الحدود السياسية في الشرق الأوسط: شوكة في خاصرة الإرساليّة

حركة المرور وتواريخ انتهاء الصلاحية وطاعة المسيح
فبراير 11, 2021
الظلمة لا تتحمّل نور الحقيقة: تأمّلات في القتل الوحشي للقمان سليم
فبراير 25, 2021

 بقلم برنت حمّود

لا بدّ لمهمة الإرسالية العالميّة في الشرق الأوسط أن تكافح جملة من التّحديات، غير أنّ الحدود السياسيّة قد تكون العقبة الأكثر انتشارًا التي تواجه المرسلين. وعلى الأرجح أكثر ما يخنق الخدمة الإرساليّة المدفوعة بالمأمورية العظمى هي هذه الخطوط المصطنعة التي تقطع مساحات الأرض إلى دول قوميّة. الحقيقة الصعبة هي أنّنا نعمل في عالم ممزّق بصورة غريبة بسبب حدود منظّمة للغاية، وهذا الترتيب السياسي للأراضي والناس يأتي على حساب الشهادة المسيحية من خلال منع المرسلين من الوصول إلى الناس ومنعهم من دخول الأماكن. الحدود أشواك في خاصرة الإرسالية وستتمتع الكنيسة بخدمة تبشيريّة أكثر حيويّة إذا ما تمت إزالة هذه الحدود.

قد تكون الحدود السياسيّة أساسيّة في عالمنا لكنّها ليست أساسيّة للعالم. نشأ نظام الدولة القوميّة من عمليات عبر التاريخ وأصبح يهيمن على الطريقة التي نرى بها الكرة الأرضية. وبقدر ما قد تكون هذه الحدود متأصّلة في خرائطنا الذهنيّة، إلّا أنّ هذه الحدود لم تكن موجودة في الأصل.

وفي حالة الشرق الأوسط، يمكن سرد روايات صاخبة حول المنطقة باتباع الخطوط الرئيسة لكيفية رسم الحدود ومتّى تمّ رسمها ومن قام برسمها. إنّها مسرحيّة دراميّة مع العديد من مشاهد الرجال البيض في أوروبا ينظرون إلى الخرائط، على الرغم من أنّ العرب كانوا بالتأكيد شخصيات أساسيّة في قصصهم الخاصّة. نشأت كيانات الدولة بإرادة بشريّة. إن الوجود المؤلم للأراضي المتنازع عليها والأراضي المُحتلّة في المنطقة دليل كافٍ على أنّها لم تكن فعلًا إرادة إلهيّة.

على الرغم من إشكاليّة تاريخ الدول القوميّة في الشرق الأوسط، إلّا أنّ الناس تكيّفوا إلى حدّ كبير مع شكل الأشياء. تعلّمنا أن نأخذ الخريطة التي يسلّمونها إيّاها، وكتلاميذ المدارس الجيّدين، نلوّن داخل الخطوط. ومع ذلك، فمن المنطقي أن نتراجع خطوة إلى الوراء ونفكّر فيم يجب أن نفعله بشأن هذه الحدود. وسؤال مثل هذا مناسب لا سيّما إذا كنا نهتم بالعمل الإرسالي.

وقد يتفق الجميع على أنّ أفضل جزء في الشرق الأوسط هو ملايين الناس الذين يسمّونه وطنهم. إنّهم أكثر قيمة من أيّ مورد مستخرَج من الأرض وأكثر متعة من أيّ وجبة تُقدّم على طبق. الناس هم موضع شغف الكنيسة، والمؤمنون من الشمال والجنوب والشرق والغرب ينخرطون في المنطقة لمشاركة أخبار يسوع المسيح السّارة. لطالما كان الشرق الأوسط سياقًا إرساليًا رائعًا (فهو في نهاية المطاف السياق الإرسالي الأوّل) ولكن حدوده غير مريحة على الإطلاق ولا يمكن تخطّيها في كثير من الأحيان.

