قوّة تأثير القصّة

عن التّونة، الإيمان والاقتصاد!
مايو 28, 2020
الجائحة وجسد المسيح: إعادة التّفكير في الكنيسة المحليّة
يونيو 11, 2020

بقلم وليد زيلع

جلّ ما يبقى راسخًا في ذاكرتي بعد مضي وقتٍ طويلٍ على سماع العظات، هو الصّور التي ترسمها تلاوة القصص أثناء الوعظ. تُشبه هذه الحكايات في كثيرٍ من الأحيان قصصي الشّخصيّة، والتي من خلالها تعلَّمْتُ دروسًا، واتّخذتُ قراراتٍ، وأعدتُ توجيه مسيرة حياتي. مُختصر الكلام، للقصص تأثير قوي.

سواءً كان التّعليم في كليّة اللاهوت أو الوعظ في الكنيسة أو دراسة الكتاب المقدّس ضمن مجموعة دراسيّة، فإنّ تبنّي عقليّة الراوي مفتاح للنّهج التحويلي والذي يختلف تمامًا عن الأساليب التقليدية المعتمدة سواء في التّعليم والوعظ ودراسة الكتاب المقدّس. تدعو هذه العقليّة المستمع إلى مقارنةٍ تعكس واقع المتلقّي اليوم، وتُلاحظ تأثير النفوذ على الجمهور وتشركه كما لو كانت قصص الكتاب المقدّس تُعبّر عن قصصهم الخاصّة. سوف أتأمّل، في هذه المدوّنة بثلاثة أمثلة من الكتاب المقدّس تُحاكي تأثير القصّة في تحريك القلوب لإدراك حقيقة صعبة والاستجابة لها بالتّوبة.

  1. دعوة للمقارنة: قصّة النّعجة (2 صموئيل 11)

عندما روى النبي ناثان قصّة النّعجة، كان يُصَوِّر رغبات داود الدّفينة وأسراره وخطاياه. لقد حارب أوريّا لأجل ملكه، غير عالِمٍ بشأن المكيدة التي نُصِبت ضدّه، وبذلك لقي حتفه وأصبحت امرأته زوجة لداود. أشار “ناثان” لعواقب أفعال “داود” من خلال دعوته إلى عالَم القصّة. وفيما تنكشف أحداث القصّة رويدًا رويدًا، نتفاجأ بالتصرّف الأناني للرجل الغني مقارنةً بتقاليد الضيافة في الشرق الأدنى. لقد كسر الأعراف بالاستيلاء على نعجة الرّجل الفقير بدلًا من ذبح إحدى نعاجه إكرامًا لضيفه. يدعو ناثان داود إلى حالة من الغضب البار على تصرّف الرّجل الغني دون أنْ يُدرك أنّ هذا الفِعل يوازي ما قام به.

تهدف القصّة القصيرة بدايةً إلى احتواء اهتمام المتلقّي من خلال جذب الانتباه بعيدًا عن أنفسنا ودعوتنا للدخول إلى عالم القصّة. لقد وقع داود في شرك حنكة ناثان، فدخل إلى عالَم القصّة عبْر باب تعمّد ناثان أن يتركه مفتوحًا. لقد واجه داود واقعه، ليس فقط بما يتعلّق بالماضي، وإنّما بالمستقبل أيضًا. كان حكمه الواضح على الرّجل الغني بمثابة إدانة ذاتيّة واضحة بمجرّد أنْ أخبره ناثان أنّه الرجل المقصود. لقد قفز داود فوق الفجوة المعضلية بين الرّجل الغني والرجل الفقير في القصّة، مُنَصِّبًا نفسه القاضي العادل الذي سيُصلح اختلال التّوازن هذا، ليبلّغ أنّ الدّور الذي يلعبه حقًّا هو دور الظالم عديم المبادئ. وبعد سرد قصّة الرّجل الغني الذي فكّك وِحدة أسرة الرّجل الفقير، وجّه ناثان أصبع الاتهام صوب داود الذي فكّك وحدة أسرة أوريّا. توضح هذه الحادثة في الكتاب المقدّس على نحوٍ درامي كيفية استخدام القصّة القصيرة والتي أدّت إلى إدانة داود لنفسه ومن ثمّ تغييره وتوبته. يوضّح استخدام ناثان للقصّة معرفة رسل اللّه لفعاليّة القصّة المتقنة السرد في نقل رسالة إلهيّة في الوقت المناسب.

