تقرير ندوة محادثات الشرق الأوسط 2020: كوفيد 19 والتّعليم اللاهوتي في سياق الشرق الأوسط: بين التحدّيات المتصاعدة والفرص الناشئة

مدوّنة معهد دراسات الشرق الأوسط تنتقل إلى جدولها الصيفي
يوليو 2, 2020

عطّلت جائحة كوفيد 19 جميع مجالات الحياة، ولا سيّما مجال التّعليم. ولقد كشفت الأشهر الماضية مدى التعارض المباشر بين نماذج التعليم والتعلم السائدة والإجراءات الوقائية المفروضة لتقليل مخاطر انتقال عدوى الوباء. ونحن نشهد التأثير العميق لهذه الأزمة بخاصّة على التّعليم اللاهوتي. فما قبل جائحة كوفيد 19 بوقتٍ طويل، واجهَتِ العديد من الكليّات ومعاهد اللاهوت وكليّات الكتاب المقدّس تحدّيات جمّة وطرحَتْ أسئلة أساسيّة حول أهداف التّعليم اللاهوتي وأساليبه وتشكيل الطلاب.

إنّ التحدّيات التي تواجه التّعليم اللاهوتي في سياق الشّرق الأوسط معقّدة جدًّا، ولم تؤدِّ هذه الجائحة إلّا إلى زيادة حدّة التحدّيات المستمرّة في المنطقة. وفي إطار التّفكير النقدي بهذه اللّحظة الحاسمة دارت محادثات النّدوة الثانية عبر الإنترنت ضمن سلسلة محادثات الشرق الأوسط 2020 في 16  16 تموز/يوليو بين إيلي حدّاد، هاني حنّا، مارتن عقّاد، وستيفاني بلاك تحت عنوان كوفيد 19 والتّعليم اللاهوتي في سياق الشرق الأوسط: بين التحدّيات المتصاعدة والفرص الناشئة.

شاهد فيديو الندوة عبر الإنترنت المتوفر على قناة كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة على يوتيوب

مُلَخّص النّدوة

استهل إيلي حدّاد، رئيس  كليّة اللاهوت المعمدانية العربية ، الندوة بعَرض رئيس، رَسم من خلاله صورة شاملة للتّعليم اللاهوتي في سياق الشرق الأوسط واستعرض بدقّة آثار جائحة كوفيد 19. استذكر موضوعات ذات صلة بمحور الندوة كانت قد تمّت دراستها في  مؤتمر الشرق الأوسط 2017  – الألم والاضطهاد، الهجرة، اليأس وفقدان الرجاء، والأقللة – وناقش تأثير هذه الأمور على الكنيسة في المنطقة كما وكشف عن انعكاسات أخرى جرّاء الأزمة الصحيّة المحدقة بالعالم. تسلسلت القضايا التي تمّت مناقشتها ما بين الآفات الاجتماعيّة والصّحة العقليّة وقيادة الكنيسة المُربَكة والعلاقات المتوتّرة. فكلّ هذه الأمور ترمي ثقلها على كاهل الكنيسة وتستدعي من مؤسّسات التعليم اللاهوتي التأهب الطارئ لتعزيز برامجها وجعلها ملائمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة في هذه الأزمنة.

