هل المجتمعات “الديمقراطية” تتعلم الكثير من اللبنانيين؟

إعادة التفكير في الإرسالية الشهادة المسيحيّة في الشرق الأوسط
مارس 11, 2021
حصيلة العقوبات الشديدة على سوريا تثير تساؤلات حول الأخلاق والعدالة
مارس 25, 2021

بقلم باسم ملكي

نرى في هذه الأيّام أشخاصًا في مجتمعات “ديمقراطيّة” يختارون اتباع القادة الذين يمثّلون مصالحهم الشخصيّة بدلاً من القادة الذين يتماهون مع هويّة البلد الأوسع. يجب أن يعيد الناس طرح السؤال على أنفسهم عمّا إذا كانوا سيبحثون عن قادة يناسبون القيم التي تمثّل مجتمعاتهم أو سيكيّفون قيمهم لتتناسب مع شخص القائد؟ هل يمكن أن يحلّ دعم الأفراد محل الالتزام بالقيم في السياسة؟ هل نحن مستعدون للتصويت لقادة تتعارض قيادتهم مع هويّة البلاد وقيمها؟ هذه أسئلة يجب على الجميع طرحها، لا سيّما هنا في الشرق الأوسط.

في لبنان نتبع القادة لأنّنا نعتقد أنّهم قادرون على الدفاع عنّا، أو إنقاذنا، ليس لأنّهم يمثّلون القيم التي يمكن أن تدفع بهوية البلد إلى الأمام. ليس هناك مساءلة للقادة إذا أخفقوا في خدمة بلادنا وشعبها بصورة جيّدة. يدافع القادة السياسيون والحزبيون في الغالب عن أجندة الحزب السياسي. تعتقد كلّ مجموعة أن لديها الحلّ للبنان وتحاول إدارة البلاد بطريقتها الخاصة. ألا يوجد مفرّ من هذا؟

في إطار متابعتي للانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة العام الماضي، لم يسعني إلا أن ألاحظ عدد الأشخاص الذين دعموا بكلّ شغفٍ شخصًا أو حزبًا. فجأةً شعرت المشاعر نفسها التي أشعر بها هنا في لبنان عندما أرى الناس يربطون أنفسهم بقادة سياسيين. بدا لي أنّ الأمريكيين، سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، اتبعوا أيديولوجية، ومجموعة من الأفكار والقيم، ودعموا الشخص الذي دافع عنها بحماسٍ شديد. يبدو أنّ الكثيرين صوّتوا لشخص ما لتعزيز مُثلهم العليا ولا يهم من أو نوع الشخص الذي كان القائد طالما أنّ السياسة تتماشى مع ما يريد الأمريكيون تصديقه وما يحلمون به لأمّتهم.

إذا قرّرنا أنّ طريقة تعزيز الفضائل هي من خلال اتباع شخص ما، وإذا كنّا ندرك أنّ الأمريكيين الذين اعتادوا اتباع الفضائل باتوا الآن مثل اللبنانيين باتباع الشخص على نحوٍ أعمى، فهذا يخبرني أنّ المجتمع يبدو وكأنّه يتراجع. بدلّا من أن يتقدم. إنّها لفكرة مخيفة.

ثمّة عدّة أسباب لعدم قدرة اللبنانيين على التخلي عن عبادة القادة ولماذا قد يجد الأمريكيون أنفسهم يتّخذون شكل العالم العربي بهذه الطريقة. لفهم بعض الأبعاد الأساسيّة لهذا دعونا نلقي نظرة على بعض المكوّنات.

العالم مليء بالأتباع الذين يرتبطون باستمرار بشخص يمثّلهم في العالم الاجتماعي والسياسي. فعقليّة التابع لا تريد أن تفكّر لنفسها أو تخلق شيئًا جديدًا. من المشاكل الرئيسة في لبنان الإيمان القوي بأدوار الوساطة والوسطاء. نحتاج باستمرار إلى شخصٍ، سواء أكان شخصيّة دينيّة أو زعيمًا سياسيًا، يطالب عنّا ويحارب من أجلنا ويرعى احتياجاتنا. نعتقد أنّنا لا نستطيع الوصول إلى وجهتنا بدون وسيط. وكأتباع، نحن مدفوعون إلى الاعتقاد بأنّ هذه هي الطريقة الوحيدة وهي تجعلنا نتبنى نهج عبادة الأشخاص في السلطة. من خلال تبجيلهم بشدّة، نعتقد أنّه يمكنهم الاعتناء بنا.

نرى أمثلة على ذلك في الكتاب المقدّس عندما يطلب شعب إسرائيل ملكًا يحكمهم. “يَكُونُ عَلَيْنَا مَلِكٌ، فَنَكُونُ نَحْنُ أَيْضًا مِثْلَ سَائِرِ الشُّعُوبِ، وَيَقْضِي لَنَا مَلِكُنَا وَيَخْرُجُ أَمَامَنَا وَيُحَارِبُ حُرُوبَنَا”. (صموئيل الأول 8) نحن نقبل أنّ هذا مجرّد جزء من كوننا بشرًا. التابعون هم الأغلبيذة. غير أنّ القادة الذين يضعون رؤية ويوجّهون كاريزماهم قادرون على تغذية أتباعهم. إنّهم قادرون على قيادة الناس إلى الإيمان بشخصيّتهم بدلاً من أي أيديولوجية. من خلال القيام بذلك، يتجنبون المساءلة ويهربون من خطر الاستبدال عندما لا يرى الناس حاجة لهم. الأمر مختلف مع القادة الخدّام الحقيقيين.

