لكي يروا أشجاركم الميلادية: تأمّل ما بعد الميلاد حول المسيحيّة العربيّة وتحدّي الوجود

ترياق للقومية المسيحية
يناير 7, 2021
مسيح واحد، جسد واحد، لكن آراء متعدّدة
يناير 21, 2021

بقلم نبيل حبيبي

يصل أبي البيتَ مع علبةِ كبيرة. نتجمّع حوله نحن الأولاد الأربعة، بنتان وصبيّان، بفضول. تضحك أمي. يفتح أبي العلبة. إنّها شجرة عيد الميلاد! قد يكون هذا حدثَا عاديًا مع حلول نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني في أيّ بيت مسيحي، وحتّى بعض البيوت المسلمة، في الشرق الأوسط. غير أنّه ليس بالأمر العادي بالنسبة لنا.

كبرنا في كنيسة محافظة جدًا في بيروت، وكانت كلّ رموز “العالم” ممنوعة منعًا باتًا. التلفزيون؟ وسيلة إتصال شيطانية. الموسيقى؟ من أنغام الجحيم. الاحتفال بعيد الميلاد؟ احتفال شيطاني. لذلك كبرنا بدون زينة ميلاديّة وقطعًا بدون شجرة الميلاد.

الحمد لله انتقلت عائلتي في أوائل مراهقتي إلى كنيسة ذات تقليد مختلف. واكتشفنا فرحة احتفالات عيد الميلاد. واشترينا شجرة العيد (يشتري معظم الناس هنا شجرة اصطناعية). بينما أتأمل بموسم الميلاد الذي مررنا به منذ بضعة أسابيع وبتطوّر احتفالاتنا العائلية بالعيد، أرى أن هذا الصراع حول الرموز هو في صلب المسيحيّة في الشرق الأوسط.

تملأ الرموز المسيحيّة الشوارع والأحياء اللبنانية التي تقطنها أغلبيّة مسيحيّة: تماثيل وصلبان وأيقونات. وخلال الأعياد تضيء المناطق المسيحية الطرقات بزينة العيد، وتحرص كلّ مدينة مسيحية على نصب شجرة الميلاد على المدخل أو وسط البلدة.

بالفعل، إضاءة شجرة الميلاد هو “حدث” قائم بحد ذاته في البلدان العربية التي يوجد فيها وجود مسيحي رسمي، ويحضره شخصيات محليّة ووسائل الإعلام (هذا مثال عن الأمر من الأردن). بالنسبة للمجتمعات المسيحية، إضاءة شجرة الميلاد علنيَا هو علامة حقّهم بالوجود في بلد ذات أغلبيّة مسلمة. للمجتمع المسلم، السماح بإضاءة شجرة الميلاد هو علامة لتسامحهم الديني واحترامهم لوجود الأقليّات. غير أنّ هذا الموقف الأخير قد يكون موضع جدل بين المسلمين.

خلال هذا العيد الماضي شارك محمود صلاح، وهو لاعب كرة قدم مصري مسلم يلعب مع نادي ليفربول الإنجليزي وقد يكون أشهر رياضي مسلم على وجه الكرة الأرضية، صورة عائلية له مع شجرة عيد ميلاد. ردّ آلاف المسلمين بغضب، محاججين بأنّه لا يجوز شرعًا للمسلم الاحتفال بعيد الميلاد. فيما ردّ آلاف آخرون بالتشجيع والموافقة. في بعض الأحيان قد يأخذ الحديث منحى أكثر خطورة.

قبل عيد الميلاد ببضعة أيام أقدم مجهولون على حرق شجرة الميلاد في الضنية، بلدة مسلمة في شمال لبنان. قبض الجيش اللبناني سريعًا على المشتبه بهم، فهكذا حوادث بسيطة سرعان ما قد تتحوّل إلى نزاع طائفي مسلّح في لبنان. أراد أبناء البلدة إظهار صورة التسامح من منطقة لبنانيّة ارتبط اسمها بالتطرّف الإسلامي، ولكن كان لبعض المواطنين من المنطقة رأي آخر بالموضوع.