  • تأثير النفوذ: قصّة المرأة الحكيمة (2صموئيل 14)

بعد مواجهته مع ناثان، تُخبرنا قصّة داود عن عواقب خطيّته في حياة ولدَيه أمنون وأبشالوم. بعد مقتل أمنون، حُكِمَ على أبشالوم أنْ يعيش في المنفى. غير أنّ يوآب، الذي بدوره كان يحترم الشريعة كثيرًا، رَغِبَ  بمساعدة داود لكي يعفو عن ابنه. لذلك مهّد يوآب الطريق عبر إرسال امرأة حكيمة لتروي قصّتها المزعومة للملك. كانت الخطّة تقتضي بجعل الملك يصدر حكمه في قضيّة وهميّة ومن ثمّ الكشف له عن التّشابه بين قضيّة المرأة وقضيّة خاصّة به. لقد أظهرت مستويات المفاوضات المختلفة بين المرأة والملك موهبة تلك المرأة في رفع قضيّتها إلى الواجهة حتّى وصلَتْ إلى مرحلة المقارنة.

إنّ القدرة على سرد قصّة تُشرك المتلقّين في أحداثها هي نقطة تحوُّل حيويّة في النهج التّحولي لسرد القصص. فعلى عكس ناثان، افتقرت المرأة إلى حصانة النفوذ وقاربت الموضوع من موقع ضعف. ولأنّ النّساء في العهد القديم لم يمتلكْن نفوذًا سياسيًّا أو دينيًّا، فقد تجلَّت حكمتهن من خلال استخدام الحنكة وقوّة الإقناع. وعلى الرّغم من أنّ الهدف الأساسي من قصّتها كان مستترًا، إلّا أنّ هناك أصداء واضحة تشير لأبشالوم وأمنون. اشترط النّاموس عقوبة الموت، بينما طرحت قضيّة المرأة أسبابًا مُحتملة للرّحمة. قد لا تتمتّع المرأة بنفوذ ناثان النبوي، لكنّها حتمًا كانت تمتلك مهارة تحويل قصّة مختلقة إلى أساس لمحادثات جرت على مستويات متعدّدة. كانت تتمتّع بالمهارة اللازمة لنقل القصّة إلى مرحلة المقارنة حيث تمكّن الملك أن يدرك أنّ الحكم في قضيّتها يمكن تطبيقه على وضعه الخاص. وعلى الرّغم من أنّ المرأة افتقرت إلى نفوذ النّبي، إلّا أنّ مهاراتها في السّرد والتّواصل أبقتها في محضر الملك لفترة كافية. وكلّما بدت أنّ المحادثة قد انتهت، كانت تطرح سؤالًا يفتح الباب لجولة أخرى. لقد ساهَمَتْ مهاراتها في سرد القصّة وإشراكها تدريجيًّا في تحقيق هدفها وتلبية طلبها.

  • إشراك المتلقّي: قصّة الكرمة (إشعياء 5)

تُصَوِّر بداية القصّة الكرمة الرديئة والتي على الرّغم من كلّ جهود الكَرّام لم تُثمر سوى عنبًا رديئًا. بالنّسبة للقرّاء المعاصرين من السّهل فَهِم ما تمثّله هذه الكرمة. ولكنْ، على غرار قصّة ناثان، لم يتمكّن متلقّو إشعياء من ربط القصّة بأنفسهم إلّا في وقت لاحق. الفارق بين إشعياء وناثان هو أنّ الأوّل يتعامل مع أمّة بينما الثاني يتعامل مع فردٍ واحد. لم يعد الأمر يتوقّف على خطيّة فرد، فلقد أخطأت الأمّة بأكملها تجاه اللّه. كانت استغرق الكثير من الجهد والوقت لجني الثمار الأولى كبيرة. وفيما تنكشف أحداث القصّة، يدرك المتلقّون نوع العنب الذي أنتجته هذه الكرمة: ثمرٌ رديء.