القادة الناضجون هم أولئك الذين يقودون الناس ويؤثّرون فيهم نحو تحقيق الخير العام من خلال تعزيز هويّة دولتهم أو مملكتهم والعيش بموجبها. هؤلاء القادة ليسوا متمحورون حول أنفسهم، ولا يأبهون للحفاظ على أنفسهم فقط، ولا يخدمون أنفسهم. إنّهم يخدمون الدولة من خلال دفع قيمها إلى الأمام والدفاع عن الخصائص التي تشكّل هوية تلك المملكة. إنّهم يدربون الناس ليس على اتباع القائد بل الرؤية المشتركة والأخلاق التي يمثّلونها، على غرار النهج الذي اتبعه نيلسون مانديلا أو مارتن لوثر كينغ جونيور. أعتقد أنّ هؤلاء القادة الخدّام والقادة التحويليين، الذين يضعون مصلحة الشعب والأمّة فوق مصلحة أنفسهم، يعملون ضد تيّار عبادة القادة من خلال العمل عكسه، وهم قلّة.

إذًا كيف نواجه تبعية الأفراد العمياء ونشجّع التفكير الح؟ إليكم بعض الأفكار:

طفح الكيل. نحن اليوم في لبنان على أعتاب التغيير. لقد أصبحت الظروف بائسة والناس سئموا من الزّعماء الفاسدين والأنانيين. لأوّل مرّة نسمعهم يقولون بئس المؤسسات الدينيّة المسيّسة، بئس الزعماء السياسيين. نريد التحرير، ونريده بشدّة لدرجة أنّنا على استعداد الموت من أجله لأنّ الوضع الحالي يقتلنا على أيّ حال. لذا فإنّ الخطوة الأولى للتخلّي عن عبادة القائد هي أن يسأم الناس ويطفح كيلهم من كلّ ما يحول دون تحقيق الهويّة الجديدة التي نريد أن يُبنى عليها لبنان. أيديولوجية تعزّز المساواة والتنوّع والوئام الجماعي بدلاً من جهد الفرد أو الحزب الواحد للتغلب على الآخرين. علينا أن نسأم من كلّ ما يعيقنا ونبدأ في فهم جديد ونعيشه على أكمل وجه. هل ما زلنا ضحايا لهذه الثقافة أم أنّنا سنثور ونتغيّر؟ هل يمكننا التطوّر؟ هل نسمح لأنفسنا بخوض تجربة جديدة؟

خطوة أخرى تتمثّل في تعزيز القيم المدنيّة التي يتردّد صداها على المدى الطويل، فنحن نريد أن يعيش لبنان وأن نضع هويّة للمستقبل يحتشد الجميع من أجلها. دعا البطريرك الماروني هذا الشهر إلى الالتفاف حول مجموعة من القيم التي أعتقد أنّها عظيمة لإخراج البلاد من بؤسها. فير أنّه مرّة أخرى، وكسائر القادة الآخرين، كانت اللغة التي استخدمها هي “نحن” و “هم”، وليست حشدًا جامعًا لطيف تنوّع الشعب اللبناني بأكمله. هل يمكن للمسيحيين أن يدعوا إلى حياةٍ تتمتع بعلاقة مع المسلمين السنّة والشيعة والكاثوليك والدروز والأرثوذكس؟ هل يمكننا أن نبني أمّة لا على المصالح الشخصيّة ولكن على رؤية مفادها أنّ قيمتنا وهويّتنا لا تكتملان أبدًا دون احتضان الآخر ومشاركته؟ بغضّ النظر عمّا إذا كان الآخر نافذًا أو مهمّشًا.

بالإضافة لذلك، أعتقد أنّ الفضائل العامّة لا يمكن أن تكون مكتفية ذاتيًا. نحن بحاجة إلى قادة يمكنهم الدفاع عن الفضائل العامّة وتعزيزها، والدفاع عن فكرة، وتدريب الناس على العيش من أجل قيم أعلى ومستقبل مزدهر. علاوة على ذلك، تحتاج الكنيسة إلى أن يكون لها صوت نبوي في تشكيل القادة التحوليين الذين يمكنهم الحفاظ على هوية البلاد وأيديولوجيتها.

التأمّل الأخير: كأتباع للمسيح هل نتبعه لمصلحتنا الخاصّة، أم نتبعه من أجل ما هو عليه وما يجسّده؟ هل نعتبره مجرّد قائد آخر نختبئ وراءه؟ على الرغم من أنّ المسيح طلب منّا أن نتبعه، إلّا أنّني أعتقد أنّه قصد أنّه فيما نؤمن به، فقد طلب منّا أن نتبع طرقه وقيمه وحقّه، لأنّه هو الطريق والحق والحياة. من الخطر اتباع يسوع دون اتباع قيم ملكوته. قال لنا أن نطلب ملكوته أولاً وبرّه. لقد رأيت الكثير من المسيحيين يدافعون عن يسوع بإدانة الآخرين. عدد كبير جدًا من المسيحيين، من دون علمهم، يقودون الكنيسة للانقسام بينما يدافعون عن العقيدة. الكثير من المسيحيين يدافعون عن الكتاب المقدس بكراهيّة.

إذا كنّا نتبع يسوع، فإننا نتبع وصاياه، وقيمه، ومواقفه، وعقليته، والأهم من ذلك محبّته وشغفه. لا توتر قاسم بين المسيح القائد وقيمه.

Leave a Reply