هل اقتربنا من السلام في الشرق الأوسط؟ السياسة وإبراهيم والسّامري الصّالح

تقرير ندوة محادثات الشرق الأوسط 2020- إعادة التّفكير في الإرساليّة أثناء الجائحة: اعتبارات من الشّرق الأوسط
سبتمبر 24, 2020
هل اتّباع يسوع هو شأن “سياسي”؟
أكتوبر 8, 2020

بقلم نبيل حبيبي

وقّعت الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين منذ مدّة وجيزة اتفاقية سلام مع إسرائيل. ولهذه الاتفاقية أهمية اقتصادية وسياسيّة كبيرة. وهذا أوّل سلام “دافئ” لإسرائيل في الشرق الأوسط، إذ يبدو أنّه سينشئ عنه صداقات بين شعبي طرفي الاتفاقية  وليس فقط علاقات سياسيّة بين الحكّام. وقد كان المعتقد السائد قبل توقيع هذا الاتفاق أنّ البلدان العربية لن تطبّع مع إسرائيل قبل تأسيس دولة فلسطينية، فأتى ترامب ودحض ذلك الفكر.

          ينتظر المراقبون تأثير هذا الاتفاق وإن كان سيُنتِج عنه سلام في المنطقة. أشكّ شخصيًا بأنّ الاتفاق سينجح بإحلال السلام، لأنّ الفرقاء المنخرطين في صراع حقيقي ليسوا جزءًا منه. إيران وحلفاؤها الإقليميون في صراعٍ عميق مع السعودية وحلفائها، وإيران ليست جزءًا من الاتفاقية. لا بل قد يكون الخوف من إيران هو دفع الدول الثلاث على توقيع الاتفاق. و لا شكّ أنّ الفلسطينيين هم أهم فريق غائب عن هذه الاتفاقيات، وهم في حالة حرب مباشرة مع إسرائيل. أعذروني على شكوكي ولكنّنا عمليًا أمام اتفاق سلام يجمع فريقين ليسا في حالة حرب وهدفه توسيع نفوذ الطرفين الاقتصادية والعسكرية ومساعدة الرئيس الأميركي على تسجيل إنجاز قبل الانتخابات التي باتت وشيكة.

          وقد بان هذا الاستنتاج جليًا لي عندما سمعت اسم هذا الاتفاق: “اتفاق إبراهيم”. فوفقًا لسفير الولايات المتحدة لإسرائيل، دافيد فريدمان، “إبراهيم هو أبو الديانات الثلاثة، فهو يمثّل القدرة على التوحيد بين الديانات العظيمة الثلاثة.” يؤمن تابعو المسيحية الصهيونية، وهم فريق يعتقد بأنّ الكيان السياسي الإسرائيلي الحالي هو امتداد لشعب الله في العهد القديم، بأنّ الاتفاق الحالي يعزّز خير إسرائيل. وقد تكون الإدارة الأميركية غلّفت الاتفاق بهذه اللغة الدينيّة لإرضائهم.

          يزعجني جدا هذا الاسم. يزعجني الاسم وليس الفكرة، فنحن في لبنان نفهم تعقيد أن تحيا الديانات المختلفة مع بعضها البعض بسلام وأهمية ذلك، فحربنا الأهليّة التي امتدّت خمس عشرة سنة وكانت خطوط تماسها الأساسية دينيّة تشهد لنا بأنّنا نعلم خيرَ علمٍ أهمية السلام. أودّ من كلّ قلبي أن أرى المجمعات الدينيّة المختلفة تحيا معًا بسلام ووئام، ولكن أجد أنّ كلام دول الخليج وإسرائيل عن التعايش الديني مدعاة للسخرية.

