم بربحه وندمه: فسرعان ما يزول الربح عند رؤية سعر منتج  اشتريته وقد تضاعف سعره، فتشعر بالنّدم الشّديد لعدم تخزينك المزيد منه. غير أنّ ثمّة ما كان يمنعني من تبنّي عقليّة “رعاة براري الغرب” ووضع رفّ كامل من علب التّونة في عربتي. يرفض الجانب الأيمن من دماغي الاعتقاد بأنّ أسعار السّلع يمكن أنْ ترتفع أكثر، بينما يعلم الجزء الأيسر من دماغي وفقًا لعمليّة حسابيّة أكيدة أنّ المنتجات تُستورَد بأسعار صرف الدّولار الجديدة. لذلك من الأفضل أنْ أشتريَ اليوم ما سأحتاجه غدًا قبل أنْ تفقد اللّيرة اللّبنانيّة قيمتها أكثر. ولكنْ هل سأحتاج غدًا أمرًا أجهله اليوم؟ إضافةً إلى الصّراع العقلي لتعظيم المنفعة الاقتصاديّة ونزعة تجنب الخسارة[1]، فإنّنا نواجه معركةً روحيّة. كم ينبغي أنْ أُخَزِّن بكلّ الأحوال؟ هل ثمّة حدّ أخلاقي؟ هل يعني “التّخزين للغد” أنّني لا أثق باللّه بقدرٍ كافٍ اليوم؟ ماذا سيحدث إذا بدأ الجميع بالتصرُّف مثلي؟

ثمّة أمرٌ واحد مؤكّد: إنّ مجرّد التّفكير في أنّي هدف سهل المنال في خضمّ الأزمة، يستهلكني. إنّ ملء عربتي بصناديق المعكرونة أو المنتجات التي لم تشهد تضخّمًا حادًّا بعد هو أسلوبي اللاوعي والعقيم للقول أنّني لن أذهب دون قتال بعد أنْ خسرت بالفعل معركة تخفيض قيمة العملة وضربة ضوابط رأس المال. إنّ التخطيط المُسبق وإدارة الموارد بحكمة أثناء الأزمات تمامًا كما فعل يوسف عندما كان حاكمًا لمصر (تكوين 41) هو لأمر جيّد، لا سيّما إنِ استطاع المرء مساعدة الآخرين عند وقوع الكارثة. لم يُفَسِّر يوسف حلم فرعون فحسب، بل قدّم أيضًا نصيحة بشأن ما ينبغي القيام به وتصَرَّفَ بناءً عليه. ومع ذلك، فإنّ فقدان السّلام مع هذه النزعة للتخزين يكشف عن انعدام الثّقة باللّه. ولعلّ هذا هو أكثر ما أثّر عليّ من النّاحية الرّوحية.

أدرك أنّ الرّغبة في السّيطرة على كلّ شيء، وبخاصة حسابي التّوفيري، هي ليست نوع العلاقة التي يريدها اللّه. من الواضح أنّني لم أكن مستعدًّا أن أقول ما قاله أيّوب: “الرّب أعطى والربّ أخذ، فليكن اسمُ الربِّ مباركًا” (أيوب 1: 21). لقد كنت متمسّكًا بنمط حياة متخفٍّ بمحاولة أخذ معظم علب التّونة المفضّلة لديّ وتخزينها من دون التفكير بما فيه الكفاية بأولئك الذين هم في أمسّ الحاجة إليها. لقد جعلتنا هذه السلسلة من الأزمات نتواضع كلبنانيّين في النواحي التي كنّا فيها أكثر تكبّرًا: أسلوب حياتنا، طعّامنا الرّائع وتلذّذنا بالحياة. تبيّن أنّ الكثير من هذه الأمور ما كانت إلّا وقتًا مُستعار سيُسترّد يومًا.

إنّ الدّرس الذي ما زلت أتعلّمه اليوم هو القناعة ومحبّتّي للربّ لشخصه حصرًا، لا حُبًّا بأسلوب الحياة الذي استمتعنا به في يومٍ من الأيّام. وهذا يعني حياة خالية من القلق النّاجم عن الـ FOMO “الخوف من أنْ يفوتني شيء” من أفضل أنواع الطّعام وأمتع الرّحلات أو حتّى التمتّع  بحياة “أفضل” من الناحية الماديّة. ويبيت هذا ممكنًا عند نوالنا أفضل جائزة على الإطلاق: علاقة فريدة مع مصدر الحياة نفسها. كما وأنّ عدم التّواجد ضمن هذه العلاقة لهو السبب الأكثر تبريرًا لشعور “الخوف من أنْ يفوتني شيء”.

صلاتي هي أنّه بعد أنْ يترك الجراد الجشع والرّبح السّريع الأرض فارغة ومفلسة أخلاقيًّا (وماديًّا)، يجوز لنا على حدّ قول النّبي يوئيل، أنْ نلجأ إلى اللّه: “بكلّ قلوبنا، وبالصّوم والبكاء، والنَّوْح، وأنْ نُمَزِّقَ قلوبنا لا ثيابنا” (يوئيل 2: 12 – 13).


[1] يفضِّل النّاس في الاقتصاد السّلوكي تجنُّب الخسائر بدلًا من الحصول على مكاسب معادِلة: نحن نُفَضِّل عدم خسارة 100$ بدلًا من الفوز بـ 100$

اترك رد