الطائفيّة: الزواج الفاشل بين الهويّة القبليّة والهويّة الدينيّة في لبنان

هل اتّباع يسوع هو شأن “سياسي”؟
أكتوبر 8, 2020

بقلم مرتان عقّاد و تيم بريس

بينما يُنْظَر عامّة إلى بناء السّلام على أنّه دعوة نبيلة، ثمّة الكثيرون ممّن يُشكّكون في شرعيّة الحوار بين الأديان وهدفه، لا سيّما في الأوساط الإنجيليّة. ولكنْ ماذا عن الأماكن التي يتداخل فيها الانتماء الديني مع الطّائفيّة، حيث تُمَثِّل الطّائفيّة خطّ المواجهة في الصراع؟

لبنان دولة طائفيّة – دّولة طّائفيّة بامتياز. ووفقًا لديفيد هيرست، فإنّ لبنان “مزيج من الجماعات الدّينيّة وأقسامها الفرعيّة التي لا تُعَدّ ولا تُحصى، مع نظام دستوري وسياسي يتناسب مع هذا المزيج”. [1] وبلغة عامّة الناس: كلّ شخص في لبنان يفكّر وفقًا للطّائفة التي ينتمي إليها (ثمّة 18 طائفة مُعْتَرَف بها رسميًّا)، وهم يصوّتون وفقًأ لذلك أيضًا.

تسبَّب تداخُل القبليّة والهُويّة الدّينيّة في لبنان بتماهي العديد من الفصائل المقاتلة في الحرب الأهليّة مع قبيلتهم الدّينية. فكانوا في أذهانهم، مسيحيّين أو مسلمين، موارنة، أرثوذكس، أرمن، سريان، سُنّة، شيعة، دروز، وذلك قبل أنْ يكونوا لبنانيّين. قد تبدو الحرب الأهليّة اللّبنانيّة 1975 – 1990 بالنّسبة للمُراقب العادي، حربًا دينيّة. ففي النّهاية، ألَم نرَ المسيحيّين يُقاتلون المسلمين، والشّيعة يقصفون السُّنة، والدروز يذبحون المسيحيّين، طوال خمسة عشر عامًا؟ ولكنْ عند التمعُّن الدّقيق، لم تكن تلك الجماعات تتقاتل حول اختلافات لاهوتيّة.

يُظْهر تحليل أكثر دقّة أنّ القتال كان قبليًّا، “نحن” مقابل “هم”، على الرغم من أنّ “نحن” و”هم” ليس بينهم سوى خلاف ديني بسيط. في الواقع، اندلعت إحدى أكثر المعارك دمويّة في الحرب الأهليّة بين الميليشيات المارونيّة المُختلفة، حيث تقاتلوا في خمسة معارك كبرى على إقطاعات مُختلفة. ولم يكن لذلك علاقة بالمفهوم الدّيني الخاص بكلّ جماعة، بل الأمور كلّه يتعلّق بسياساتهم القبليّة.

المسيحيّون لم يقتلوا المسلمين لعدم إيمانهم بألوهيّة المسيح، كما لم يقتل الشّيعة السُّنة انتقامًا للحُسَين الذي قُتِلَ على يد الخليفة الأموي الثاني فيما مضى. لم تكن الحرب الأهليّة ذات طبيعة دينيّة، إنّما كانت … طائفيّة. أيّ قبليّة، حيث يلعب الدّين أو الطّائفة دور القبيلة.

في الواقع لبنان بلد طائفي بامتياز لدرجة أنّ فرنسا، التي استعمرته سابقًا، أغْنَتِ اللّغة الفرنسيّة بكلمة “اللّبننة” للدّلالة على عمليّة تقسيم الدّولة نتيجة المواجهة بين الطّوائف المتنوّعة في إشارة إلى المواجهات التي شهدها لبنان في ثمانينات القرن العشرين. [2] هذا المُصطلح له شرف منافسة شعبيّة مصطلح “البلقنة” في اللّغة الفرنسيّة، وهو يُشير إلى تلك المنطقة الجبليّة الأخرى التي شُوِّهَت أيضًا بالعنف الطّائفي الشّديد في نهاية القرن الماضي.

