حصيلة العقوبات الشديدة على سوريا تثير تساؤلات حول الأخلاق والعدالة

هل المجتمعات “الديمقراطية” تتعلم الكثير من اللبنانيين؟
مارس 18, 2021
ما بين الموت و القيامة: العيش في أيام السبت من الحياة
أبريل 1, 2021

بقلم وسام الصليبي

إذا جاء رجل جائع إلى الكنيسة طالبًا الطعام، فهل يجب أن تطرده الكنيسة في حال كان مدرجًا اسمه على قائمة العقوبات الأمريكية؟ هذا السؤال الحساس يطارد العديد من الخدمات المسيحيّة في لبنان وسوريا اليوم.

في خضم الصراع والأزمة الاقتصادية والنزوح الجماعي، تخدم كنائس الشرق الأوسط والخدمات المسيحيّة الفقراء والمهجّرين والمهمّشين بطرق ملهمة جدًا. غير أنّ عمل الإنجيل هذا بات صعبًا للغاية في ظلّ فوضى السياسة الدوليّة والعقوبات المفروضة. تقوم إحدى الخدمات المسيحيّة بأخذ عيّنات عشوائيّة لنسبة من المستفيدين كلّ شهر للتحقق والتوثيق من أنّ المستفيدين ليسوا من الكيانات السورية ومن السوريين الخاضعين للعقوبات المفروضة من الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي. فيما رفضت الخدمات الأخرى رفضًا قاطعًا إجراء استطلاعات كهذه لأنّها ليست مستعدّة أن ترفض تقديم المساعدات الإنسانيّة لأيّ شخص محتاج.

بالإضافة إلى معضلات مطاوعة السياسات الخارجيّة، تواجه الخدمات والجهات الإنسانيّة الفاعلة تحدّيات “العواقب السلبيّة غير المقصودة” للعقوبات. على سبيل المثال، لقد تمّ حظر تحويلات مصرفيّة من الخارج إلى لبنان لمجرد أنّ اسم إحدى الطوائف الكنسيّة يتضمن كلمة “سوريا” (لأسباب تاريخيّة، تتضمن أسماء العديد من طوائف الكنائس العبارة، “للبنان وسوريا”). رفضت المصارف في لبنان فتح حسابات مصرفيّة للاجئين السوريين العاملين في الخدمات المسيحيّة – من ضمنها مؤسّسة كنت عضوًا في مجلس إدارتها – نتيجة الإفراط في الامتثال للعقوبات.

في هذا السياق، أدلى الاتحاد الإنجيلي العالم، ومؤسسة كاريتاس الدولية، ومجلس الكنائس العالمي، وجماعات مسيحيّة أخرى ببيان في مجلس حقوق الإنسان هذا الشهر، حيث نقلوا إلى المجتمع الدولي أنّ

أدّى تعقيد وتأثير التدابير القسرية الأحاديّة المفروضة على سوريا إلى تفاقم الوضع من خلال إعاقة قدرة المنظمات غير الحكومية والمنظمات الكنسية على تقديم المساعدات الأساسية والمساهمة في تحقيق التعافي العادل. (…) أصبح استيراد بعض المواد الإنسانية يمثّل تحديًا متزايدًا. غالبًا ما تحول المستويات المتزايدة من إزالة المخاطر المصرفيّة دون تلقي المنظّمات غير الحكوميّة والمنظمات الكنسيّة المحليّة الأموال المخصّصة لمساعدتهم الإنسانيّة وبرامج التعافي المبكر الخاصّة بهم، على الرغم من الاستثناءات الإنسانية. هذا ما يؤدّي غالبًا إلى تأخير البرامج وتعليق الأنشطة المنقذة الأرواح.

