هل اتّباع يسوع هو شأن “سياسي”؟

هل اقتربنا من السلام في الشرق الأوسط؟ السياسة وإبراهيم والسّامري الصّالح
أكتوبر 1, 2020
الطائفيّة: الزواج الفاشل بين الهويّة القبليّة والهويّة الدينيّة في لبنان
أكتوبر 14, 2020

بقلم مايك كون

هل اتّباع يسوع هو شأن سياسي؟ قد يكون هذا السؤال آخر خطوة نتخذها في مسيرة تقدّمنا في الحياة. تعلَّمْتُ في صغري أنّ يسوع خلّصني من خطيّتي لأتمكّن من دخول السّماء عندما تنتهي حياتي هنا على الأرض. لكنّني أدركْتُ لاحقًا أن أكون مسيحيًّا فهذا يعني أنّه عليّ أن أُظهِرَ تغييرًا سلوكيًا في حياتي. ثمّ تعلّمْتُ مع مرور الأيّام، أنّ لإيماني آثار تنسحب على كلّ قرار أتّخذه أو علاقة أدخل بها. بدأتُ أرى أنّ اتّباع يسوع هو أسلوب حياة. ولقد أدركَ ذهني البالغ بعدها أنّ الإيمان المسيحي هو وجهة نظرة تصوّب رؤيتنا للعالم – أسلوب للإجابة على أسئلة الحياة الكبرى (على سبيل المثال، ما هو هدفي؟ كيف أفهم العالَم؟ من هو اللّه ومَن أنا؟). لقد نما الإيمان الذي اعتنقته من كونه مجرّد مسألة خاصّة إلى واقع عام. ودفعني هذا الإدراك لأفهم التّاريخ من خلال عدسة اتّباع يسوع. وكان لا مفرّ من … السّياسة، والاقتصاد، والفلسفة، والعلوم، وما إلى ذلك، لا بدّ من تفسيرها من خلال عدسة الإيمان. وظلّ ما أسمّيه “اتّباع يسوع” ينمو أكثر فأكثر، ما دفعني إلى إدخال واقع الإيمان في كلّ ناحية من نواحي حياتي الاجتماعيّة والفكريّة.

وصلتُ إلى مفهوم مفاده أنّ يسوع أسّس ملكوتًا أسماه ملكوت اللّه أو ملكوت السّموات. وهو يطلب ولاءً لا هوادة فيه. إنّ الدخول إلى ملكوته طوعيًّا، لكنّه يتطلّب نفقة باهظة – إنكار الذّات وحَمْل الصّليب (أي وسيلة للموت) واتّباع يسوع. وبناءً عليه، يتغلغل الملكوت في كلّ ناحية من نواحي الحياة. إنّ جوانب الحياة التي اعتبرتها يومًا خارج نطاق الإيمان باتت الآن تحت تأثير جاذبيّة ملكوت يسوع. لا استثناء لأيّ ناحية أو أي أمر.

أكاد أبلغ 60 عامًا وقد ظننت أنّني أكملت السعي. ثمّ قرأتُ كتابًا صغيرًا من تأليف لي كامب بعنوان Scandalous Faith: A Little Political Manifesto for Christians. يقول كامب إنّ اتّباع يسوع هو مسألة “سياسيّة”. لقد بدا فاضحًا مجرّد ذكر يسوع وكلمة “سياسة” في الجملة نفسها! كنتُ موافقًا على تفسير السّياسة من خلال عدسة الإيمان، غير أنّ رؤية الإيمان نفسه على أنّه مسألة “سياسيّة” أمر مُختلف تمامًا. لذا، فقد قرأتُ الكتاب بحذر. إنّ آخِر ما أردتُ القيام به هو جرّ إيماني الجميل المُغَيِّر للحياة إلى مستنقع السّياسة، لا سيّما بالنّظر إلى الأحداث السياسيّة التي تجري في وطني هذه الأيام. لكنّني أعترف أنّ كامب يعبث بفكري.

إليكم كيف يصف “السياسة”.