سواء تأمّلنا بصورة صلاح أو شجرة الضنيّة المحروقة أو الكنائس التي تضيء أشجار الميلاد في بلدان مسلمة أو صراعي الميلادي الشخصي مع الأصولية، فلا بدّ أن تذكّرنا شجرة الميلاد بأنّ الدين رمزي بامتياز. يعتمد الدين على مواد رمزيّة للكلام عن واقع ميتافيزيقي متجرّد. نستخدم الخبز والخمر والصلبان والأجراس ورموز أخرى في الليتورجيا – وحتّى الكنائس التي لا تعتمد على ليتورجيا مكتوبة لديها آيات ومنبر مرفوع فوق رؤوس الناس وصليب ورموز أخرى في مكان العبادة.

لا يستخدم المسيحيون العرب الرموز فقط للكلام عن اللاهوت، بل يعتمدون أيضًا على الرموز لتكريس وجودهم. مباني كننائسنا تعلن وجودنا. قدرتنا على وضع شجرة ميلاد في مكان عام تشهد لحقيقة احتفاظنا بدرجة معينة من القوّة السياسيّة والاجتماعيّة في بيئة بأكثريتها مسلمة.

بالطبع يتبادر عدد من المقاطع الكتابية من العهد الجديد لذهني هنا. أوّلهم وصيّة يسوع للتلاميذ في متى 5 بأن يُضِئ نور أعمالهم الحسنة قدّام الناس لكي يمجّدوا الآب. ويقول يسوع أمرًا مشابهًا في يوحنا 13، حيث يوصي تلاميذه بأن يُعرَفوا بمحبّتهم. هذا شعار بارز في العهد الجديد وحياة الكنيسة الباكرة. هويّتنا ووجودنا كأقليّة اجتماعيّة في مجتمع بمجمله غير مسيحي يجب أن يعتمدا على قيم الملكوت وليس شجر الميلاد والصلبان. رهاننا الأساسي والوحيد هو على هويّتنا كمجتمع متألّم ومجتمع محبّة.

غير أنّني أكتب هذه الكلمات وأفكر بآلاف المسيحيين اللبنانيين الذين ماتوا في حروب متعدّدة للدفاع عن “الوجود المسيحي” في لبنان. وأفكّر بمئات الآلاف من المسيحيين العرب الذين اضطروا لدفع مبالغ طائلة وإقامة علاقات سياسيّة وبذل أقصى الجهود للحصول على موافقة الحكومة لبناء كنيسة.

فحتّى ولو اعتقدت أنّ هذه الجهود العسكريّة والسياسيّة بلا معنى من منظار لاهوتي وكتابي، وحتّى لو لم أستطِع بضمير مرتاح أن أوافق على جهود المسيحيين العرب للحفاظ على “الوجود”، ولكن لا يُخفى عليّ أنني أجلس هنا في لبنان وأكتب هذه المدونة المسيحيّة في المجال العام باسم مؤسسة مسيحيّة تعمل أيضًا في المجال العام بسبب تلك الجهود العسكريّة والسياسيّة.

بكلّ صراحة، لن أحزن إذا منعت كلّ الحكومات العربية أشجار الميلاد في العيد القادم. غير أنّني أخفق إذا أصبح حرق أشجار الميلاد ممارسة عاديّة. وسأتقبّل رفض محمد صلاح أخذ صورة بجانب شجرة الميلاد. وحتّى أنني أعتقد أنّه في مكان ما سيكون من المفيد لنا أن نختبر الوجود كأقلية مُضطهدة في مجتمع معادي. ألم يكن هذا اختبار الكنيسة الباكرة؟ أليس هذا الاختبار اليومي لإخوتنا في الكناس تحت الأرض في العالم العربي وباقي العالم؟

نضع أنا وزوجتي شجرة ميلاد في بيتنا كلّ سنة. طفلنا الصغير يحبّها كثيرًا. ومولودنا الجديد سيكبر أيضًا ويقع في حبّها. أنا أحبّها! لا بل أحبّ كلّ الرموز المسيحية، فهي تجلب غنى لإيماننا. إلّا أنّ أمنيتي لأولادي تفوق مجرّد إحاطتهم بالرموز المسيحيّة، بل أمنيتي لأولادي هي أن يختبروا مجتمعًا مسيحيًا نابضًا بالحياة – مكان يتحدّى المجتمع المحيط به أولًا وأخيرًا بالمحبة: محبّة تغسل الأرجل وتضحّي بالنفس وتبارك العدو وتنتصر على الكره بحمل الصليب!

نبيل مشغول بتعليم دراسات العهد الجديد في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، وفي وقته المتبقي يمارس المناصرة السياسيّة ويخدم الشبيبة في الكنيسة ويلعب مع ولديه الفاتنين.

اترك رد