تقرير ندوة محادثات الشّرق الأوشط 2020 – لبنان في أتون الانهيار: سنة من الصَقْل الإيماني

بعض أجوزة السّفر متعالية على الأخرى: تأمُّل لاهوتي موجز حول أجوزة السّفر، الامتيازات، وعدم المساواة حول العالم
أكتوبر 22, 2020
تقرير الاحتفال الافتراضي بالذّكرى الستّين على تأسيس كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة
نوفمبر 12, 2020

شكّل اندلاع الاحتجاجات الشّعبية في 17 تشرين الأوّل/ أوكتوبر لحظة مفصليّة بالنّسبة للبنان. فقد أطلق هذا الحدث العنان لفترة اضطرابات امتدّت على مدار 12 شهرًا حيث طغت عليها ثلاث أزمات وطنيّة؛ بدءًا بحركة احتجاجات في الشّارع أضرمتها الظّروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة المتدهورة، مرورًا بإعلان حالة الطّوارىء الصحيّة العامّة النّاجمة عن تفشّي وباء كورونا المستجد، وصولًا إلى كارثة انفجار بيروت المروّعة في الرّابع من آب/ أغسطس. لقد انكشفتِ التصدّعات الرّاسخة في النّسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان بصورة سريعة ومتقلّبة خلال العام الماضي ما خلّف آثارًا مُدمّرة على مستويات عديدة. رغم أنّه من المنطقي النّظر إلى هذا الوضع المتفاقم بعيون يائسة، إلّا أنّ الإيمان الكتابي يحثّنا على الاستجابة للأزمة بسُبل تُقاوم الانهزاميّة وتعتنق الرّجاء. وهذه بالتأكيد ليست بالمهمّة السّهلة. ومع ذلك، لقد قدَّم العام المُنصرم دروسًا قيّمة في الإيمان والشّهادة المسيحيّة فيما تُعيد الكنيسة في لبنان النّظر في دورها في المجتمع.

لمناقشة أحداث هذا العام، استضاف مرتان عقّاد أوجين سينسينغ، وسام الصليبي، وناديا خوري عقّاد في النّدوة الخامسة من سلسلة محادثات الشّرق الأوسط 22 تشرين الأوّل/ أوكتوبر 2020: لبنان في أتون الانهيار: سنة من الصّقل الإيماني.

شاهد فيديو الندوة عبر الإنترنت المتوفر على قناة كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة على يوتيوب

ملخّص النّدوة

يبدأ مارتان عقّأد، وهو مدير الشؤون الأكاديمية في  كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربية بمقدّمة عن الأزمات الحاليّة في لبنان. الأمر تخطّى الارتباك؛ لقد “خرج الوضع عن مساره” فالبلاد تمرّ بانهيار فعليّ. إنّ واقع تدهور الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة يجعل الكثيرون يُشكّكون في قدرتهم على إحداث فرق في لبنان، والرّغبة في مغادرة البلاد تعمّ الأرجاء. يتساءل مرتان في ضوء هذه الخلفيّة، “كيف يمكن لأتباع المسيح أنْ يُحدثوا فرقًا في مواجهة الأزمات؟” يمكن للقناعات الإيمانيّة أنْ تحرفنا بسهولة إلى الانفصال المُفرط عن هذا العالَم ومعضلاته أو تدفعنا إلى الانخراط المُفرط في حملة صليبيّة من أجل التّغيير. كِلا الاستجابَتَيْن تتسبّبان بمعضلات فعلية، ويتحدّانا مرتان لقياس النّجاح من خلال مدى التزامنا بإظهار قِيَم الملكوت الإلهيّة وليس من خلال نتائج عملنا. يُصرّ مرتان أنّه حتّى في أكبر الأزمات، فإنّ الإيمان يغرس الرّجاء الذي ينبغي أنْ يحكم اليأس.