دائمًا ما تتضمن قرارات العقوبات استثناءات إنسانيّة تهدف إلى مواجهة عواقبها “غير المقصودة”. غير أنّ الإعفاءات ليست الحلّ للإفراط في امتثال البنوك لهذه العقوبات. علاوة على ذلك، لا تملك مئات الكنائس الإنجيلية والبروتستانتية والخدمات المسيحيّة الموارد والعلاقات لتقديم طلب الحصول على إعفاء في واشنطن العاصمة أو في بروكسل. كما تخشى البنوك وشركات النقل بشدّة مساعدة تلك المنظمات التي حصلت على إعفاءات.

اليوم، ثمة أكثر من 30 دولة مفرض عليها عقوبات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. يمكن أن تشمل العقوبات حظر السفر وتجميد الأصول والحصار المسلح والقيود التجاريّة. وفقًا لمجلس العلاقات الخارجية، أصبحت العقوبات إحدى أكثر الأدوات تفضيلًا للحكومات للرد على تحديات السياسة الخارجية. من ناحية أخرى، تشير معظم الأبحاث المتعلّقة بالعقوبات إلى أنّ العقوبات الاقتصاديّة من المرجح جدًا أن تفشل في تحقيق أهدافها المعلنة، كما أنّها غير إنسانيّة من دون نيّة بأن تكون كذلك.

آنفًا هذا الشهر، ألقى متحدّث باسم وزارة الخارجيّة الأمريكيّة باللوم على الحكومة السوريّة، وليس العقوبات، في الأزمة الإنسانيّة في سوريا. أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا بمناسبة الذكرى العاشرة لاندلاع الصراع السوري، دعا فيه إلى تجديد العقوبات والإبقاء عليها، مع التأكيد على “أهمية تجنب أي عواقب سلبيّة غير مقصودة للعقوبات”.

الخدمات والكنائس المسيحية ترفع الصوت أيضًا ضدّ العقوبات. في عام 2020، عارض ممثلو الكنائس السريانية الأرثوذكسية والروم الملكيين والأرمن الإنجيليين والمشيخيين في سوريا ولبنان العقوبات. وجّهت منظمة التضامن المسيحي الدوليّة (Christian Solidarity International) رسالة موقعة من 90 من قادة العالم إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن، تطالبه بـ “رفع العقوبات الاقتصاديّة التي تقتل وتشرّد وتؤذي السكان المدنيين في سوريا”.

هذا الشهر، أوصت منظمة الرؤية العالميّة الدوليّة، في تقريرها “الثمن الباهظ جدًا: تكلفة الصراع على أطفال سوريا”، “بمراجعة الأثر السلبي للعقوبات على المدنيين في سوريا ومعالجته وفقًا لتوصيات لجنة  المقرّر الخاص للتأثير السلبي للتدابير القسريّة الأحاديّة”. في كانون الأوّل (ديسمبر) 2020، دعت المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتأثير السلبي للتدابير القسريّة الأحاديّة الولايات المتحدة إلى إزالة العقوبات الأحادية الجانب التي قد تمنع إعادة بناء البنية التحتيّة المدنيّة السوريّة التي دمّرها الصراع. بالإضافة إلى ذلك، أصدرت Open Doors موجزًا ​​عن سوريا تضمّن توصية للحكومات والمؤسسات التي تفرض عقوبات على الحكومة السورية بـ “إجراء تقييم شامل لتأثيرها على الشعب السوري وإزالة تلك الإجراءات التي تساهم في انتهاكات حقوق الإنسان أو منعها أو تقييدها عن الوصول إلى المساعدات الإنسانيّة أو إعاقة إعادة بناء البنية التحتيّة الأساسيّة التي دمّرها الصراع المستمر”.

