الكنيسة ما بعد الجائحة: هل تعود إلى وضعها الطبيعي؟

مسيح واحد، جسد واحد، لكن آراء متعدّدة
يناير 21, 2021
المنظمات ذات الأساس الإيماني والمصلحة السياسية العالمية: السودان كحالة دراسيّة
فبراير 4, 2021

Church group at work after the Beirut explosion, courtesy of Joe Bridi – Used with permission.

بقلم إيلي حدّاد

لقد أّدّى الوباء إلى تعطيل حياتنا الطبيعية من نواحٍ كثيرة. اتخذنا جميعًا في جميع أنحاء العالم تدابير للتكيف مع هذا الوقت المضطرب. لقد غيّرنا طريقة قيامنا بالأشياء. وهذا يثير العديد من الأسئلة. هل هذا التغيير دائم؟ هل سنعود إلى الوضع الطبيعي بمجرد انتهاء الوباء، أم سيكون هناك وضع طبيعي جديد؟

شهدت الكنائس في جميع أنحاء العالم مستويات مختلفة من الاضطراب في العام الماضي. معظمها تكيّف. إذًا، ماذا سيحدث بعد الوباء؟ هل يجب أن تعود خدمة الكنيسة إلى طبيعتها؟ أو هل تعلّمنا دروسًا جديدة ستغيّر إلى الأبد الطريقة التي نختبر بها الحياة الكنسيّة؟ ما الذي يجب أن نتطلّع إليه؟

هذه الأسئلة لا تواجهها الكنيسة فقط. هذه أسئلة مؤسستية أيضًا. اسمحوا لي أن أبدأ بالتأمل في مسيرتنا الخاصة في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. نحن على غرار جميع المؤسسات التعليميّة على مستوى حول العالم، نقلنا برامجنا لتصبح متاحة عبر الإنترنت. لقد كان هذا القرار، إلى حدّ ما، إجراءً طارئًا استجابةً للاضطراب وعدم القدرة على مواصلة التعليم في الفصول الدراسية داخل حرم الكليّة. ومن ناحية أخرى كان القرار توجهًا استراتيجيًا، بناءً على احتياجات الكنيسة في المنطقة للتدريب وتقديم التعليم اللاهوتي وتشكيل القادة على نحوٍ يسهل الوصول إليه في المستقبل. التغيير في طريقة تقديم التعليم في كليّتنا ليس مؤقتًا. لن نعود إلى الوضع الطبيعي القديم، لكن هذا لا يعني أن الحياة المجتمعية والجوانب الأخرى للتعلّم وجهًا لوجه لم تعد مهمة بالنسبة لنا. نحن نتكيّف ونكتشف طرقًا مبتكرة جديدة لتحقيق الأهداف نفسها افتراضيًا.

لقد تغيّرت الحياة في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة ليس فقط لأعضاء هيئة التدريس والطلاب ولكن للموظفين أيضًا. فمع مستويات الإغلاق المختلفة، يضطر معظم موظفينا إلى العمل عن بُعد لفترات طويلة من الوقت. هل سيصبح العمل من المنزل هو الوضع الطبيعي الجديد؟ لا يزال هذا قرارًا صعبًا بالنسبة لنا. لم نكتشف بعد كيفية التغلب على جميع تحديات العمل من المنزل مثل إدارة العمل الجماعي، والحفاظ على تحفيز الموظفين، وتقييم الأداء، وتشكيل ثقافة الشركة، وتوفير أدوات الإنتاجية والتواصل. من المثير للدهشة أنّ بعض شركات التكنولوجيا الكبيرة التي انتقلت بالكامل إلى العمل من المنزل لم تعد تفضّل هذا الترتيب كحلّ دائم، على الرغم من قدرتها الكبيرة على توفير التكنولوجيا والاتصال المناسبين. أمّا كثيرون فسيختبرون بعض أشكال نموذج العمل المدمج. تُظهر جميع المؤشرات أنّه على الرغم من أنّنا لن نبقى في وضع الطوارئ، فإنّ الطريقة التي نعمل بها لن تعود إلى الوضع الطبيعي الذي كان عليه قبل انتشار الوباء. من المحتمل أن يحلّ وضع طبيعي جديد.

بالعودة إلى الكنيسة.

قبل الوباء، كان مبنى الكنيسة أو موقعها يمثّل علامة مهمة جدًا في هويّة مجتمع الكنيسة. عندما يُطلب منّا تحديد ماهية الكنيسة، يمكننا أن نتفق جميعًا على أنّ الكنيسة ليست مبنى بل هي مجتمع من الأشخاص المفديين المنخرطين في إرساليّة مع الله، أو شيء من هذا القبيل. غير أنّ الطريقة التي نستخدم بها المصطلح لا تتوافق مع هذا التعريف. نذهب إلى الكنيسة أو نأتي من الكنيسة، ما يعني أنّ الكنيسة هي مكان. أو نقول إنّ لدينا كنيسة صباح الأحد، ما يعني أنّ حدث خدمة العبادة صباح الأحد يحدّد الكنيسة. وهذا تنافر معرفي. فمعتقداتنا لا تتماشى دائمًا مع كلماتنا وممارساتنا. بمعنى ما، قبل الوباء، كان إيماننا الضمني أنّه إذا كنّا نتجمع في مكان معيّن، لا سيّما صباح الأحد، فإنّنا نكون كنيسة. بالطبع، لا أريد التقليل من أهمية الحياة المجتمعية وما يحدث صباح الأحد في مبنى الكنيسة.

