بعض أجوزة السّفر متعالية على الأخرى: تأمُّل لاهوتي موجز حول أجوزة السّفر، الامتيازات، وعدم المساواة حول العالم

الطائفيّة: الزواج الفاشل بين الهويّة القبليّة والهويّة الدينيّة في لبنان
أكتوبر 14, 2020
تقرير ندوة محادثات الشّرق الأوشط 2020 – لبنان في أتون الانهيار: سنة من الصَقْل الإيماني
أكتوبر 29, 2020

بقلم برنت حمود

كان عام 2020 عامًا مربكًا للغاية، فحتّى أجوزة السّفر ينتابها الشعور نفسه. وبُغية التّخفيف من انتشار كوفيد-19 نفّذت الدّول تدابير غير مسبوقة لتقييد حركة دخول المواطنين من حاملي بعض أجوزة السفر المُنتقاة. لقد أضاف ذلك تعقيدًا إلى لحظة تاريخيّة ديناميكية، وما لا شكّ فيه أنّ البعض استمتع برؤية  العالَم يغلق حدوده إلى حدٍّ كبير أمام جواز السّفر الأمريكي الخارق القوّة. وناهيك عن كلّ هذه المتعة، فقد تسبّبت الجائحة في اضطراب هائل في الأدوار البشرية الاعتياديّة وفي اعتمادها على السَّفر الدّولي. كونوا مطمئنّين، فإنّ هذا التوقُّف مؤقّت. سوف يهدأ كوفيد – 19 في نهاية المطاف وستقوم حالات 2020 الشاذّة بإعادة تسليم زمام الأمور للحالات الطبيعية المألوفة – نعم، سيستعيد جواز السّفر الأمريكي وضع “التّذكرة الذهبيّة” – لكنّ مشكلة جواز السّفر في العالَم ستستمرّ. على الرّغم من التّغاضي عنها، تظلّ الحقيقة بالنّسبة لمعظم سكّان العالَم، أنّ جواز السّفر ليس مجرّد تصريح للتنقّل عبر الحدود على قدر ما هو أداة استبعاد. يُمكن لأجوزة السّفر أنْ تكون نعمة، لكنّ الكثيرين يشعرون بأنّها لعنة. فعندما نتفحّص الحقائق العالميّة بأسلوب نقديّ، نرى أنّ أجوزة السّفر تحبس الإنسانيّة على نحو فعّال في عدم المساواة الممنهجة، وهذا من شأنه زعزعة أن يقلق أهل الإيمان.

لنكن واضحين، إنّ أجوزة السّفر مهمّة، وهي وثائق تدلّ على الجنسيّة من خلال إثبات وضع المرء الرّسمي ضمن المجتمع العالَمي. لا يمكن المبالغة في أهميّة ذلك؛ فالجنسيّة هي المُعَرِّف القانوني الذي يُحَدِّد من أين أنت، وإلى أين تنتمي وما هي هُويّتك.

على الرّغم من أنّ جميع النّاس خُلقوا مُتساويين، لا يمكن تطبيق هذه المقولة على أجوزة السّفر. ونحن نرى دليلًا على ذلك في متطلّبات التأشيرة للسّفر الدّولي. هنا يمكن قياس جودة جواز السّفر بأساليب فنيّة وقابلة للقياس الكمّي. تُعْتَبَر بعض أجوزة السّفر نخبويّة إذ تسمح لحامليها بالدّخول بدون تأشيرة إلى مجموعة من البلدان حول العالَم. (تهانينا لليابان لكونها الأفضل!). لكنّ هذا ليس حال أجوزة السّفر الأخرى التي يُمنع على حامليها الدّخول التّلقائي إلى معظم أنحاء العالَم. فبدلًا من عبور الحدود بسهولة، ينبغي على كلّ مَنْ يحمل تلك الأجوزة أنْ يخضع لإجراءات شاملة وأحيانًا مهينة من أجل طلب الإذن بدخول أرض أجنبيّة. الفرق بين هيبة جواز السّفر، أو انعدامها، هو الفرق بين حريّة التنقّل في عالَم مفتوح وقمع الانحباس في سجن منطقة محدّدة الحدود.