… أعني بالسّياسة أسلوبًا شاملًا للحياة المجتمعيّة يتصارع مع كلّ الأسئلة التي لطالما طرحها فن السياسة الكلاسيكي: كيف نعيش معًا؟ كيف نتعامل مع الإساءات؟ كيف نتعامل مع المال؟ كيف نتعامل مع الأعداء والعنف؟ كيف نُرتِّب أمور الزواج والعائلات والكيانات الاجتماعيّة؟ كيف تتمّ الوساطة في السلطة، وكيف يتم توظيفها، وكيف نطلبها؟ كيف نطلب الرغبات والمشتهيات بحقّ؟ …إلى أين يتّجه التاريخ البشري؟ ماذا يعني أنْ تكون إنسانًا؟ وكيف يبدو أسلوب العيش في مجتمع بشري مُنَظّم على نحوٍ صحيح والذي يُوَلِّد الازدهار والعدالة وسلام اللّه؟

لقد توصّلْتُ إلى استنتاج مفاده أنّ الإيمان بالمسيح له انعكاسات سياسيّة. لكنّ هذا الكاتب يقول أنّ الأمر يتجاوز ذلك. إيمان المسيح هو شأن “سياسي”. ولا يعني ذلك بالمناسبة، أنّ اتّباع يسوع يضعني في خانة حزب معيّن أو أنّه ينبغي علينا تشكيل حزب جديد ليسوع. وهذا ما كان مصدر ارتياح بالنسبة لي! لا “حزب لله”! اعفونا من ذلك رجاءً!

في الواقع، يذهب كامب إلى الاتّجاه الآخَر. في حين أنّ اتّباع يسوع هو مسألة سياسيّة، غير أنّها ليست كذلك، ولا يُمكن أنْ تكون مسألة حزبيّة. إنّ تجربة يسوع في البريّة تُنْكِر على أتباعه قدرتهم في الحصول على السلطة الزمنيّة. “إنّ عبادة العَظمة والقوّة الإمبرياليّة مرفوضة صراحةً في العهد الجديد، وهي بمثابة الرّضوخ للشيطان” (loc 150). يُطْلِق الكتاب تحذيرًا صارخًا بعدم التقرُّب من أيّ حزب سياسي بحجّة الادّعاء الزائف بأنّه أفضل تمثيل لملكوت يسوع.

لكنّه يقترح بدلًا من ذلك أنّه على أتباع يسوع أنْ يعيشوا “الحياة استباقيًا”. إنّه مصطلح يشير إلى أنّ الواقع المستقبلي مؤكّد جدًّا بحيث يعيش المرء استباقيًا وفقًا لواقع مستقبلي في الوقت الحاضر. يوضِّح الكاتب هذا المفهوم، فيُنادي ابنه من على السلالم قائلًا: “دايفد، أنا في السيارة”. فيجيبه دايفد: “لا يا أبي، أنتَ لست في السيارة. لا زلتَ في المطبخ” (loc 416). إنّه بيانًا يستبق حدثًا مزمعًا أن يحدث. أراد الأب استعجال ابنه، لذلك يصف الحالة المستقبليّة كما لو كانت واقعًا آنيًا.

لقد افتتح يسوع ملكوته. إنّه حاضر وناشط هنا والآن من خلال شعبه. لا يمكن للرّعايا المُخلصين اعتناق “قانون البقاء للأقوى” لسبب بسيط ولكنّه جازم وهو أنّ يسوع رفضه. هم يمارسون حُسن الاستقبال وكرم الضّيافة والسّلام وقول الحقيقة والمحبّة المتألِّمة (loc 423). كما يرفضون السّرد الثّقافي للمصالح الخاصّة والإصلاح السياسي. “العالَم الحقيقي” ليس نظام السّلطة الحاليّة. إنّه الواقع الآتي. لذلك نحن نعيش في النّظام الحالي، مُوَجَّهين نحو واقع الملكوت. نحن نقوم بذلك لأنّ الإيمان هو الضّمان لِمَا نرجوه. في الواقع، إنّه هنا الآن (تمّ افتتاحه) ليتمّ استكماله في المستقبل.

لا تقتصر قيامة يسوع على “الذّهاب إلى السّماء عندما نموت”، وإنّما هي إعلان تفوّق طريق يسوع على الغطرسة الإمبرياليّة التي عذَّبَتْ واستهزأت وقتلت ابن الله في نهاية المطاف. إنّها بداية نهاية التّاريخ…. أيّ افتتاح الملكوت.

