من جورج فلويد إلى إياد الحلّاق: هل يمكن للكنيسة الأمريكيّة أنْ تنخرط مع الفلسطينيّين أيضًا؟

الجائحة وجسد المسيح: إعادة التّفكير في الكنيسة المحليّة
يونيو 11, 2020
تقرير الندوة عبر الانترنت لمحادثات الشرق الأوسط 2020 -وقفة فاعلة: تأمّلات في حياة بسيطة، هادفة ومتغيّرة في زمن الجائحة
يونيو 25, 2020

بقلم وسام الصليبي

وسط الاحتجاجات على مقتل جورج فلويد، رفع العديد من الرعاة والقادة الإنجيليّين الصوت عاليًا دعمًا للعدالة العرقيّة، المُصالحة، وإصلاح المؤسّسات العامّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، من خلال عظات أيام الآحاد، الاحتجاجات السلميّة، ووسائل التّواصل الاجتماعي.

أودّ أنْ أتحدّى هؤلاء الرعاة والقادة لِحَبْك المظالم الواقعة في الأرض المقدّسة مع قصصهم وذلك للأسباب التالية.

السّبب الأوّل: ثمّة إفراط في استخدام العنف من الشرطة والجيش في الأرض المقدّسة.

بتاريخ 30 أيّار/ مايو، كان الشاب الفلسطيني، إيّاد الحلّاق، الذي يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، يتجوّل في شوارع القدس متوجّهًا إلى مركزٍ يُعْنى بمَرْضى التوحُّد. وعلى الرّغم من صراخ مُقَدِّم الرعاية الذي كان يرافقه على ضبّاط الشرطة بأنّ “إياد” من ذوي الاحتياجات الخاصّة، وعلى الرّغم أنّ الحلّاق لا يُشَكِّل أيّ تهديد، وعلى الرّغم من صراخه على الضّابطَيْن الإسرائيليَّيْن أنّه كان برفقة مُقدِّم الرعاية، إلّا أنّ الضّابطَيْن أطلقا النار عليه وأرْدَياه قتيلًا.

فعلى وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك عبر وسائل الإعلام التّقليديّة، قورِنَتْ حادثة مقتل الحلّاق بمقتل فلويد. إنّ العنصريّة الكامنة، وتسلُّط الشرطة والجيش، وعشوائيّة استخدام العنف، وأشكال قتل الأشخاص العُزَّل، والإفلات من العقاب، باتت أمورًا عاديّة جدًّا للفلسطينيّين في الأرض المقدّسة.

وبمجرّد نشر فيديو مقتل جورج فلويد، امتلأ تويتر بِصُوَر للفلسطينيّين في وضعيّات مشابهة، إذ كانوا مستلقين على الأرض، مُثَبّتين تحت رُكَب الجنود الإسرائيليّين.

إنّ التّقارير الواردة من الشرطة الأميركيّة التي أصابت المتظاهرين إصابات بالغة  بالرّصاص المطاطي بدت مألوفة. فما لا يقلّ عن واحدٍ وعشرين متظاهرًا من “غزّة” فقدوا عينًا جرّاء نيران القوّات الإسرائيليّة، بينما  فقد مراهق عينيه الاثنتين. وفي وقتٍ آنف من هذا العام، أطلق شرطي إسرائيلي النّار على فتى يبلغ  ثماني سنوات وأصابه في رأسه برصاصة مطاطيّة في  هجوم غير مبرّر. كما وأطلق جنود الاحتلال، في أواخر العام 2019 النار على مصوّر فلسطيني أثناء تغطيته لإحدى المظاهرات.

هذا لا يعني أنّ الظلم مماثل في الحجم. تحتفظ إسرائيل  بأنظمة تمييزيّة مترسّخة تُعامِل ثمانية ملايين فلسطيني معامَلة غير متساوية، ويواجه الفلسطينيّون  قيودًا شديدة على حقوقهم في السكن والملكيّة. ويُقتل مئات الفلسطينيّين المدنيّين  ظلمًا كلّ عام على أيدي الإسرائيليّين، وغالبًا ما يُعتَقل الكثيرون في  “الاحتجاز الإداري” لسنوات عديدة دون توجيه أيّ اتّهامات أو ارتكابات جرميّة.

