البحث عن الحقيقة في أرض الأكاذيب: طريق إلى بناء السلام والمصالحة

تقرير الاحتفال الافتراضي بالذّكرى الستّين على تأسيس كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة
نوفمبر 12, 2020
لا ضرر في أنْ يحبّ المسيحيّون وطنهم
نوفمبر 26, 2020

  بقلم مرتان عقّاد وتيم بريس

 كتبنا آنفًا أنّ المجتمع اللّبناني تُحدّده الطائقيّة، وقد دفع هذا التّزاوج بين الدّين والقبليّة في الشّرق الأوسط معظم اللّبنانيّين إلى التّفكير والعيش وفقًا لإملاءات زعمائهم الطّائفيّين (القبليّين)، سواء كانوا سُنّة أو موارنة أو دروزًا، إلخ. فالسّنوات الخمس عشرة المليئة بالعنف خلال الحرب الأهليّة اللّبنانيّة (1975 – 1990) ما هي إلّا النتيجة المنطقيّة لهذه الطائفيّة، التي لم تكن لها علاقة تُذكر بالخلافات اللّاهوتيّة وإنّما بالكثير من الديناميكيّات القبليّة. ومع ذلك، أخفق لبنان حتّى بعد انتهاء هذه الحرب الأهليّة الكارثيّة، في تعديل أسلوبه الإشكالي في تنظيم المجتمع.

واليوم، لا يزال لبنان يعيش في هذا الواقع الطّائفي السّام، حيث يهيمن على كلّ مجتمع طائفي – أو “عائلة” – أمير حرب أو أكثر ويشار إليهم بكلمة زعيم أو زعماء. لكلّ طائفة زعامة خاصّة بها، وعادةً ما تتكوّن من أمراء حرب سابقين أو أبنائهم أو أقاربهم – سعد الحريري للسُنّة، سمير جعجع وميشال عون (والآن يتعاظم دور صهره جبران باسيل) للموارنة، وليد جنبلاط للدّروز، نبيه برّي وحسن نصرللّه للشّيعة. هؤلاء هم فقط “رؤس العائلات” الأقوى. وثمّة العديد من الفروع العائلية التّابعة. يطالب كلّ زعيم أفراد طائفته بالخضوع التّام – وأيّ تصويت لشخص من طائفة أو عائلة مختلفة، سيُعتبَر خيانة عظمى. تمثّل هذه ” الزّعماقراطيّة” نظامًا شموليًّا حقيقيًّا. وعلى غرار الأنظمة الشموليّة الكلاسيكيّة في القرن العشرين، يدّعي كلّ زعيم احتكاره للحقيقة، لا سيّما فيما يتعلّق بتفسيره لتاريخ الحرب الأهليّة.

في الواقع، لا تتّفق مجموعتان على ما حدث خلال الحرب، ولكلٍّ منها سردها الخاص للأحداث التي تُبرّر الدّور الذي لعبوه في الحرب بينما يسردون بلا رحمة كلّ الفظائع التي ارتكبها الآخرون. وفي المدارس اللبنانية يتمّ تجاهل هذا الموضوع إلى حدّ كبير. وقد يكون ذلك مفهومًا فمنهاج التّاريخ يتوقّف بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب العالميّة الثّانية ولا يتعلّم الأطفال أبدًا عن فترة الحرب الأهليّة، وإنّما يُترِكَ كلّ طفل مع السّرد المُهيمن أو التابع لعائلته الطّائفيّة. يُديم هذا الافتقار إلى السّرد المشترك أو الحقيقة المُشتركة الصّراع الطائفي في لبنان ويُمَكِّن كلّ زعيم من إبقاء أتباعه خاضعين في قبضته. يُبرِّر كلّ زعيم هذه القبضة من خلال نسخته الخاصّة للحقيقة التي تُخفي على نحوٍ ملائم العنف والجرائم التي ارتكبها هو أو أسلافه خلال الحرب.

سوف يتساءل أتباع يسوع عن دورهم ودعوتهم في وضع مُعقّد كهذا. يُخبرنا يسوع في متّى 9:5 أنّ صنع السلام هو دعوة مُبارَكة تُكْسِب مؤيّديها مكانة “أبناء وبنات اللّه”. فكيف نطمح إلى هذه النّعمة والمكانة في ظلّ الواقع الطّائفي اللّبناني، حيث الحقيقة أسيرة النّظام الاجتماعي والسّياسي؟

تماشيًا مع التّقليد النّبوي الذي يسري عبر العهد القديم ويبلغ ذروته في يسوع، صانع السّلام العظيم الذي نسعى جاهدين لاتّباعه، فإنّه ينبغي مخاطبة السلطة بالحقّ. وكما كتب ميروسلاف فولف، “لا غنى عن “السريّة” لإدارة السّلطة”. [1] الأمر سيّان في لبنان، فبينما يُخفي كلّ زعيم طائفي حقيقة دور جماعته في المسؤوليّة الجماعيّة للحرب، فقد يبدأ الكشف عن الحقيقة في نزع شرعيّة النّظام الطائفي القمعي وتخريبه، ما يُمَهِّد الطريق لمزيد من السلام والحرية في لبنان.

