الحديث عن الاختبارات الدّينية غير المسيحيّة: تجَنُّب المساومة والشّيطنة من أجل الأخبار السّارة والسلام الاجتماعي

حريّة التعبير في صراع:عن الإساءة، الإيمان والديمقراطيّة
ديسمبر 3, 2020
تقرير ندوة محادثات الشّرق الأوسط 2020 -نظرة كتابيّة للآخَر: الإسلام، القرآن، ومحمّد
ديسمبر 17, 2020

بقلم تيم بريس*

منذ بضع سنوات، شعرتُ بالصّدمة عندما واجهتُ واقع أنّ المسيحيّين ليسوا الوحيدين الذين يتمتّعون باختبارات دينيّة ذات مغزى عميق. لنأخذ على سبيل المثال الرواية الكلاسيكيّة التالية التي قرأتها للمؤلِّف وليام جيمس بعنوان: تنوّع الاختبارات الدّينية. استوحى جيمس هذه الرّواية من سيرة رجل يُعْتَبَر واحدًا من أهم الفلاسفة المسلمين على مرّ العصور، الغزالي:

وجدتُ نفسي مُقيّدًا بقيودٍ كثيرة – والتّجارب من كلّ حدٍّ وصوب. بالنّظر إلى تعليمي، وجدتُ أنّه كان نجسًا أمام اللّه. وجدتُ نفسي أكافح بكلّ ما أوتيتُ من قوّة لتحقيق المجد وتعظيم اسمي. … بعدها، وعند شعوري بضعفي، وبعد أنْ تخلّيتُ تمامًا عن إرادتي، رجعتُ إلى اللّه مثل رجلٍ في محنةٍ لا يملك أيّة موارد. أجابني كما يُجيب البائس الذي يتوسّله. لم يعد قلبي يشعر بأيّ صعوبة في التخلّي عن المجد والثروة والأولاد. لذلك تركت بغداد، وحفظتُ من ثروتي فقط ما كان لا غنى عنه لإعانتي، ووزّعتُ الباقي. ]1[

اختبار اهتدائه يصلح كقصّة تحوّل مسيحي عظيمة: سعيه من أجل مجده الذاتي، ثمّ إدراك ضعفه وقصوره، وإلقاء نفسه على اللّه، واستجابة اللّه، والتخلّي أخيرًا عن ثروته نتيجةً لذلك. وكما ذكرت آنفًا، لم يكن الغزالي مسيحيًّا.

اختبار الغزالي الدّيني وعلى غراره من الرّوايات غير المسيحيّة جعلتني مرتبكًا وحائرًا بعض الشّيء. كيف يمكنني تفسير هذه الظّواهر؟ في دوائري الإنجيليّة، ثمّة ردّ فعل تلقائي ولا إرادي لروايات مثل هذه: “هذا عملٌ شيطانيّ”! ففي نهاية المطاف ألا يمكن للشّيطان أنْ يُغَيِّر شكله إلى شبه ملاك نور (2 كورونثوس 11: 14)؟ من ناحية أخرى، في الأوساط الإنجيلية الأكثر ليبيراليّة، تميل ردود الفعل التلقائيّة إلى الرّوايات الشّبيهة بقصّة الغزالي للقول: “هذا عمل اللّه”! في النّهاية، ألم يذهب بولس في حديثه إلى الوثنيّين عن “الإله المجهول” إلى حدّ الإشارة على أنّه اللّه (أعمال الرّسل 17: 23)؟

يبدو كِلا الردَّيْن سهلان للغاية وإنّما غير مرضيَّيْن إلى حدٍّ ما، أيّ معيار واحد يُناسب جميع الظّواهر المُعقّدة المنبوذة. ما الغاية من وجود موهبة تمييز الأرواح (1 كورونثوس 12: 10) هل ثمّة إجابات بسيطة وواضحة لهذه المسائل؟

علاوة على ذلك، يبدو أنّ أيًّا من الردّين ليس مثمرًا للتفاعلات المسيحيّة بين الأديان. يندرج ردّ الفعل التلقائي الأوّل على الاختبارات الدينيّة غير المسيحيّة على أنّه (“عملٌ شيطانيّ”) ضمن فئة التّفاعلات بين الأديان التي يسمّيها مرتان عقّاد بـ “الجدليّة”. ]2[ يُجادل أنّه من خلال شيطنة الآخر، فإنّ التفاعلات في هذه الفئة تُغلق الباب أمام أيّ إمكانيّة للعمل من أجل تحقيق السّلام الاجتماعي بين الأديان. يندرج ردّ الفّعل الأخير (“هذا عمل اللّه”) ضمن الفئة “التّوفيقيّة” التي يتحدّث عنها عقّاد في الجانب الآخر من سلسلة التّفاعلات بين الأديان. يستبق هذا الرّد الدافع القويم في مشاركة أخبار يسوع السّارة مع أولئك الذّين لا يرون إعلان اللّه الكامل عن نفسه من خلال يسوع. ويمكن القول أنّ الرّدود الجدليّة ليست ذات فعاليّة في مشاركة هذه الأخبار السّارة أيضًا، كما أنّ الاستجابات التّوفيقيّة غير مفيدة إلى حدٍّ ما لتحقيق السّلام الاجتماعي بين الأديان، لأنّها عادةً ما تتطلّب إنكارًا للهُويّات الدّينيّة الحصريّة للنّاس.