لكي نكون واضحين، فإنّ بيان التحالف الإنجيلي العالم ومجلس الكنائس العالمي وكاريتاس هذا الشهر اعترف بأنّ “جميع أطراف النزاع تتحمّل المسؤولية عن معاناة الشعب السوري” – وليس فقط الدول التي تفرض العقوبات. غير أنّ، ترديدًا لمطالب أعضاؤنا، دعا كلّ من الاتحاد الإنجيلي العالم ومجلس الكنائس العالمي وكاريتاس إلى إزالة “العقوبات التي تمنع السكّان السوريين من الوصول إلى الاحتياجات والخدمات الأساسيّة والإمدادات الصحيّة الأساسيّة، بما في ذلك الوصول إلى لقاحات وعلاجات فيروس كورونا المستجد، وهذا يحول دون إعادة بناء البنية التحتيّة الأساسيّة التي دمّرها الصراع المستمر “. كما دعا البيان إلى “معالجة التداعيات غير المقصودة للعقوبات على وجه السرعة” و”معالجة تحديات الامتثال المفرط للبنوك”.

منظماتنا ليست ضد العقوبات كأداة في العلاقات الدولية. في عام 2007، صادق الاتحاد الإنجيلي العالمي على العقوبات المفروضة على المسؤولين السودانيين وكذلك على المسؤولين البورميين. في عام 1995، اعتمدت لجنة الكنائس للشؤون الدوليّة التابعة لمجلس الكنائس العالمي مذكّرة وتوصيات بشأن تطبيق العقوبات التي تنص على أنّ “العقوبات هي أداة قيّمة متاحة لتطبيق القانون الدولي وإيجاد حل سلمي للنزاعات.”

غير أنّ الحجّة اليوم هي أنّ العقوبات المفروضة على سوريا، وعلى نطاق أوسع، عقوبات “الضغط الأقصى”، تخذل الأشخاص نفسهم الذين يزعمون أنّهم يحمونهم وتضاعف معاناة الفئات المستضعفة من السكّان. هذه العقوبات المحصورة بأفراد وكيانات محددة، في الواقع، لا تميّز بين مرتكبي الجرائم البشعة والسكّان على نطاقٍ أوسع. تأثير هذه العقوبات “غير المقصود” لا يتناسب مع أهدافها المعلنة. لقد أصبحت العقوبات غير أخلاقية وظالمة وغير مبرَّرة.

تعمل العقوبات على سوريا على تجميد الوضع إلى أن تتوافر شروط الحلّ السياسي ويبيت من الممكن تحقيقه. لكن إلى متى يجب أن ننتظر هذا؟ عشر سنوات أخرى؟ في غضون ذلك، يدفع السكان السوريون – بمن فيهم المسيحيون – ثمنًا باهظًا.

كيف يمكن التوصّل إلى السلام في سوريا؟ قد لا نعرف، ومع ذلك يجب أن نسعى جاهدين للحصول على إجابة لأنّنا صانعو سلام.

كيف ستتحقّق العدالة في الصراع السوري؟ لا نعرف، لكنّني آمل أن تسود العدالة وأن ينتهي الإفلات من العقاب. لا أتمنى أن يتذوّق السوريون العواقب المريرة للإفلات من العقاب على جرائم الحرب التي تذوقناها نحن اللبنانيون بعد 15 عامًا من حربنا الأهلية اللاأهلية.

هل سيعود النازحون واللاجئون – نصف سكّان سوريا – إلى ديارهم في المستقبل المنظور؟ يبدو أنّ هذا مشكوك فيه.

من الذي يشفي الجرحى والمرضى ويُطعم الجياع ويُظهر التعاطف للمحتاجين في سوريا وبين اللاجئين السوريين؟ ستسعى الكنائس والخدمات المسيحيّة إلى القيام بذلك – بالإضافة إلى المنظمات الإنسانيّة. لا تدَعوا العقوبات تقف في طريقنا. ولا تدَعوا العقوبات تجوّع الناس وتحرمهم من الحصول على الرعاية الصحيّة.

وسام الصليبي هو مسؤول المناصرة في الاتحاد الإنجيلي العالمي في جنيف، سويسرا، حيث يناصر لدى منظمة الأمم المتحدة بالنيابة عن الاتحادات الإنجيلية الوطنية في أكثر من 130 دولة من أجل حرية الدين وسيادة القانون وحقوق الإنسان. يمكنك متابعته على تويتر على @walsaliby.

Leave a Reply