ثمّ يدعو مارتان المُتحدّثين الضّيوف لتقديم تحليل عن عام الأزمات في لبنان من منظورهم المهني والشّخصي.

يبدأ يوجين سينسنيغ  الأستاذ في كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة في جامعة اللّويزة في لبنان، بطرح تحليله للوضع اللّبناني من خلال التوضيح أنّه ينبغي أوّلًا على جميع مناصري العدالة والتّغيير فحص دوافعهم الشّخصية والتّساؤل عمّا إذا كانوا أفضل من القوى التي يناضلون ضدّها. وكعالِم في الشؤون السياسيّة ورجل إيمان، يقول أنّ فهم إرادة اللّه لشعبه ينبغي أنْ تتمّ باستخدام أدوات الدّين والعلوم الاجتماعيّة الذين يعملون مع بعضهم البعض عن كثب. يُعتبر هذا الاقتران بين الإيمان والعلم محوريًّا لإطار التّعليم الاجتماعي الكاثوليكي، وقد طوّرت تقاليد مسيحيّة أخرى كذلك تعبيرات لهذه المفاهيم. يجادل يوجين أنّ المجتمعات المسيحيّة في لبنان والشّرق الأوسط محدودة للغاية، مقارنةً بأماكن أخرى من العالَم، من حيث مشاركتها بالنّشاط الاجتماعي. بل أكثر من ذلك، فقد قوّض المسيحيّون في كثير من الأحيان الجهود الرّامية لتحقيق تغيير دائم. يؤكّد يوجين، استنادًا إلى تعاليم مارتن لوثر كينغ، على الحاجة إلى السّعي لتنقية الذّات مع الحفاظ على الالتزام وقول الحق بوجه السّلطة، ويتحدّى الكنيسة لتتجاوز إدارة الأعمال الخيريّة والعمل نحو جهود التّمكين البشري.

واستكمالًا للمحادثة، يُشارِك وسام الصّليبي، وهو مسؤول المناصرة للأمم المتّحدة في جنيف للتّحالف الإنجيلي العالَمي، أفكاره حول حركة الاحتجاجات الشّعبية التي جرت في تشرين الأوّل/ أوكتوبر الماضي. وهو لا يزال مُرتابًا بشأن الحماسة الثّورية التي انبثقت عن الحدث. بالنّسبة إليه، ثمّة إخفاق عام في وضع اللّبناني نفسه مكان شريكه اللّبناني الآخَر، لفهم المخاوف التي تؤويها الطّوائف المختلفة، والنّظر في السُّبل التي تتشكّل بها الأيديولوجيّات الدينيّة والسّياسيّة المعيّنة. لم يكن الخطاب في مظاهرات 17 تشرين الأوّل/ أوكتوبر (مع شعارات مثل ” كِلُّن يعني كِلُّن” إشارةً إلى أنّهم جميعًا فاسدون) مفيدًا لأنّ المسيحيّين أضاعوا فرصةً لاحتضان الآخرين بسُبل مسيحيّة في بدايات الاحتجاجات المُتوتِّرة. يُذكِّرنا وسام أنّ معالجة مخاوفنا الشّخصيّة أمر ضروري من أجل التّواصل مع الآخرين، وأنّ تاريخ لبنان المؤلم من الحرب الأهليّة والفتنة قد خلَّف العديد من الجراح التي لا تزال بحاجة إلى شفاء. فالموالون الدّينيّون والجهات العلمانيّة الفاعلة في المجتمع المدني على حدٍّ سواء لديهم مخاوف مُعَقّدة، وهي لا تحظى بالتّقدير الكافي. تمّ تقديم العديد من المطالب في الاحتجاجات، لكنّ وسام لاحظ عدم مراعاة كيفيّة تلقّي اللّبنانيين الآخرين لِما يُسْمَع ويُشاهَد في المظاهرات. إنّ امتلاك القلب والعقل لفهم الآخرين، ولا سيّما أولئك الذّين نختلف معهم، أمر بالغ الأهميّة لتحقيق التقدُّم بحسب مفهوم وسام.