فبدلًا من وَضْع أنفسنا في مواجهة هذا الانقسام الظّاهري، مضطرّين للاختيار بين الكرازة العدوانيّة والإنجيل الاجتماعي العلماني، ثمّة سبيل للمضي قدمًا، وهو ما يسمّيه عقّاد “المبدأ الإعلاني” “kerygmatic”، المبني على كلمة العهد الجديد “Kerygma” التي تعني “الإعلان”. وهو يعتقد أنّ هذا النّهج “لديه القدرة أنْ يكون مثمرًا للغاية لإنجيل المسيح كونه الأخبار السّارة والأكثر ملاءمةً للسّلام في عصرنا الذي يشهد صراعات كبيرة”. ]3[ يرفض هذا النّهج في التّعامل ما بين الأديان الاختيار بين السّعي الحصري للسّلام مع اللّه والسّعي الحصري لتحقيق السّلام بين البشر. ويعتبر الأرض المشتركة وكذلك الفجوة الدّينيّة مع الآخَر مهمّة على حدٍّ سواء وتحتاج إلى مناقشة. الأولى مفيدة للتأكيد على السلام البشري، والثّانية تحتاج للتحدّي من أجل السّلام مع اللّه.

بهدف تطبيق النهج “الإعلاني” للحديث عن الاختبارات الدينيّة، أقترحُ معيارَيْن أو عدستَين من الكتاب المقدّس يسمحان لنا بتحديد هذه الأرض المشتركة وكذلك الفجوة الدّينيّة، ما يساعدنا على عَيْش التوتّر بين التوافق والتحدّي مع الدين الأخَر.

يتعلّق المعيار الأوّل بتقدّم الإنسان وأستندُ على رسالة بولس إلى أهل غلاطية. يشرح بولس في تلك الرّسالة لأهل غلاطية كيفيّة التعرّف على عمل روح اللّه مقابل “أعمال الجسد”: “أمّا ثمر الرّوح فهو محبّة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفُّف”. (غلاطية 5: 22 – 23). بعبارة أخرى، يُنتج روح اللّه شخصيّة فاضلة.

بتطبيق هذا المعيار على اختبار الغزالي الدّيني، فإنّ الحُكم إيجابي إلى حدٍّ ما، ويمكننا تأكيد الأرضية المشتركة مع تقاليدنا المسيحيّة. في الواقع، ونتيجةً لاختباره، يبدو أنّ الغزالي بات شخصًا أكثر فضيلة، مُتحرِّرًا من الكبرياء وقادرًا على التخلّي عن معظم ثروته.

ومع ذلك، أقترح النّظر في معيار ثانٍ إلى جانب المعيار الأوّل. يتعلّق هذا المعيار بالحقّ وأستند إلى مقاطع كتبها يوحنّا وبولس على التّوالي. كتبا: “وأمّا متى جاء ذلك، روح الحقّ، فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ” (يوحنا 16: 13)، وأيضًا “ليس أحد يقدر أنْ يقول “يسوع ربّ” إلّا بالروح القدس”. (1 كورونثوس 12: 3). بعبارة أخرى، يكشف روح اللّه عن الحق، ولا سيّما عن يسوع. الآن، تُعتَبر الحقيقة اليوم مسألة شائكة، ولكن بينما ينبغي الاعتراف بأنّنا ربّما لا نملك كلّ الحق، فأقلّه نحن نعلم أنّ يسوع صرّح أنّه الحق. لذا، فإنّ هذا المعيار يُفَضِّل الاختبارات التي تكشف عن الحق.

وهنا، من وجهة نظر مسيحيّة قويمة، يقصُر اختبار الغزالي الدّيني، ويكشف اختلاف مهمّ عن تقاليدنا المسيحيّة. وفي حين يبدو أنّ اختباره يكشف بعض الحق فيما يتعلّق بنعمة اللّه، إلّا أنّ الغزالي لا يتلقّى إعلانًا واضحًا عن يسوع النّاصري، أيّ الحقّ.

وهكذا، مع هذين المعيارَين في متناول اليد، يمكنني إلى حدٍّ ما تجنُّب السؤال البسيط “هل هذا عمل اللّه أم عمل الشّيطان؟” بغية الحصول على تفاعل أكثر دقّة وإثمارًا بين الأديان. فمن خلال التأكيد على السُّبل التي تساهم بها اختبارات المتديّنين الآخرين في تقدّم الإنسان وتودي إلى حقيقة أعمق عن اللّه، فأنا قادر على خلق مساحة للسّعي معًا من أجل السّلام الاجتماعي. في الوقت عينه، ومن خلال تحدّي السّبل التي تقصُر فيها اختباراتهم عن معرفة الحقّ المُعلَن من خلال يسوع، يمكنني أنْ أكون أمينًا في دعوتي لقيادة النّاس للسلام مع اللّه.

* تيم بريس هو طالب ماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باحث في بناء السلام المسيحي في سياقات ما بين الأديان.

المراجع

[1] James, William. The Varieties of Religious Experience: A Study in Human Nature, Longmans, Green, And Co., 1917, 403-404.
[2] Accad, Martin. “Christian attitudes toward Islam and Muslims: a kerygmatic approach.” Toward Respectful Understanding and Witness among Muslims: Essays in Honor of J. Dudley Woodberry (2012): 29-47.
[3] Ibid., 37.

اترك رد