تقرير الندوة عبر الانترنت لمحادثات الشرق الأوسط 2020 -وقفة فاعلة: تأمّلات في حياة بسيطة، هادفة ومتغيّرة في زمن الجائحة

من جورج فلويد إلى إياد الحلّاق: هل يمكن للكنيسة الأمريكيّة أنْ تنخرط مع الفلسطينيّين أيضًا؟
يونيو 18, 2020
مدوّنة معهد دراسات الشرق الأوسط تنتقل إلى جدولها الصيفي
يوليو 2, 2020

كان عام 2020 عامًا غير مسبوق ما بين الإغلاق والاضطرابات والقيود المفروضة بسبب جائحة كورونا المستجدّة. أُرغمت “الحياة العاديّة” إلى حدّ ما على التوقّف المفاجئ في جميع أنحاء العالم مع إحساس جديد بحياة طبيعيّة مختلفة بدأ بالظهور ببطء وحذر. وفي حين أنّ الأزمة مُربِكة، بل مدمِّرة للكثيرين، فإنّ الإيمان الكتابي يشجّعنا أن ننظر إلى هذه الفترة على أنّها لحظة فاعلة يُمكن أن نأتي فيها بثمرٍ حقيقي. غير أنّ السؤال هو ماذا سنفعل بهذه التجربة الوبائيّة المعقّدة والمتقلّبة؟ كان هذا الموضوع على قلوب وعقول اللاهوتيّين مرتان عقّاد وريما نصر الله وغاري نيلسون خلال الندوة الأولى عبر الإنترنت من سلسلة محادثات الشرق الأوسط 2020 في 18 حزيران / يونيو. وقد قاد المتحدّثون مناقشة حيويّة بعنوان وقفة فاعلة: تأمّلات في حياة بسيطة، هادفة ومتغيّرة في زمن الجائحة.

شاهد فيديو الندوة عبر الإنترنت المتوفر على قناة كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة على يوتيوب

ملخّص الندوة

قدّم مرتان عقّاد من كلّيّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، عرضًا رئيسًا افتتاحيًا يقدم نظرة ثاقبة وواسعة لتأثير الجائحة على المدى البعيد وطرح طريقة مفيدة لتصوّر هذه الوقفة الفاعلة. وناقش بأنّه، نتيجةً لهذا الواقع الجديد الذي يفرض نفسه، يشهد الأفراد ومجتمعات الإيمان تحدٍّ للاعتقادات والعادات الراسخة. هذه التجربة مزدوجة من حيث تأثيرها. تتصاعد وتيرة الإحباط مع اشتداد الأزمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وفي المقابل، تتعزّز روح التضامن من خلال تجدّد الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة، والجيران في مجتمعاتهم، والمواطنين في جميع أنحاء العالم. يؤكّد عقّاد أن الجائحة هي لحظة لإعادة النظر والتفحص الجدّي. قد يكون العالَم أُرْغِمَ على التوقّف، لكنّ هذا التوقّف كان فاعلًا بالتأكيد.

ثمّ قدّم عقّاد ثلاث استعارات كعدسات تميّز المواقف والاستجابات في ظلّ الأزمة الراهنة: العاصفة والنفق والشرنقة. تنقل استعارة العاصفة ميلًا للتمسّك بكلّ ما هو متوفِّر وما يمكن اكتسابه والانتظار إلى أن تنجلي الأوقات الصعبة. النفق هو الاستجابة التي تنطوي على التقليص والتقليم، عادةً في الموارد البشرية والمالية، سواء على المستوى الفردي أو الأسري أو على مستوى المؤسّسات، للتمكن من الخروج من النفق عبر ممرّ ضيّق على نحوٍ مناسب  آملين بالعبور إلى المقلب الآخر. في استعارتَي العاصفة والنفق، الهدف هو البقاء والعودة إلى الواقع الطبيعي القديم والمألوف. أمّا الاستعارة الأخيرة، فهي أكثر نشاطًا، مقارنةً بالاستعارتين الآنفتين وما ترمزان إليه من حالة انتظار تمثّل موقفًا خاضعًا وغير فاعل نوعًا ما. غير أنّه هل هناك طريقة هادفة أكثر لتصوّر هذه اللحظة؟ اقترح عقاّد هذه الطريقة الهادفة في استعارة الشرنقة. هذه الوقفة القسريّة هي في الواقع لحظة تحوّل من خلال المسخ الفاعل: تدخل الدودة في وقفة الشرنقة لتخرج منها فراشةً جميلة! إنّ اعتناق التغيير وتوقّع التحوّل يرفع الرؤية لهذه اللحظة التاريخيّة من مجرّد البقاء على قيد الحياة إلى التحوّل إلى شيء جديد. ووفقًا لعقّاد، “سيكون عالمًا من الفراشات، ولا شيء سوى التحوّل يجعلنا مناسبين لذاك العالم”. وفي الختام اقترح بعض الأشياء والعادات التي قد نرغب في اكتسابها من لحظة التوقّف هذه، والّتي قد تحدّد هويّتنا في عصر “الواقع الجديد”.