تخلق الحدود مشكلة أمام وصول المرسلين. انتشارها يعني أنّه لا يمكن للجميع الذهاب إلى أيّ مكان حيث تعزّز السلطات باستمرار قدراتها لتنظيم من هو موضع ترحيب – وبأي شروط. من المعروف أنّ دخول بعض دول الشرق الأوسط صعب للغاية وباتت تُعرف باسم “البلدان المغلقة”. حتّى عندما يكون الدخول مسموحًا به، تجد الحدود طرقًا مختلفة (بيروقراطية) لضمان شعور أيّ شخص من الخارج بثقلها. إذا كان همّنا الأساسي هو حركة الإنجيل، فإنّ الحدود الثقيلة هذه باعثة على الأسى. إنّ الفرص التي لا تُحصى لجسد المؤمنين لمشاركة الناس في المسيح محاصرة بصلابة الحدود. ولكن هذا ليس هو الحال دائمًا.

انتشر الظهور الأوّل للمسيحيّة عبر مساحات الأرض التي كانت تُدار بصورة مختلفة تمامًا عمّا هي عليه الآن، وكان يُسمح للمؤمنين بالتنقل في جميع أنحاء المناطق والانخراط مع المجتمعات المنتشرة عبر المناطق الجغرافية. هذا لا يعني أنّ الكنيسة الباكرة لم تواجه أي نوعٍ من الحدود – لقد نجحت البشرية دائمًا في إنشاء وسائل لتقسيم أعضائها، غير أنّ المرسلين الروّاد لم يتصارعوا أبدًا مع أيّ شيء ملموس مثل حدودنا السياسية الحالية.

ينتشر الإيمان المسيحي عندما لا تقف الحواجز الراسخة عائقًا بوجه الكنيسة، وقلّة من الحواجز مترسّخة أكثر من حدود الدولة القومية. إنّها مفارقة مؤسفة أنّ التقدم التكنولوجي في السفر يقابله عزم متزايد لتنظيم الحركة البشريّة. لقد أصبح العالم أكثر تقييدًا في حين أصبح الوصول إليه أكثر سهولة. على الرغم من أنّه يمكن المجادلة بأنّ الرقابة الصارمة على الحدود ضرورية للأمن القومي، لا يمكننا أن ننكر أيضًا أنّها قاتلة للعمل الإرسالي. (للأسف، فإنّ الكثير عن ممارسات العمل الإرسالي هي قاتلة بحدّ ذاتها، لكن هذا موضوع للبحث في منشور آخر).

عند التفكير خارج الجغرافيا الطبيعية، فإنّ الحدود تبني جدرانًا فعّالة في قوانين الجنسية. لا توفّر دول الشرق الأوسط، إلى حدّ كبير، مسارات للتجنس. تُكتسب الجنسيّة عند الولادة وعادة ما يتم نقلها حصريًا من قبل الآباء إلى الأبناء. القيود الصارمة مثل هذه تعني أنّه يمكن للمرء أن يكون في الشرق الأوسط ولكن لا يصبح من الشرق الأوسط أبدًا. هذه الحواجز المؤسساتية تجعلها أرضًا للأجانب الذين سيبقون أجانب، ومكانًا للالتماسات التي لا نهاية لطلب إذن الحضور في هذه البلدان. الحجّاج الوافدون يُستخدمون في كافة المجالات دون استيعابهم كمواطنين.

يمكن للمرسل أن يعيش في الشرق الأوسط، ويخدم الناس، ويستثمر في الرفاه العام للمجتمع، ويشارك (جزئيًا) في الاضطهاد ولكن لا يُسمح له أبدًا بأن يصبح مواطنًا. هذا تعبير قاسٍ من تعبيرات الحدود، يقرّر بصرامة من يستحق جواز السفر بناءً على مصادفة ولادته بدلاً من نتيجة التجارب الحيّة في البلد. وبالنسبة لأطنان المواد التي تشكّل الحدود الهيكليّة للعالم، يبقى أقوى حصن للدولة القومية هو دائمًا عرض قطعة من الورق.