وبغية الاستجابة لهذه التحدّيات، يُجادل إيلي بأنّ التّعليم اللاهوتي ينبغي أنْ يبحث عن طرق لتدريب الطلّاب على الانخراط خارج إطار الكنيسة التّقليدية من خلال تقديم نموذج “المداوي الجريح” للمجتمع على نطاقٍ أوسع. وهذا يعني الاعتراف بأهميّة الاستثمار ليس في قادة الكنيسة فحسب وإنّما في قادة المنظّمات غير الحكوميّة وقادة المجتمع وقادة الفكر الذين يساهمون بفعاليّة في مجالات واسعة النطاق على الصعيدين الدّيني والعلماني. باتت العديد من التّحديات الآن أكثر وضوحًا بالنّسبة للمؤسّسات اللاهوتيّة في الشرق الأوسط (بما في ذلك نقص الموارد، القيود الحكوميّة الصّارمة وعدم أهليّة البنية التحتيّة التكنولوجيّة) كما كشف كوفيد 19 عن نقاط ضعف تنظيميّة تحول دون الاستجابة بفعاليّة. ومع ذلك، يؤكّد إيلي أنّنا أمام فرصة مؤاتية للعمل بأمانة وعلى نحو استراتيجي. ويؤكّد أنّ فهمنا للتشبه بالمسيح يُحدّد استجاباتنا في ظلّ ظروف الجائحة الراهنة؛ إنّ نظرتنا للمسيح كمصدر توازن وأمان لنا، ستُنتج استجابة تهدف إلى حماية الذات، ولكنّ اعتناق نظرة للمسيح كقائد راديكالي وباذل لذاته تُلهمنا باستجابة مستعدّة أن تجازف ولو كان الثمن باهظًا. يمكن لهذا أنْ يطرح أفقًا مربكًا للمجتمعات والمنظّمات الإيمانيّة، كما ويتطلّب التزامًا ثابتًا بالتّركيز على الإرسالية، والتّمييز والقرار الجماعي، والتمسك بالجوهر، والرّغبة في الابتكار والتّغيير. يتحدّانا إيلي لنؤمن أنّه حينما نستجيب للأزمات بإيمان ورجاء، سينتج عنها مواسم مثمرة للنموّ والتطوّر. إنّ دعوته  للتّعليم اللاهوتي اليوم هي بسيطة للغاية: “لا تضيّعوا فرصة الأزمة”.

قدّم هاني حنّا، وهو العميد الأكاديمي في  كليّة اللاهوت الإنجيلية في القاهرة، أوّل حالة دراسية من السياق المصري. استخدم تشبيه الريح للتّعبير عن تأثير الجائحة. رغم أنّه لا يمكن إنكار الاضطراب الكبير الذي سببّته، غير أنّها في الوقت تقدّم قوّة دافعة، إذا تمّ تسخيرها، فهي ترقى بالتّعليم اللاهوتي إلى فرص جديدة. شرح هاني أنّ انتقال كليّة اللاهوت الإنجيلية إلى التّعليم عبر الانترنت، قد تمّ من خلال جهود بُذِلَتْ منذ خمس سنوات لإنشاء برامج عبر الإنترنت. إلّا أنّ البنية التّحتية غير المؤهَّلَة في مصر قد خلقت تحديات مستمرة. بالإضافة إلى ذلك فمهمّة الاستثمار في تشكيل الطلّاب أثناء فترة التّباعد الاجتماعي قد شكّلت تحدّيًا أيضًا، ولكن حتّى في هذه الحالة لقد تمّ اكتشاف أساليب ومناهج جديدة للانخراط في هذا العنصر الهام من التّدريب اللاهوتي. شرح هاني أيضًا ارتباط اهتمامات الكليّة ارتباطًا وثيقًا بتحديات الكنائس المحليّة خلال هذه الفترة من القيود والعزلة. وقد دفع ذلك كليّة اللاهوت الإنجيلية في مصر للتفكير بعمق في كيفية لعب دور القدوة في الحكمة والتعقّل، وحث الكنيسة في مصر للتّفكير في وجودها وخدمتها أثناء الجائحة.