ثمّة الكثير لنقوله عن كتاب كامب. لقد فنّد خمس عشرة مسألةً في بيانه. وتنطبق عليه جميع المحاذير المعتادة: فأنا لا أُصادِق على الكتاب بكلّ تفاصيله، وإنّما أقترح أنّ ما يقوله يستحقّ اهتمامنا، وبخاصّة لِقُرّاء هذه المدوّنة، سواء في الشّرق أو الغرب. أمّا في لبنان، وعلى الرّغم من الاستجابة الشّجاعة للعديد من المؤمنين، فقد أثبتَتْ سياسات المصالح الخاصّة على أُسس طائفيّة فسادها وعدم كفاءتها في تنظيم المجتمع. والنتيجة هي موجة عارمة من السّخرية واليأس. في الولايات المتّحدة، ارتبط الإنجيليّون البارزون إلى حدٍّ كبير بحزب سياسي معيّن، سعيًا منهم للاستفادة من نفوذهم لتحقيق مكاسب السياسة العامّة.[1]

يقف المتفرّجون المرتبكون في حيرة من أمرهم بينما يحتفل أتباع يسوع بنجاح إكراههم السياسي. وإذا كنت قد تساءلت يومًا عمّا إذا كان هذا التّعريف هو خيانة لملكوت يسوع الحقيقي، فإنّ كتاب كامب يقدّم بعض الدّعائم لهذه القناعة، ويحذّرنا أنّ ملكوت يسوع لا يمكن احتلاله. وبالمناسبة، لا يروِّج المؤلِّف لأجندة ليبراليّة لتقويض التيّار المُحافِظ. في الواقع، يتساءل كتابه عن هذا الاستقطاب، ولكن سيتعيّن عليك قراءته لمعرفة المزيد عن ذلك.

عزّز الكتاب بالنسبة لي إيمانًا جريئًا بأنّ شعب يسوع الذي يعيش مُخلصًا لملكوته، يبقى أفضل رجاء لعالَمنا. يحثّني الكتاب على الإعلان عن الحقيقة، لتمييز السّياسات بعناية على كِلا الجانبَيْن الأيسر والأيمن من الانقسام الحالي مع وصايا يسوع العظيمة باعتبارها “البوصلة الدّاخليّة التي ترشدني بنجاح في الحياة”. ينبغي أنْ أُشارِك نقديًّا وليس فقط نظريًّا إلى ما يُناسب مصالحي الشّخصية أو القبليّة. لذلك، أنا ممتنّ لـ Lee Camp وآمَل أنْ يحصل كتابه على جمهور واسع من القرّاء على حدٍّ سواء كونه دفاعيًّا للمشكّكين ودليلًا للتلاميذ المرتبكين، الذين خاب أملهم من أؤلئك الذين يختزلون الإيمان في الحزبيّة السّياسيّة.

إنّ التطوّر الذي ذكرته آنفًا يعود إلى حدٍّ كبير إلى رحلة الحياة التي تربط وطني (الولايات المتّحدة) بأوطاني التي عشت في كنفها في الشّرق الأوسط. ففي كلّ مكان، كانت مسألة كيفيّة ارتباط الإيمان بالحياة العامّة أمرًا بالغ الأهميّة ليس بالنّسبة لي فحسب، وإنّما لتلك المجتمعات أيضًا. يطرح كلٌّ من المسلمين والمسيحيّن تلك الأسئلة. نحن بحاجة للمساعدة على التّفكير بوضوح، كتابيًّا، و”مسيحيًّا”. غالبًا ما كنت أُعفي إيماني من السّياسة. وأنا الآن أُعيد التّفكير في نهجي إزاء تلك المسألة. يمكننا ربّما وصف إيماننا على أنّه مسألة سياسيّة – أسلوب لتنظيم الحياة العامّة والخاصّة على حدٍّ سواء – بينما ننتظر مجيء ملكوت يسوع. ربّما يكون الولاء السّياسي المُسبَق ليسوع، هو ما يُجسِّده حُب القريب في المجتمع.

[1] هي مختارات من المعارضة تغطّي العديد من الموضوعات السّاخنة التي تجري  Keeping the Faith لحسن الخظ، إرتفعت الأصوات المُعارضة. مناقشتها في الإنتخابات الأميركيّة المقبلة. يقدّم كتاب  The Spiritual Dangerبقلم رون سيدر آراء أكثر من 30 مسيحيًّا يتصارعون مع القضايا  الصّعبة على المحك في الانتخابات، ودائمًا من منظور إيماني.

اترك رد