 إنّ للسؤال البلاغي حول الأسباب الكامنة وراء العنب الرديء غير المتوقَّع نبرة اتهام واضحة. يقرّر الكرّام نزع الكرمة والسور وهدم الحجارة وتدمير البرج. ويترك الأعشاب والأشواك تنمو لتأكلها وتدوسها الماشية. وأخيرًا، يكشف المالِك عن نفسه، إنّه الرب. يتمّ توضيح التّباين بين العنب الجيّد والعنب الرديء على نحوٍ صريح من حيث العدل والبِرّ اللذين يتناقضا مع  إراقة الدّماء والتمرّد. وعلى غرار قصّة ناثان في 2 صموئيل 12، يطلب الرّوي من المتلقّين إصدار الحكم أوّلًا ثمّ قبوله لأنّه ينطبق على أنفسهم.

 تشبه الحبكة التي حاكها إشعياء مُخَطَّط ناثان عندما استخدم قصّة لجعل الملك داود يُدين أفعاله. جعل إشعياء مستمعيه يدينون أنفسهم. غير أنّه من المهمّ أن نلاحظ أنّ الحكم الذّاتي أتى تدريجيًّا بينما تكشّفت القصّة للمتلقّين. قام اللّه الراوي في هذه القصّة بتجريد المستمعين من سلاحهم كي لا يربطوا سريعًا بينه وبين الشعب. إنّ إشراك المتلقّين وإيصالهم إلى مرحلةٍ تُمَكّنهم من رؤية قصص حياتهم تنعكس في القصّة المروية، تُمَثِّل خطوة ضروريّة في إيصال رسالة اللّه إلى ذروتها التحويليّة.

تتمتّع القصص بالقدرة على تجريد الشعب من أسلحتهم. يشعر الناس بالإهانة سريعًا ويُصبحون دفاعيّين عندما يُوجّه شخصٌ ما اتّهامًا مُباشرًا لهم. غير أنّ في القصص يرمي الناس أسلحتهم ويدخلون إلى عالَم اختبار أحداث القصّة. يبدو هذا جليًّا مع داود عندما أخبره ناثان عن قصّة النعجة والرجل الفقير. إنّ كلّ المبرّرات التي ابتدعها داود لتبرير سلوكه غير الأخلاقي تجاه أوريّا قد أُزيلت في لحظة. وكذلك المرأة الحكيمة فقد استطاعت من خلال رواية القصّة، والمناقشة المتعدّدة المستويات، ومهارات التفاوض، أنْ تعكس قرار داود وتشير ضمنيًّا إلى خطيّته في قتل أوريّا. والأمر نفسه ينطبق على قصّة الكرمة في إشعياء 5، والتي تُمَثِّل عصيان الشعب من خلال صورة الثمر الرديء أو العنب المرّ. دعا اللّه الراوي شعبه في نهاية القصّة أنْ يحكموا بينه كونه الكرّام وبين كرمته، ليكتشفوا فقط في نهاية القصّة أنّهم هم شعب إسرائيل ويهوذا، يُمثّلون الكرمة وخطيّتهم تُمَثّل العنب الرديء.

إنّ القصص تُعَرِّف عنّا كبشر، تُشَكّلنا، وتُسيطر علينا، وتصنعنا لأنّها جزءٌ من حياتنا اليوميّة. علاوة على ذلك، للقصص القدرة على تشكيلنا كمتلقّين، فهي تأخذنا في رحلة تُغَيِّر طريقة تفكيرنا، شعورنا، أو تصرّفاتنا. غيّرت قصّة ناثان حياة داود، فأيقظته من سباته بينما عكسَت قصّة المرأة قراره وألقت الضّوء على أفعاله السّابقة. تكشف قصّة إشعياء خطيّة شعب إسرائيل ويهوذا، والتي ستؤدّي بدورها إلى تحوُّل جذري في مرحلة السّبي، حيث سيُسمح للبقيّة بالعودة في الوقت المناسب.

إنّ الأشكال والبُنى والأنواع الأدبيّة والشّخصيات المختلفة للقصص لا تُقَوِّض قوّتها التحويليّة. تُحاكي القصّة الجيّدة حياة الأشخاص وتجذبهم إلى عالمها حيث يمكنهم التّفكير مليًّا في موقف موازٍ لهم وعلى أساسه التبصّر واستخلاص استنتاجات خالية من ردود فعل وقاية الذات، والتي قد يتبنّاها المرء في المواجهة المُباشرة. غير أنّ القصّة الجيّدة لا يمكنها تحقيق هدفها المقصود من دون رواة قصص ماهرين، سواء كانوا رعاةً، مُعلّمين، أو وعّاظ.

اترك رد