 إذا كان هذا المنظور جديدًا بالنّسبة لك، فمن المحتمل أنْ تكون قد حظيت بجواز سفر نخبويّ (أو اثنَين، أو أكثر). أمّا إذا كانت هذه الحقيقة الصّعبة واقعًا مريرًا بالنّسبة إليك، فعلى الأرجح أنْ يكون لديك جواز سفر ذات مكانة متدنية.

للإضاءة على مشكلة جواز السّفر من زاوية أخرى، تخيّل منزلًا داخل حيٍّ ما. يُشبه حاملو أجوزة السّفر النّخبويّة مجموعة الجيران الذين يستمتعون بدعوة مفتوحة للزيارة. هم مُرَحَّب بهم دائمًا. أمّا حاملو أجوزة السّفر ذات المكانة المتدنية فيُشبهون مجموعة الجيران الأخرى الذين يتعيّن عليهم الاتّصال مُسبقًا للاستفسار عن إمكانيّة القيام بزيارة. ينبغي عليهم اتّباع بروتوكول صارم، ومن المرجّح أنْ تتمّ الإجابة على طلبهم بعبارة “الآن ليس وقتًا مناسبًا”. بالكاد يمكننا القول في هكذا سيناريو، أنّ الأسرتَين في جيرة متساوية. ثمّة معايير متناقضة للضيافة هنا، ويُبَرَّر للمرء الشكّ بوجود تمييز في هذا المزيج. ومع ذلك، فإنّ عالمنا يعمل بهذه الطّريقة؛ يُمكن لأجوزة السّفر أنْ تجعلك جارًا مُرَحّبًا به أو دخيلًا مشكوكًا بأمره. والغريب في الأمر أنّ هذه المُعامَلة بالتّفرقة تعتمد دائمًا على قطعة من الورق وليس على شخصيّة حاملها.

مثال على ذلك: أحمل جواز سفر أميركي، والذي يُعتَبر من الأفضل في منح دخول 185 وجهة  بدون تأشيرة. وتحمل زوجتي جواز سفر لبناني،  وهو من الأسوأ. يمكنها فقط الولوج إلى 40 دولة (حقيقة مثيرة للاهتمام: ليست كيريباتي دولة لم يسمع بها المواطنون اللّبنانيّون من قبل فحسب، بل هي توفِّر لمواطنيها جواز سفر  مع هامش تنقُّل عالمي أكبر . بناءً على جواز سفرنا، من الواضح أنّ العالَم يُفضّلني على زوجتي. لكنّ المفارقة هنا أنّ كُلَّ مَن يعرفنا يتّفق على أنّها المُفضّلة. ولخيبتها، لا تهتمّ معظم الدّول أنْ تكون زوجتي تحظى بالثّناء الأكبر والاستحقاق الأكثر للتّرحيب التّلقائي، بل جُلَّ ما يهمّهم أنّ جواز سفري أمريكي وجواز سفرها لبنانيّ.

يمكن أنْ تكون أجوزة السّفر منافية للعقل ومُجرَّدَة من الإنسانيّة أكثر ممّا نود الاعتراف بذلك. فقط ضع في اعتبارك هذا الأمر: نحن نعيش في عالَم حيث يتمّ فيه  إصدار أجوزة للقطط والكلاب ممّا يمنحهم حريّة السّفر حول العالَم، بينما تمتلك أعداد كبيرة من الناس أجوزة سفر مُحْتَقَرة لدرجة أنّهم يُمنعون فعليًّا من الانتقال القانوني خارج حدودهم. ففي عالَم أجوزة السّفر، يمكن للحيوانات أنْ تتلقّى مُعاملة أفضل من البشر! لربّما الأكثر سخافةً من ذلك هو أنّ ملايين الأفراد يعيشون دون حصولهم على جواز سفر. إنّهم  مكتومو القيد، وهذا أمر فظيع.

