المنظمات ذات الأساس الإيماني والمصلحة السياسية العالمية: السودان كحالة دراسيّة

الكنيسة ما بعد الجائحة: هل تعود إلى وضعها الطبيعي؟
يناير 28, 2021
حركة المرور وتواريخ انتهاء الصلاحية وطاعة المسيح
فبراير 11, 2021

بقلم عماد بطرس

نسمع في النشرات الإخباريّة من وقت لآخر عن مصلحة سياسيّة عالميّة تركّز على بلد معين نتيجة أزمة أو اتفاق سلام أو أي حدث آخر ذي عواقب مترتّبة عليه. عندما يحدث هذا، فإنّ الأسئلة الأولى التي غالبًا ما تتبادر إلى ذهني: ماذا يعني هذا بالنسبة للكنيسة المحلية في ذلك البلد وكيف يمكن للمنظمات ذات الأساس الإيماني أن تساعد؟ عندما أفكّر في هذه الأسئلة، أبدأ في إدراك العلاقة المعقّدة بين المصالح السياسية العالمية والمنظمات ذات الأساس الإيماني. في المحادثة التالية سوف أستكشف إيجابيات هذه العلاقة وسلبياتها وانعكاساتها على الكنيسة المحلية. سأركّز على السودان كحالة دراسيّة بعد إزالته من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

 عندما شُطب اسم السودان من قائمة الإرهاب الدولي، بعد قرابة ثلاثة عقود، احتفل الشعب السوداني بهذا القرار السياسي. لقد أعاد هذا الحدث الأمل في التعافي الاقتصادي وخلق فرص العمل والاستثمار الأجنبي، رغم أنّ الأمر قد يستغرق بعض الوقت حتّى يجني الشعب السوداني ثمار هذه التطورات. علاوة على ذلك، سيوفّر هذا القرار فرصًا متعددة لكلّ من الكنيسة المحلية والمنظمات غير الحكومية القائمة على الإيمان، وكذلك للمجتمع الدولي، للمشاركة في بناء مستقبل هذا البلد.

كما نعلم جميعًا، الإعلام أداة قويّة جدًا لتشكيل الرأي العام والمصلحة العامّة. بمعنى آخر، تتشكّل المواقف والاهتمامات العامة إلى حدّ كبير من خلال وسائل الإعلام المختلفة التي تحثّ المجتمع لاتخاذ إجراءات محدّدة. بهذا المعنى، قد تُقدم وسائل الإعلام للمنظمات غير الحكومية القائمة على الإيمان خدمة رائعة “مجانية” لأنّها تخلق الوعي لدعم قضايا دولية معينة.

نظرًا لأنّه من المرجح أن يزداد الاهتمام العالمي بالسودان في السنوات القليلة المقبلة، فإنّ أعضاء الكنائس السودانية المحلية لديهم الفرصة لاستخدام مواهبهم التي لهم من الله في أعمالهم ومهنهم لتشكيل مستقبل شعبهم. كما لاحظت شخصيًا، ثمّة في الكنيسة السودانية محترفون مؤهلون جيدًا يمكنهم الاستفادة من هذه الفرص المشرّفة. هذه الملاحظة الشخصية هي من العلاقة الوثيقة طويلة الأمد التي قمت بها على مر السنين مع الأصدقاء السودانيين وكذلك من تجربتي كعضو هيئة تدريس في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

يأتي عدد كبير من الطلاب السودانيين للدراسة معنا من حاملي الشهادات المهنيّة، ولا سيّما المعلّمين والمحامين. مع اقتراب موعد التخرّج، غالبًا ما يقترب الطلاب من أعضاء هيئة التدريس لإجراء محادثة حول مستقبلهم عندما يعودون إلى ديارهم. مع الحصول على درجة البكالوريوس في اللاهوت، فإنّ الافتراض في هذا الجزء من العالم هو التالي: يجب على الطالب الحاصل على بكالوريوس في اللاهوت أن يعمل في الخدمة بدوام كامل، سواء مع الكنيسة أو مع المنظمات غير الحكومية القائمة على الإيمان. في محادثاتنا، وكإحدى قيمنا الأساسية ككليّة لاهوت، نشجّع طلابنا على التفكير في مهنهم كخدمة، ووضعها أمام الله في خدمة مجتمعاتهم وبناء ملكوت الله فيها.