تُقَدِّم ناديا خوري عقّاد، المديرة التّنفيذيّة لمنظّمة  تحدّي في بيروت، منظورًا على المستوى الجزئي عن العام المُنصرم من خلال تذكيرنا أنّ الأزمات اللّبنانيّة الرّاهنة تأتي على خلفيّة أزمة النّزوح المستمرّة حيث يُشَكِّل اللاجئون ما يوازي ربع سكّان البلد. وقد أدّى ذلك إلى زيادة خطورة الأحداث الجارية. تذكّرنا ناديا أنّ الجميع تأثّروا بالانهيار المُستمرّ؛ فأولئك في المجتمع الذين كانوا يستجيبون سابقًا لاحتياجات الآخرين، باتوا الآن هم أنفسهم محتاجين. فالبطالة المُتصاعدة، وانخفاض قيمة العملة، والتضخّم الكبير للسّلع الأساسيّة كان لها آثار مُدمِّرة، وأولئك الذين يعملون كعمّال مياومين يتمّ دفعهم إلى حافّة الانهيار. تصرّح ناديا أنّ الانعكاسات النّاجمة عن الوباء ضارة جدًا على القطاع التّعليمي لا سيّما في خضك الأزمة، وثمة إمكانيّة كبيرة بحدوث تأثير سلبي طويل الأمد على الأطفال المستضعفين. وعلى المنوال نفسه، تُعاني الرّعاية الصحيّة العامّة من نقص مزمن في التّمويل، وتعجز أعداد متزايدة من الناس في الحصول على الرّعاية التي يحتاجونها. أمّا الأُسَر فكاهِلُها مُثقَلٌ بالديون مع تزايد ندرة الغذاء. يُساهم كلّ ذلك في تنامي اتّجاهات استغلال الأطفال في سوق العمل. ولا عجب أنّ ظروفًا كهذه تُسهم أيضًا في الأحداث المنزليّة الضارّة والمُسيئة. وعلى الرّغم من هذا التّقييم الصّعب، تُشجّعنا ناديا بالإبلاغ عن اتّخاذ إجراءات لمواجهة التّحديات المتزايدة، وتحثّنا على إبقاء أعيننا على رؤية كتابيّة للعدالة تسعى جاهدةً للتّغيير الاجتماعي المنهجي.

 يُعاني لبنان منذ فترة طويلة أوجه قُصور اجتماعيّة أساسيّة، وقد تمّ الكشف عنها بأساليب مُروّعة خلال العام المُنصرم.

تتواصل النّدوة بحلقة نقاش لاستكشاف الأبعاد الشّخصية والتنظيمية واللاهوتيّة لهذا العام الدّيناميكي في لبنان. كما تتطرّق إلى مجموعة واسعة من القضايا مثل الطّائفيّة في مواجهة المُحاصَصة، والمُشاركة المسيحيّة الأمينة، وتعاليم الكتاب المقدّس حول السّلطات المُعارضة. تُحاول هذه المُحادثة المُثرية فهم فترة معقّدة من التّاريخ اللّبناني الحديث مع التأكيد وحث أتباع المسيح أنْ يعيشوا على الرّجاء بينما يُركّزون على التحوُّل الحياتي الطّفيف حتّى درجة المعاناة والاضطهاد.

تسعى الندوة عبر الإنترنت لمحادثات الشرق الأوسط لعام 2020 إلى طرح الأسئلة والنظر في الأفكار بغية الاعتراف بالتحدّيات وتحديد الفرص المتاحة للشهادة المسيحيّة الأمينة. شاهِد الندوة عبر الإنترنت وتابِع المحادثة التي يسّرها مرتان و أوجين و وسام و ناديا، واستمِرّ في المناقشة من خلال مشاركة الأسئلة والأفكار في قسم التعليقات أدناه.

اترك رد