          لا حرية دينية للمسيحيين في دول الخليج خارج إطار جغرافي ضيّق تحدّده الدّولة. ودأبت إسرائيل على قمع الفلسطيين مسلمين ومسيحيين عبر العقود الماضية. وها الإمارات مشتركة اليوم بحربٍ شنيعة ضدّ اليمن أودت بحياة الآلاف. وإسرائيل كانت تقصف غزّة بينما يوقّع رئيسها اتفاقية السلام. نعم، هذا الاتفاق الجديد يعني أنّ أغنياء الإمارات سيتمكّنون من قضاء عطلتهم في تل أبيب، وسيتمكّن أغنياء إسرائيل من زيارة دبي. نعم، هذا الاتفاق الجديد يعني أنّ حكومة الإمارات الثريّة ستشتري أسلحة متقدّمة وأنّ مختبرات التطوّر العلمي في إسرائيل ستجد مصادر تمويل جديدة وزبائن جدد. ولكن هذا الاتفاق لا يعني أنّ الدول الثلاث المعنيّة ستعتنق فجأة مفاهيم متقدّمة للحريّة الدينيّة.

          قد يكون البعض رضِيَ باتفاق إبراهيم، وأنا أيضًا أتوق للسلام في المنطقة، ولكنّني بدأت أشكّ أنّه سيأتي يوم ونرى هذا السلام. ستستمر إسرائيل بعمليات ضمّ الأراضي وستستمر السياسة الخارجية الأميركية المدعومة من المسيحية الصهيونية بتمويل آلة الحرب الإسرائيلية. ستستمر الإمارت بجمع الثروات والأسلحة وسينضم الفلسطينيون للأرمن والأكراد وباقي الشعوب التي واجهت الظلم ولم تنَل العدالة.

          في مثل السامري الصالح يصدم يسوع سامعيه عندما يسرد لهم كيف ساعد السامري اليهودي الجريح من بعد أن ترك رجال الدين اليهود هذا الأخير بين حيّ وميت على قارعة الطريق. ثمّة تاريخ معقّد وراء هذه القصّة البسيطة. اختبر اليهود الوحدة الوطنية لفترة وجيزة تحت حكم الملك داود وابنه سليمان قبل أن تسوء الأمور وتنقسم المملكة إلى شمال وجنوب. سُبيَت المملكتان إلى بابل، وعادت بقيّة من يهوذا (المملكة الجنوبية) لبناء أورشليم والهيكل حوالي سنة 500 قبل المسيح. واكتشفوا أنّ اليهود الذين بقوا في الارض قد تزاوجوا مع الأمم (غير اليهود) واعتبروا هذا مصيبة حلّت عليهم. ومع الوقت تحوّلت هذه مجموعة لجزء من الشعب سُمّوا بالسامريين. عبدوا الله في هيكل مختلف وكانت هناك عداوة متأصّلة بين اليهود والسامريين.

          ويأتي يسوع ويدّعي أنّ قريب اليهودي وجاره هو السامري والعكس صحيح. ينتمي الاثنان لملكوت الله، والاثنان مدعوّان ليحبّا ويخدما بعضهما البعض. هل سنعيش نحن كأولاد إبراهيم وفقًا لرؤية يسوع لليهود والسامريين كأقرباء؟

          بصراحةٍ لا أعرف. أعرف أنّ الشعب الفلسطيني هو اليهودي الجريح المتروك ليموت على جانب الطريق. وأعرف أنّ قبله كان اليهود في أوروبا هم المجروحون على جانب الطريق، وأتت المحرقة لتتوّج مرحلة طويلة من اضطهاد المسيحيين لليهود.

لا نحتاج لسلام بين دعاة الحرب. نحتاج لقادة إسرائيليين شجعان يغسلون جروح الشعب الفلسطيني من خلال قيادة أمّتهم لوقف الظلم والاعتراف بخطايا الماضي والتعويض للفلسطينيين. نحتاج لقادة فلسطينيين شجعان يقودون شعبهم نحو قبول الآخر ومسامحة الظالم والمصالحة معه. فقط عندها سيكون إبراهيم بركة لجميع الأمم.

اترك رد