غير أنّ فخ متابعة المصالح السياسيّة العالميّة كما تحدّدها وسائل الإعلام هو أنّها تتجاهل الظلم الذي يُمارس في البلدان الأخرى لأسباب سياسيّة. يتبادر إلى ذهني أماكن – مثل اليمن وليبيا والسودان – لم تتم تغطيتها في الأخبار على غرار سياقات أخرى، مثل سوريا. لقد عانى شعب السودان، على سبيل المثال، من ألمٍ شديد وظلم على جميع المستويات على مدى العقود الثلاثة الماضية. ومع ذلك، غالبًا ما تتجاهل المصلحة السياسية العالمية السودان. ونتيجة لذلك، قدّمت المنظّمات غير الحكوميّة القائمة على الإيمان دعمًا محدودًا لأسباب مفهومة. تحدثت أصوات قليلة نسبيًا داخل الكنائس السودانيّة المحليّة والمنظمات غير الحكوميّة الدوليّة باسم الشعب السوداني، داعيين إلى العدالة والحرية. غير أنّ السلطات السودانية أثّرت في الرأي العام للشعب السوداني من خلال تغذية فكرة أنّ الجالية المسيحيّة السودانيّة ساهمت في تأجيج التوتّرات بين دولة السودان والمجتمع الدولي بإرسال تقارير “كاذبة” عن الظلم الذي مورس بحقّهم.

علاوة على ذلك، فإنّ التحدي الذي قد تواجهه الكنيسة في السودان هو “مواكبة التيّار”. ما أعنيه هو أنّه نظرًا لأنّ الاحتياجات على الأرض كبيرة جدًا، فهناك دائمًا إغراء لقبول أي نوع من الدعم الدولي. فمن ناحية، قد يكون هذا مفيدًا للكنيسة لأنّها تحاول تلبية احتياجات الشعب السوداني. ومن ناحية أخرى، قد يصرف هذا انتباه الكنيسة عن تركيزها على الاحتياجات الحقيقية لشعبها.

فيما يتعلّق بالنقطة الأخيرة، تتمثّل إحدى طرق معالجتها في التأكيد والاتفاق على قيمتين أساسيتين مشتركتين بين الكنيسة المحلية والمجتمع الدولي. القيمة الأولى هي الاستماع والتعلّم. إنّ المنظمات غير الحكومية القائمة على الإيمان والتي هي جزء من المجتمع الدولي دورها هو تشجيع الكنيسة المحلية على “التكلّم” لتثقيف هذه المنظمات غير الحكومية حول أفضل السبل التي يمكن أن تساعد بها الكنيسة السودانية في إنجاز مهمّتها. بينما نستمع، نتعرّف على الاحتياجات الناشئة للمجتمع السوداني.

ثانيًا، بينما نستمع ونتعلّم من الكنيسة المحليّة في السودان، فإنّنا مدعوون أيضًا لممارسة قيمة الشراكة المتبادلة. بينما نمارس هذه الفضيلة، نحن مدعوون ليس فقط للتحدث نيابةً حياة الكنيسة في السودان ولكن أيضًا لمرافقة الكنيسة بتواضع. إن فرض جدول أعمالنا ومواردنا على الكنيسة المحليّة شيء، واستثمار مواردنا حتّى تتمكن الكنائس المحليّة من استخدامها بطريقة تناسب رؤيتها ورسالتها وسياقها شيء آخر. الشراكة المتبادلة تأخذ كلا العنصرين في الاعتبار.

في الختام، بما أنّ الأبواب مفتوحة لمساعدة الشعب السوداني على بناء مستقبل بلدهم، فإنّ المنظمات غير الحكوميّة ذات الأساس الإيماني مدعوة لدراسة العلاقة بين المصلحة السياسيّة العالميّة وانخراطهم في السودان. من ناحية أخرى، يتم تشجيع الكنائس السودانيّة المحليّة على اكتشاف الاحتياجات الناشئة للشعب السوداني في هذه اللحظة الحرجة من تاريخه والفرصة المشرّفة لخدمة مجتمعاتهم من خلال الأقوال والأفعال. بينما تسير الكنائس المحليّة والمنظمات غير الحكوميّة القائمة على الإيمان جنبًا إلى جنب، يجب أن تكون مهمة هذه المنظمات غير الحكوميّة ليس فقط الاستماع والتعلّم، ولكن أيضًا محاكاة حياة الكنيسة بصلاة وحكمة. أصلّي أن يستخدم ربنا هذه الشراكات المتبادلة لتقدم ملكوته في هذا البلد الحبيب.

اترك رد