والمفارقة بالطّبع أنّ فرنسا ساعدَتْ في تشكيل هذا النّظام والذّهنية الطّائفيّة في المقام الأوّل! إنّ المواجهة بين الإمبرياليّة العثمانيّة والاستعمار الأوروبي (الفرنسي على وجه التّحديد) “قد غيّرَتْ بعمق معنى الدّين في المجتمع المتعدّد الطوائف في جبل لبنان لأنّها شدّدت على الهُويّة الطائفيّة باعتبارها العلامة الوحيدة القابلة للتّطبيق للإصلاح السّياسي والأساس الأصيل الوحيد للمطالبات السّياسية”. [3] قُدِّسَت البنية الاجتماعيّة القبليّة في لبنان من خلال جَمع الدّين والسّياسة في زواج غير سعيد، وكانت الحرب الأهليّة اللّبنانيّة الولدة الطّبيعية لهذا الزّواج.

ورفضًا لأيّ منطق ممكن، لم يرَ الزّوجان الطّائفيّان التّعيسان أيّ سبب لطلب الطّلاق بعد الحرب الأهليّة، بل على العكس من ذلك، كانت اتّفاقيّة نهاية الحرب بمثابة تجديد لعهد الزّواج بينهما. أصبح أمراء حرب الماضي سياسيّي الزمن الراهن. أعاد كلٌّ منهم بناء ميليشياته داخل الهيكل البيروقراطي لحكومة فاشلة، لكنّهم كانوا هذه المرّة رجال ميليشيات من ذوي الياقات البيضاء ممّن يرتدون ربطات العنق! ومع إعادة تأكيد الطّائفيّة وترسيخها في المجتمع، لم يغب الصّراع والتحيُّز عن المشهد اللبناني.

واليوم، لدى نسبة كبيرة من الشّعب اللّبناني ولاء مفرط لزعمائهم الطّائفيّين وأمراء الحرب السّابقين، على الرّغم من فسادهم المترسّخ وماضيهم الدّموي. ثمّة القليل من الوعي لمفهوم الصّالح العام لدى جميع اللّبنانيّين حيث المواطنون جميعًا متساوون أمام القانون. يُعْتَبَر التّصويت لمرشّح مناسب وأقلّ فسادًا من طائفة أخرى بمثابة لعنة. وهذا يعني خيانة المرء لطائفته وتعزيز قبضة الآخرين على البلاد. أظهرَتِ الانتخابات العامّة لعام 2018 أنّه وبعد فترة طويلة من الحرب، لا يزال هذا التّفكير سائدًا.

تُشَكِّل هذه الطّائفيّة عقبة خطيرة أمام السّلام، ونحن لا نعني بها غياب الحرب بل ازدهار المجتمعات في ظلّ سلام اللّه الشّامل – السلام الكتابي. وبما أنّ مختلف الطّوائف اللّبنانية لا تثق ببعضها البعض، فهي لا تتعاون بل تتنافس على الموارد والسّيطرة. تختزل الطّائفيّة اللّبنانية الحياة العامّة إلى لعبة مُحصّلتها صفر، حيث تخسر ما أربحه أنا وأخسر ما تربحه أنت.

إنّ الانقسامات الطّائفيّة في لبنان ليست ذات طبيعة لاهوتيّة (على الرّغم من ارتباطها باللاهوت)، لكنّها بالأحرى قبليّة (على الرّغم من ارتباطها بهُويّة دينيّة). لذلك لا يتعيّن على المرء التنازل عن قناعاته اللاهوتيّة من أجل الوصول إلى المجتمعات الأخرى لبناء السّلام. على العكس من ذلك، فبينما نسعى لتحقيق السّلام بين الطّوائف، وبناء الجسور بين المجتمعات المتباينة، وتعزيز رؤية وطنيّة للصّالح العام العابر الطّوائف، نحتاج أنْ نكون متجذّرين في القيم الإيمانيّة دون التخلّي عن رؤيتنا المتميّزة للّه وملكوته.

في حين أنّ العقليّة الطّائفيّة تدفع الفرد لكي يقاتل من أجل إلهه القبلي، فإنّ بناء السّلام القائم على الإيمان من خلال الحوار يعمل من أجل قضيّة الإله الواحد.

[1] Hirst, David. Beware of small states: Lebanon, battleground of the Middle East. Bold Type Books, 2011, p2.

[2] Larousse, https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/libanisation/46955.

[3] Makdisi, Ussama. The culture of sectarianism: community, history, and violence in nineteenth-century Ottoman Lebanon. Univ of California Press, 2000, p2.

اترك رد