كتب منذر إسحق، العميد الأكاديمي لكليّة الكتاب المقدّس في بيت لحم، “رمزيًّا، نحن نتعامل مع تجربة ]جورج فلويد[، لأنّنا أيضًا “لا نستطيع التنفُّس”. إنّ الجدار، المستعمرات ]الإسرائيليّة[ وحواجز التّفتيش تخنقنا. استولوا على الأرض، والمياه، والهواء، ويطمعون بالمزيد”.

السبب الثّاني: هل تُحبّون إسرائيل؟ نادوا بظلمها!

استُخدِمت كلمات عاموس النبويّة “لِيَجْرِ الحقّ كالمياه، والبرّ كنهر دائم”، مرارًا لدعم العدالة العرقيّة. غير أنّ هذه الكلمات جاءت في وقت كانت فيه المملكة الشمالية غنيّة ومزدهرة. ومع ذلك، اضطهد الناسُ الأبرياءَ، تقاضوا رشاوي، وحَرموا المساكين من العدالة في المحاكم (عاموس 5).

تدعم نسبة كبيرة من الإنجيليّين في الولايات المتحدة وحول العالَم، دولة إسرائيل، وللأسف، فإنّ غالبيّة هذا الدّعم يفتقر إلى الدقّة، وبخلاف عاموس، لا تُحاول هذه الأغلبيّة بأيّ حالٍ من الأحوال مساءلة إسرائيل على مظالمها ضدّ الفلسطينيّين.

في أيّار/ مايو من العالم 2016، ومع بدء مؤتمر المعمدانيّين الجنوبيّين في مناقشة القضايا العرقيّة والمصالحة في أميركا، دفع قادة الطّوائف باتّجاه قرار يدين دعوة المجتمع المدني الفلسطيني عام 2005 لمقاطعة إسرائيل، وتجريدها من هيمنتها ومعاقبتها (BDS) سعيًا لتحقيق المطالب الفلسطينيّة بالمساواة والعدالة. تجاهل قادة مؤتمر المعمدانيّين الجنوبيّين نداءات القادة المعمدانيّين العرب من إسرائيل وكذلك نداءات المجتمع المدني الفلسطيني والقادة السياسيّين الذين يرون في مقاطعة إسرائيل طريقًا سلميًّا لتحقيق العدالة.

في وقتٍ آنفٍ من هذا الشّهر، تحدّث عدد من قادة الكنائس والرّعاة بسخطٍ ونقمة، عندما قام الرئيس دونالد ترامب في الأوّل من أيّار/ يونيو، بالتقاط صورة من أمام كنيسة القديس يوحنا في العاصمة واشنطن وهو يحمل الكتاب المقدّس. يُذكّرني سوء الاستخدام هذا لكلمة اللّه بحادثة أخرى جرت في أيّار/ مايو من العام 2018، عندما ألقى القس “جون هاجي” ملاحظاته الختاميّة ورفع القس “روبرت جيفريس” الصّلاة في السفارة الأميركيّة، بُعَيد نقلها وإعادة افتتاحها في القدس. وكما تجاهل ترامب رجال الدين في كنيسة القديس يوحنا عند التقاط صورته التّذكاريّة، كلك فعل هذان القائدان الأميركيّان الإنجيليّان عندما تجاهلا الفلسطينيّين المسيحيّين. وقد ذكّرتني حادثة فتح قوّات الأمن الطريق باستخدام العنف ليصل ترامب إلى كنيسة القديس يوحنا، بما قام به الجيش الإسرائيلي مستخدمًا العنف لقمع المتظاهرين في غزّة في اليوم نفسه الذي افتُتِحت فيه السفارة الأمريكيّة –  ممّا أسفر عن مقتل 59 فلسطينيًّا وإصابة ألفين آخرين بجروح.

في القدس، لم يرفع الراعيان الأميركيان، جيفرس وهاجي، الصلاة من أجل هؤلاء الفلسطينيّين في غزّة. هل تقومون أنتم بذلك؟

 

السبب الثالث: لا تُمَيّز خطيّة العنصريّة بين “الآخرين”. ولا ينبغي لنا ذلك.