تمسّ مشكلة جواز السّفر أكثر من مجرّد سهولة السّفر؛ فالجنسيّة لها  تأثير هائل على نوعيّة حياة الفرد.  يُمكن أنْ تُشكِّل الفرق بين حياة طويلة من الكرامة أو حياة قصيرة من البؤس، وينبغي إدراك أنّ هذا المُحدّد العميق لرفاهيّة الإنسان يتمّ تخصيصه عشوائيًّا. ليس للأطفال رأي فيما إذا كانوا سيعيشون كنرويجيّين أو صوماليّين أو جامايكيّين، لكنّ ذلك سيهيمن تمامًا على حياتهم. إنّ التّفاوت الفادح بين نوعيّة الجنسيّات هو سبب استمرار العالَم في كونه مُحَرّكًا للتدفّق البشري. ثمّة سبب يجعل أكثر من 40% من الشباب العربي، و77% من الشباب اللبناني يريدون الهجرة. ولا داعي للقول، أنّهم يرغبون في مكان يمنحهم جواز سفر جيّد. غير أنّه ما مدى إمكانية استقرار المرء في مكان إذا لم يكن مُرَحّب به أصلًا فيه لزيارة بسيطة؟

تُشَكِّل مسألة عدم المساواة في جواز السّفر معضلة حقيقيّة بالنّسبة لعالَمنا الحديث، أمّا بالنّسبة للمؤمنين، فهي قضيّة لا يمكن التّغاضي عنها مطلقًا. تُحَلِّق أجوزة السّفر مباشرةً في وجه ملكوت اللّه، وهي الكيانة النّهائيّة التي يدين لها المؤمنون الحقيقيّون بولائهم. يُعلن الملكوت أنّ جميع النّاس خُلقوا على صورة اللّه ويتمتّعون بقيمة عظيمة. وتمثّل صورة الله المتجليّة بالمسيح احتجاجًا عنيدًا في وجه الحواجز (والوثائق) الإقصائيّة التي تقسّم البشريّة من خلال حدّهم بمكانة دائمة ذات قيمة أكبر وأقلّ. ألا يُشَكِّل إعلان الكتاب المقدّس عن الملكوت فضيحة العصر لأنّه ينتقد النّظام العالَمي للدّول بأكمله وحكمه الشّمولي على حياة الأفراد؟ قد تحكم ممالك العالَم عن طريق السّيطرة على الأرض وتقييد النّاس بِنُظُم متفاوتة الجودة، لكنّ ملكوت السموات ليس كذلك. وعند النّظر إليها كتابيًّا، ألا ينبغي أنْ تدعو أجوزة السّفر المسيحيّين إلى التساؤل، “لأيّ مملكة أتعهّد بالولاء؟”

أدرك أنّ فضح جواز السّفر هذا له مضامين كبيرة، وأنّ البعض (أو الكثير) سوف يرفضه باعتباره سمة سامّة للعولمة التي تسعى إلى تعزيز فكرة عالَم بلا حدود. في الواقع، إنّ هكذا مفهوم لا يزعجني، لكنّه لا يجذبني أيضًا؛ فأنا لست مهتمّ بترتيب جغرافيّات الكرة الأرضيّة على قدر اهتمامي بتشكيل قلوب البشر. إلى جانب ذلك، تُظهر قراءة أوليّة للتّاريخ أنّ الحدود التي يرتكز عليها الكثيرون لم تكن موجودة دائمًا، ويُعقل القول أنّها لن تبقى إلى أجلٍ غير مُسمّى. والأمر نفسه ينطبق على أجوزة السّفر. الكتاب المقدّس واضح حول هذا الموضوع: جميع أجوزة السّفر لها تاريخ انتهاء صلاحيّة، والسماء سوف تمتلئ بأناس من كلّ قبيلة، ولسان، وأمّة، ولكنْ لن يحزم أحد جواز سفر. أنا فضولي للغاية لمعرفة كيف سيبدو عالَم ما بعد جواز السّفر (في هذه الأرض وفي الخليقة الجديدة)، ولكن حتّى ذلك الحين، لا يزال لدينا هذا المُستند المُحَيّر في متناول اليد. ومع ذلك، آمل أنْ ينضمّ إليّ أتباع المسيح في التّفكير بأسلوب أكثر نقدًا حيال هذه الوثائق الثّقيلة من الورق بينما نُقَلِّل تمسُّكنا بها.

اترك رد