في الحالة الدراسية الثّانية، قدّم مدير الشؤون الأكاديميّة مرتان عقّاد لمحة عن الإجراءات الهامّة التي اتّخذتها  كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربية خلال الأشهر الماضية. وأوضح أنّ أحد أهم القرارات التي تمّ اتّخاذها في بداية الجائحة كانت فَصل الأمور العاجلة عن المسائل الاستراتيجيّة. والهدف هو تجنُّب اتّخاذ قرارات ذات الأهميّة طويلة الأمد على نحو تفاعلي بدل اتخاذها على نحو استراتيجي. تضمّنت الاستجابات الملحّة نقل التعليم إلى منصّة عبر الإنترنت والتّرتيب السريع لعودة الطلّاب المقيمين إلى وطنهم الأمّ. تمكّنت كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة من تحقيق ذلك خلال أسبوعَين فقط، وذلك بفضل قدرتها على الاعتماد على برامجها وبنيتها التّحتية الموجودة آنفًا على الإنترنت. من جهة أخرى، أدّت الاستجابات الاستراتيجيّة إلى التسريع في تبنّي إجراءات تتوافق مع التوجّهات العالميّة السائدة في التّعليم اللاهوتي. تُدْخِل كليّة اللاهوت المعمدانيّة تغييرات أساسيّة في الأسلوب الذي تتّبِعُه في تشكيل برامجها وتنفيذها، مع إدراكها أنّ هذه التّغييرات لن تكون مؤقّتة. يعكس هذا الموقف رغبة مؤسّسية في الاستجابة لهذه الجائحة ليس بأسلوب تجنُّبٍ للعاصفة، وإنّما كفرصةٍ للخضوع لتحوّل كبير، وتغيير الأساليب التي تنخرط بها كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة في التّعليم اللاهوتي. ووفقًا لمرتان “لا تملك كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة خطّة بديلة”. إنّ التغييرات التي تشهدها اليوم – وهي شاقّة على ما يبدو – تُمَثِّل الاتّجاه الذي ستتّخذه الكليّة في المستقبل المنظور.

ساعدت ستيفاني بلاك من  لاهوتيّين بلا حدود  في وضع محادثات النّدوة ضمن سياق عالمي من خلال إبراز الاتّجاهات المُتبعة في المؤسّسات اللاهوتيّة في أفريقيا وآسيا. وقد أشارت إلى التجارب المُختلفة بين المدارس التي أرسَتْ أسس التعلُّم عبر الإنترنت قبل الجائحة والتي لم تفعل ذلك، وكذلك ثمة اختلاف بين تلك التي تُقَدِّم برامج على مستوى البكالوريوس وتلك التي تُدير برامج الدراسات العليا. أشارت ستيفاني أنّ كليّة اللاهوت الإنجيلية في مصر وكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة تعكسان بنواحٍ عدّة التحدّيات والفُرص التي تُواجهها المدارس اللاهوتيّة في سياقات أخرى في جميع أنحاء جنوب الكرة الأرضيّة. وقد لاحظت أنّه في خضمّ كلّ الإحباطات الراهنة، ثمّة الكثير من الأمور التي تُشجّعنا عند سماع استكشاف المعلّمين والإداريّين إمكانية القيام بأمور بدت آنفًا غير قابلة للتّطبيق.

اختتمت النّدوة عبر الإنترنت بحلقة نقاش استعرضت المزيد من الوسائل التي يمكن للمؤسّسات اللاهوتيّة خدمة الطلّاب من خلالها، والاستجابة لاحتياجات الكنائس المحليّة بغية تحقيق التعاون بين الطرفين خلال زمن هذه الجائحة وما بعدها. ومن بين المواضيع المهمّة والملحّة التي نوقِشت خلال النّدوة، تمّ التأكيد على الإيمان الراسخ بصلاح اللّه والاعتراف بفرص الجائحة. من المُسلَّم به أنّه من الصعب الإجابة على كلّ الأسئلة، وثمّة أسئلة كثيرة بحاجة لأنْ تُطْرَح، ولكنْ ثمّة قناعة عميقة بأنّ التحدّيات المتزايدة التي تواجه التّعليم اللاهوتي في الوقت الراهن صغيرة مقارنةً بالفرص الناشئة للشهادة للمسيح والملكوت.

تسعى الندوة عبر الإنترنت لمحادثات الشرق الأوسط لعام 2020 إلى طرح الأسئلة والنظر في الأفكار بغية الاعتراف بالتحدّيات وتحديد الفرص المتاحة للشهادة المسيحيّة الأمينة. شاهِد الندوة عبر الإنترنت وتابِع المحادثة التي يسّرها إيلي وهاني و مرتان وستيفاني، واستمِرّ في المناقشة من خلال مشاركة الأسئلة والأفكار في قسم التعليقات أدناه.

اترك رد