منذ أكثر من عام، نشرتُ على صفحتي على فيسبوك، هذه الصورة لفتى فلسطيني يتعرّض للضّرب، وهو معصوب العينَيْن، يقتاده عشرات الجنود الإسرائيليّين. كانت نيّتي من خلال هذه الصورة المعبّرة، فضح الظّلم الذي يواجهه الفلسطينيّون. وقد علّق أحد أصدقائي الأميركيّين على فيسبوك قائلًا: القانون والنّظام. هذا التّعليق الاستفزازي من قبل رجل أبيض، مسيحيّ، يذهب إلى الكنيسة باستمرار، جعل الدّم يغلي في عروقي، ثمّ حذفت التعليق على الفور.

لم أفهم هذا التّعليق بالكامل، إلّا عندما قرأْتُ كتاب جيم واليس المعنون “خطيّة أميركا الأصليّة“، حيث كتب: “يميل العديد من الأميركيّين أصحاب البشرة البيضاء إلى رؤية الحوادث المؤسفة بناءً على الظروف الفرديّة، في حين أنّ معظم الأميركيّين السود يرون الأنظمة حيث تكون فيها حياتهم أقلّ قيمة من حياة البيض” (ص 14).

في ضوء مفهوم القانون والنظام، إنْ حدث أنّ فتىً فلسطينيًّا – وهو يعيش في ظلّ نظام مؤسّسي وقانوني عنصري يحرمه وأقرانه من حريّاتهم وممتلكاتهم وتعليمهم، وفي بعض الأحيان، من حقّهم في الحياة – قرّر رمي حجر نحو قوّة عسكريّة أو قوّة شرطة تعمل على فرض النّظام، حينئذٍ سَيُجَرِّم القانون واقعة رمي الحجر. يتّسم مفهوم “القانون والنّظام” بالفرديّة ويُطابق لاهوتًا يعتبر الخطيّة عملًا فرديًّا. يرفض هذا المفهوم الأنظمة والمؤسّسات القانونيّة التي تُكَرِّس الظّلم – كما في الولايات المتّحدة، الأراضي المقدّسة، وأماكن أخرى – تمامًا كما يرفض لاهوتًا يعتبر المظالم الاجتماعيّة والمؤسّسية مظهر من مظاهر الخطيّة.

هل من المقبول، أو حتّى من الممكن في خضمّ التّغيير الحالي وزخم المصالحة التي تتكشّف في الولايات المتّحدة، أنْ يقوم عدد كبير من روّاد الكنيسة الأميركيّين أصحاب البشرة البيضاء، مثل صديقي على فيسبوك، بتغيير مواقفهم تجاه الأميركيّين من أصول أفريقيّة، بينما يحتفظون بالمواقف ذاتها تجاه الفلسطينيّين؟ وأيّ انتصار للإنجيل يمكن أنْ يتحقّق جرّاء ذلك؟

لا تُميّز خطيّة العنصريّة بين “الآخرين”، لذلك، ينبغي تأييد الدّعوة للعدالة العرقيّة والمصالحة على أوسع نطاق ممكن – الفلسطينيّين، العرب، المسلمين، الأميركيّين الأصليّين، الأميركيّين اللاتينيّين، وغيرهم من “الآخرين”.

أودّ أنْ أتحدّى اليوم الرّعاة الإنجيليّين والقادة في الولايات المتّحدة للاستماع إلى الفلسطينيّين كما يستمعون الآن لإخوانهم وأخواتهم الأميركيّين من أصول أفريقيّة. بإمكانكم البدء في قراءة كتاب منذر إسحق الأخير، الجانب الآخر من الجدار: رواية فلسطينيّة مسيحيّة عن الرثاء والأمل، أو حضور مؤتمر كليّة الكتاب المقدّس في بيت لحم  المسيح أمام الحاجز، أو حتّى تنظيم حدث كهذا في كنيستكم.

أودّ أنْ أتحدّى إخوتي في المسيح لِفَهِم خطيّة العنصريّة ومعالجتها من منطلق العلاقة “بالآخرين”، ورفض المواقف الخاطئة والمؤسّسات والقوانين الجائرة في الولايات المتّحدة كما في الأرض المقدّسة.

اترك رد