ماذا يعني كلّ هذا للإرساليات في الشرق الأوسط؟ هذا يعني أنّه يمكن للمرسلين الانتقال إلى جزء من المنطقة ولكنّهم لا يستقرون أبدًا فيه. الرحيل محدّد سلفًا. والسؤال: “متى ستغادر؟” يُسأل بمجرّد وصولهم. الرياح تنفخ المُرسلين إلى دول الشرق الأوسط والرياح تنفخهم خارجًا؛ تضمن الحدود أن تظلّ جذور المرسلين سطحيّة رسميًا وعرضة للطرد العنيف. ثمّة الكثير من القصص التي تفطر للقلب عن مُرسلين تمّ اقتلاعهم بالقوة وترحيلهم بعيدًا.

يساهم حكم الحدود في نموذج إرسالي “اذهب، اخدم، عُد”، ما يجعل المشروع بأكمله يبدو مثل…. مهمة. يبدو أنّه يتم إرسال المرسلين لإكمال جولات الخدمة أو إكمال المهام الأجنبية قبل العودة في نهاية المطاف إلى الوطن. ويتم وصف الدعوة الإرسالية كمرحلة من مراحل الحياة وليس كنوع جديد من الحياة.

بالنظر إلى الواقع القاسي للحدود، هل يُتوقع من المُرسلين في الشرق الأوسط أن يتبنوا أي طريقة أخرى؟ إنّ الجهود المبذولة في سبيل الهجرة الإرساليّة، وهي إعادة توطين دائمة من أجل الإنجيل، لا بد أن تصطدم بجدران ضمان بقاء الغرباء في الخارج. يعدّ المرسلون أنفسهم للذهاب، والخدمة، وربّما الموت في ميدان الإرساليّة، ولكن هل يفكرون في الذهاب والخدمة والتقدم في العمر والموت في ميدان الإرسالية؟ إنّه حقًّا سؤال كبير وصعب لماذا يريد أحد أن يترك هذا العالم أجنبيًا في أرض أجنبية؟

من المهم أن نضع في اعتبارنا أنّ عمل الإرساليات لا يقتصر بأيّ حال من الأحوال على المرسلين – نشكر لله على ذلك! الجزء الأكبر من شهادة الملكوت في الشرق الأوسط يقوم به مؤمنون محليون يعملون داخل دولهم القومية. إحدى التداعيات الرئيسة للحدود هي أنّها تحتّم مهمة إعداد المؤمنين المحليين ودعمهم ليكونوا مرسلين ضمن سياقاتهم الخاصة. نظام الدولة القومية يجعل هذا ضرورة لأيّة رؤية حيوية للإرساليات العالمية. لا يمكن أن تكون مجرد استراتيجية محتملة إذا أرادت الكنيسة العالمية التأثير على عالم من الجدران. ولكن كم هو مؤسف أنّ الحدود تمنع شعب الشرق الأوسط من الوصول إلى الناس داخل منطقتهم أيضًا.

تمثّل الحدود مشكلة للعمل الإرسالي في الشرق الأوسط وخارجه، ويمكن للإنجيل أن يجعل العالم مكانًا أفضل إذا لم تكن الحدود صارمةً جدًا. وأعني أن تنطبق هذه الحجة على جميع حدود الدولة القوميّة، لأنه سيكون من غير المسيحي أن أدافع عن فكّ الحدود في منطقة ما بينما أؤكد تشديدها في منطقة أخرى.

غالبًا ما يدعم المسيحيون معضلة حدودنا السياسيّة ويدافعون عنها. غير أنّني ببساطة لا أرى كيف يمكن لملكوت الله أن يتصالح مع أي عقليّة تعتبر التقسيمات الإقليمية شيئًا مقدسًا. وفي نهاية المطاف، “ما أَجملَ أَقدام المبشّرِين بالسَّلام، المبشّرِين بالخيرات!” (رومية 10 :15)، وما أجمل ألا يكونوا مقيّدين بالحدود.

برنت هو منسّق برامج في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وحياته قد تأثّرت بعمق بخدمة المرسلين في الشرق الأوسط.

Leave a Reply