قد يتدخّل بيلاطس البنطي، المؤيِّد الرئيس لما بعد الحداثة: “ما هي الحقيقة”؟ في الواقع، ما هي الحقيقة؟ تدّعي كلّ طائفة لبنانيّة أنّها تمتلك الحقيقة المُطلقة بشأن الحرب الأهليّة. تنتج كلّ طائفة حقيقتها وتستخدمها كسلاح في نضالها الاجتماعي. [2] هل نملك إمكانيّة الولوج إلى الحقيقة المُطلقة حول ما حدث أثناء الحرب الأهليّة؟

يزوّدنا ليزلي نيوبجين ببعض الأفكار الهامّة عن الحقيقة. وهو يُجادل أنّه بينما يدّعي المسيحيّون بصدق أنّ الحقيقة المُطلقة موجودة، فإنّنا نُخطىء عندما ندّعي امتلاكها. “أيّ مجتمع يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، يُصبح قمعيًّا حتمًا، إذا حصل على السّلطة”. يُضيف: “لكنّ الادّعاء المسيحي ليس كذلك”. بل يمكننا الادّعاء أنّه “في يسوع، ظهرت الحقيقة المطلقة وسط نسبيّة الثقافات الإنسانيّة”، وبالتّالي فإنّنا “نعرف فقط أين نسترشد بها … للبحث المُشترك عن الحقيقة”. [3] ينبغي أنْ نعترف مع بولس، أنّنا نعلم بعض العِلم، ولكنْ سيأتي اليوم الذي سنعرف فيه كلّ شيء. (1 كورونثوس 13: 9).

أين يتركنا ذلك إذًا؟ هل تحظى رواية كلّ صراع طائفي بالمصداقيّة ذاتها؟ ربّما. هل تذهب جهودنا لقول الحقيقة للسلطة سُدًى؟ ليس بالضّرورة. أوّلًا، لاحظوا أنّ قول الحقيقة للسلطة لا يقتصر على آذان الأقوياء فحسب، إنّما ينبغي على الجميع سماعها ولهذا علينا التحدّث عن “المسؤوليّة الجماعيّة”. ينبغي على أولئك المشاركين العاجزين في النّظام الطائفي أنْ يسمعوا الحقيقة للهروب من براثنه العنيفة. لكنّ المعضلة تبقى أنّنا نفتقر لطريقة مباشرة لتحديد حقيقة الحرب الأهليّة.

يُجادل ميروسلاف فولف مجدّدًا بأنّ المطلوب في مثل هذه الحالة هو ما يسمّيه بـ “الرؤية المزدوجة”. يتمّ البحث عن الحقيقة بين الناس والجماعات الثقافيّة من خلال الانتقال من الذات إلى الآخَر والعكس؛ ينطوي عرض الأمور على “رؤية مزدوجة” من “هذه الجهة” ومن “الجهة المُقابلة”. [4] تتطلّب “الرؤية المُزدوجة” إذًا، أنْ يُطوِّر اللّبنانيّون قدرة التّعاطف القصوى، ما يعني أنّهم سيحتاجون للاستماع إلى روايات مجموعات أخرى مغايرة لرواياتهم واعتبار أنّه ثمّة حقيقة ما في تلك الروايات. قد يكون هذا السبيل الوحيد للخروج من النّظام الطائفي في نهاية المطاف.

إذا كنّا نرغب في بناء السّلام في لبنان، فذلك ينطوي على إجراء مثل هذه المحادثات العابرة للطوائف حول التّاريخ اللّبناني. في الواقع، سيتطلّب الأمر أكثر من ذلك، ولكنْ حتمًا ليس أقلّ.

المراجع

[1] Volf, Miroslav. Exclusion & Embrace : A Theological Exploration of Identity, Otherness, and Reconciliation, Abingdon Press, 1996, 181.

[2] Ibid., 189.

[3] Newbigin, Lesslie. The Gospel in a Pluralist Society, William B. Eerdmans Publishing Company, 1989, 125.

[4] Volf, Miroslav. Exclusion & Embrace, 197.

اترك رد