تعطّلت عادة “الذهاب إلى الكنيسة” صباح الأحد على مستوى العالم لمدة عام كامل. في مجتمع كنيستي، لم نتقابل شخصيًا صباح الأحد منذ مارس/آذار الماضي. هذا اضطراب كبير! لقد كان من المثير للاهتمام أن نرى مدى سرعة تكيّف الكنائس والبدء ببثّ خدماتها عبر الإنترنت، ليس فقط في لبنان ولكن أيضًا في جميع أنحاء العالم. بمعنى ما، تطوّر الإيمان الضمني من “إذا التقينا في مبنى صباح الأحد، فنحن نكون كنيسة” إلى “إذا كنّا نبثّ عظاتنا عبر الإنترنت صباح يوم الأحد، فإنّنا نكون كنيسة”. بهذا المنطق، لن يكون مفاجئًا إذا عادت حياة الكنيسة إلى وضعها الطبيعي بعد هذا الوباء.

إلّا أنّ شيئًا مهمًا حدث مع الكنيسة. يمكنني على الأقل أن أشهد على ما نعيشه في لبنان حيث هناك ملاحظتان رئيسيان جديرتان بالذكر. الأولى متعلّقة بانفجار 4 آب في بيروت. كارثة كبرى ذات عواقب غير مسبوقة أصابت عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين كانوا يعانون سابقًا أزمة اقتصاديّة وأزمة صحيّة. على الفور، بدءًا من اليوم التالي، رأينا أعدادًا كبيرة من المجتمعات الكنسية في شوارع بيروت تكنس وتنظّف وترمّم وتطعم وتؤمن السكن وتعزّي وتشفي وتهتم وتحب، كل ذلك باسم يسوع. الأمر المذهل هو أنّ لجان الكنيسة لم تمضِ ساعات أو أيامًا من المداولات لاتخاذ قرار الاستجابة. بدل كانت الاستجابة الأمر الأكثر طبيعية الذي يجب فعله. كان ذلك نتيجة تحويل الله تدريجيًا لمجتمعاتنا الكنسية ما أعدّنا لوقتِ مثل هذا. من حيث الجوهر، لقد كانت الكنيسة كنيسة بكلّ ما في الكلمة من معنى.

الملاحظة الأخرى تتعلّق بالاستجابة للوباء، لا سيّما في الأشهر القليلة الماضية. لم يعد نظام الرعاية الصحية اللبناني قادرًا على التعامل مع الانتشار المستمر للفيروس، وأصبح الناس أكثر عرضة للخطر. إنه لمن دواعي السرور أن نرى العديد من المجتمعات الكنسية تركّز خدماتها على رعاية أولئك الذين لا يستطيعون رعاية أنفسهم. حتّى أنّ الكنائس قامت بتزويد الإمدادات الطبية وموّلدات الأكسجين لتكون متاحة للمرضى في الوقت الذي لا تستطيع مستشفياتنا المثقلة بالأعباء توفير الرعاية. ورغم أنّ أكثر شيء منطقي هو بقاء المرء في منزله والعناية بأسرته، يعرّض الكثيرون أنفسهم للخطر لأجل رعاية الآخرين. وهذا مثال آخر على كيف أنّ الكنيسة، في خضم هذه الحاجة الملحّة، هي كنيسة.

هل ستعود الكنيسة إلى طبيعتها بعد الوباء؟ جميعنا نفتقد الشركة مع عائلاتنا الكنسيّة وعناصر الحياة المجتمعيّة التي نتوق للعودة إليها. لكن أليست هناك دروس مستفادة خلال الوباء من شأنها أن تغيّر تجربة الكنيسة إلى الأبد؟ هل يمكن إعادة فحص علامات هوية كنيستنا؟ هل يمكن مراجعة تعريفنا للكنيسة، ليس بمنأى عن الكتاب المقدس ولكن بما يتوافق مع الكتاب المقدس؟ ربّما لا ينبغي أن يكون السؤال الشامل هو ما إذا كنّا سنعود إلى الوضع الطبيعي أم لا. بل ما هي الحدود التالية للكنيسة؟ لقد شكّلنا الله وما زال يشكّلنا في أوقات الشدائد هذه. إنّني أتطلّع لأرى كيف سيشكّل الله اليوم واقعًا جديدًا ومستدامًا لكنائسنا للغد.

إيلي هو رئيس كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وخادم ميداني في الخدمة المعمدانيّة الكنديّة ولديه شغف للكنيسة وانخراطها الإرسالي في العالم العربي.

Leave a Reply