ريما نصرالله، أستاذة في اللاهوت العملي في كلّيّة اللاهوت للشرق الأدنى في بيروت، قدّمت الردّ الأوّل على طرح عقّاد. لقد علّقت بأنّ هذه الجائحة إلى ما يشبه السبت أو الاستراحة، حيث باتت الحياة بالفعل أكثر بساطة وقد تعلّمنا مهارات جديدة. لقد شكّلت هذه الجائحة تجربةً قيّمة بالنسبة للكثيرين، وبما في ذلك الكنائس. ولكن بالنسبة لآخرين كُثُر، فقد شكّل هذا الزمن تزايد نسبة الاستضعاف كما وزيادة حدّة عدم المساواة. لقد جاءت التكلفة البشريّة للجائحة وللإغلاق الشامل الذي تبعها باهظة الثمن. إذ اقتُطِعَت موارد عيش العمّال المياومين، وباتت ضحايا الإساءات والاعتداءات محاصرة في أوضاع خطرة، كما ولم تتمكّن العديد من المدارس من تكييف أساليب التدريس، ما ترك الأطفال محرومين من التعلّم. وقد أعربت ريما أنّها ترى في استعارة الشرنقة صورةً جميلة لما يمكن أن يحدث في اللحظة الراهنة، ولكنّها تساءلت عمّا إذا كانت هذه الصورة عمليّة، بل وممكنة، في خضم مثل أوقات عصيبة كهذه الّتي يشتدّ فيها الفساد والظلم المُمنهَج وعدم المساواة. فهي تطرح هذه النظرة المفرطة في التفاؤل بالقدرة البشريّة على فعل الخير قيد المساءلة.  يدعونا الله إلى التغيير، تمامًا كما يقدّمه عقّاد، لكنّ قدرة البشر على تحقيق هذا التحوّل تقوّضها الطبيعة البشريّة الخاطئة. ففي نهاية المطاف، هذا عمل الله.

في الردّ الثاني، نقل غاري نيلسون، رئيس جامعة تينديل في تورونتو، تجاربه وملاحظاته بشأن هذه الجائحة بقوله التالي: “إنّ وتيرة التغيير أسرع من وتيرة التعلّم”. لقد كان التغيير في هذه الأشهر القليلة الماضية جذريًا على مستويات عديدة، وقد خلق نوعًا من التحوّل أدّى بدوره إلى معضلات مربكة لا بدّ من التعامل معها. يوافق غاري على أنّ هذه هي لحظة التحوّل المطلوب حيث أثبتت “الطرق القديمة” عدم كفايتها من جهة معالجة القضايا العمليّة والنظريّة في الزمن الحالي. تشبه هذه اللحظة قصّة الكتاب المقدّس التي تروي دخول الشعب العبري إلى أرض الميعاد و “لحظة عبورهم” نهر الأردن حتّى وصولهم إلى نقطة اللاعودة. هل الكنيسة مستعدّة لاحتضان “لحظات العبور” ودخول شيء جديد؟ ثمّة خيار يجب اتّخاذه، وهذا ينطوي دائمًا على عناصر مجازفة (فخطأ الإنسان احتمال وراد دائمًا). أشار غاري في ردّه أنّ الإصلاح العظيم والتجديد والتغيير الثقافي حدثوا تاريخيًا في ظروف على غرار لحظتنا الحاليّة، حيث قاد الناس مبادراتهم بالابتكار والشجاعة في خضمّ الاضطرابات. قد لا يكون التحوّل المنشود في هذه اللحظة هو التغيير الصامت والأليف كما هو تحوّل الشرنقة، بل كما قال عقّاد، سوف يكون حدثًا ثوريًّا يستهلّ شيئًا جديدًا.

أمّا حلقة النقاش، فهي تستند إلى طرح الأسئلة بهدف توسيع الأفكار وإثارة المحادثة بين المُحاضرين. وفي صدى المحادثة التي دارت، انعكس التوتر في صراعنا لتحقيق التوازن بين النظري والعملي وكذلك الواقعي والمرغوب. والكتاب المقدّس يعكس هذا التعقيد في مناسبات مختلفة حيث نرى أشياء عظيمة تحدث، ولكن غالبًا ما تكون مصحوبة بألمٍ كبير. لا بدّ أن نرى ألم عصرنا الراهن في ضوء الرجاء في التحوّل.  كما وتنبع التوترات من قناعات أخروية تفضي إلى أنّ الرجاء في التحوّل الآني وتوقّع التحوّل الآتي يشكّلان فهمنا ويُلهمان تجاوبنا مع الأزمات. لقد عالجت حلقة النقاش أيضًا كيفيّة تفاقم مسألة عدم المساواة بين البشر بسبب عدم المساواة من جهة الوصول إلى النظم والتكنولوجيات الّتي تقود التغيير، وطُرِحت أسئلة حول العلاقة بين الجائحة وانتشار المظاهرات الداعية للعدالة الاجتماعية والّتي شهدنها في الأسابيع الأخيرة.

تسعى الندوة عبر الإنترنت لمحادثات الشرق الأوسط لعام 2020 إلى طرح الأسئلة والنظر في الأفكار بغية الاعتراف بالتحدّيات وتحديد الفرص المتاحة للشهادة المسيحيّة الأمينة. شاهِد الندوة عبر الإنترنت وتابِع المحادثة التي يسّرها مرتان وريما وغاري، واستمِرّ في المناقشة من خلال مشاركة الأسئلة والأفكار في قسم التعليقات أدناه.

اترك رد