عندما تريد المغادرة ولكنّك تحبّ البقاء: تأملات حول الإيمان والناس والمكان في عالم الهجرة

هل نعيش حياة مزدوجة؟: الجنس والمال والسلطة والإنجيل
مايو 13, 2021
هل يصنع الاسم فرقًا؟ حجّة لاستخدام “عيسى” في الترجمات العربية للكتاب المقدس
مايو 27, 2021

بقلم برنت حمود

كنت جالسًا مع ابن عمي في مستوطنة من الخيام وهو يشاركني ببعض الأخبار الهامة. حوّلت الحرب في سوريا عائلته إلى لاجئين، ولكن بعد سنوات من النزوح المرهق في لبنان، تلوح في الأفق إمكانية جديدة. انتقل ملفّه ببطء في إجراءات المفوضيّة الساميّة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وحدث تطوّر مهم: كانت الأسرة من بين 1٪ من اللاجئين المحظوظين الذين عُرض عليهم إعادة التوطين. مع تبلور ترتيبات منزل جديد وحجز تذاكر طيران، طُلب من ابن عمي أن يعدّ عائلته للمغادرة قريبًا. انفتح باب إلى أوروبا يفضي بهم إلى سويسرا. هذا هو الفوز بالجائزة الكبرى بالنسبة لإعادة توطين اللاجئين!

اختلجت المشاعر بداخلي عندما كنت فكّرت بالأمر. لقد استمتعت أنا وابن عمي بأوقات سعيدة معًا في سوريا بين بساتينه المثمرة، لكنّني في هذه الأيّام كنت أشاهد ببساطة وهو يتحمّل وجوده كلاجئ. الآن بدا لي أنّني سأتمكّن من زيارته يومًا ما في منزله السويسري. وبدأت صورتنا معًا في ظلال جبال الألب تملأ مخيلتي فيما كان ابن عمي يشاركني أمرًا آخر. ما سمعته بعد ذلك أثبت أنّه درس لا يُنسى مفاده أنّ الإيمان والناس والمكان يحركوننا بعمق أثناء مسيرتنا في هذا العالم المتقلّب.

ورطة ابن عمي المكانيّة ليست استثنائية. الشرق الأوسط مليء بالأشخاص الذين يريدون أن يكونوا في مكان آخر، في مكان ما أفضل. أُجبِر البعض على ترك ديارهم وتركوا في مهبّ النزوح، وحُرِق آخرون على أيدي الدول المسيئة التي تحوّل المواطنة إلى سلاسل عبودية بدلاً من مكانة من الكرامة. تعج المنطقة بالفقراء المتعبين الذين يحلمون بالمستقبل على الشواطئ البعيدة، وتدهور الأوضاع يجعل الناس يتوقون للهجرة بصورة متزايدة. والقلوب القلقة تصلّي بغية الحصول على فرصة المشاركة في الظاهرة الإنسانية الكبرى: الهجرة.

في البدء تنقّل الناس. فالتاريخ هو في الأساس قصة ملحمية عن تدفق البشر عبر الأراضي، والكتاب المقدس هو شهادة كاملة على حالة الحركة الدائمة للبشريّة. إنّ إزالة روايات الأشخاص المتنقلين من الكتاب المقدس سيترك لنا نصًا هزيلًا جدًا بالفعل. الهجرة قوّة أساسيّة شكّلت كلّ جزء من العالم. لهذا أنت موجود حيث أنت.

يتمتّع الشرق الأوسط بإرث طويل من تصدير الأشخاص إلى جميع أنحاء العالم ونزوح الأفراد ضمن جميع أنحاء المنطقة. المغتربون ومجتمعات الشتات موجودة في جميع أنحاء العالم، وفي كل مكان يذهبون إليه يجعلون أماكنهم أفضل – والمطاعم ألذ! تعدّ المنطقة أيضًا وجهة للمهاجرين الذين يصلون لعدد لا يحصى من الأسباب وينتهي بهم الأمر بجعل المنطقة وطنًا لهم. الهجرة في الشرق الأوسط، مثل أي مكان آخر، هي لعبة أخذ وعطاء. لقد قدمت فوائد هائلة ووفرت فرصًا جديدة لأرواح لا حصر لها، لكنّها لا تحدث بدون تكلفة  شخصيّة كبيرة. إنّ ترك العائلة والأصدقاء والمجتمع ليس خطوة سهلة أبدًا، والكتاب المقدّس ينقل هذه الحقيقة حتّى عندما نفكّر في أكثر المهاجرين الواعدين.

إنّ انتقال إبراهيم إلى كنعان هو هجرة مقدّسة تعكس طرد البشريّة من الجنة وتضعنا على المسار الصحيح لعلاقة متجدّدة مع الله. (نرجو ألا ننسى أبدًا أنّ قصّة الخلاص الكتابيّة مدفوعة بمهاجر يرغب في الانتقال.) لا يتوهم الكتاب المقدس أنّ أب الجماعة قد طُلب منه أن يفعل شيئًا مؤلمًا للغاية: مغادرة بلده وشعبه وبيت أبيه. كان هذا طلبًا غير معقول على الإطلاق لشخص في ذلك الوقت، لكن الله بنعمته سهّل الأمر. وفقًا للتقليد الإيماني بعد قرون، يخبرنا استفانوس في استشهاده أنّ الله لم يرسل إبراهيم إلى أرض الموعد إلّا بعد وفاة أبيه (أعمال الرسل 7: 4). ترك والده في حاران ليهاجر غربًا كان سيسحق روحه، فلم يطلب الله هذا.

هنا وفي أماكن أخرى، يتعامل الكتاب المقدّس مع أيّ حالة من حالات الرحيل عن الوطن والأقارب باعتبارها مسألة خطيرة. يتدفّق حزن القلب والثقل من روايات خروج قايين إلى شرق عدن، وهروب يعقوب من بيته، وطرد يوسف من عائلته ومنزله، وحتى ترك راعوث موآب للبقاء مع حماتها نعمي، وهي نفسها امرأة مهاجرة تشعر بالمرارة.

وعلى النحو نفسه يتدفّق حزن القلب والثقل من تيّارات الوداع اللامتناهية في جميع أنحاء الشرق الأوسط اليوم. صلاة قديمة يتردّد صداها في نفوس المسافرين أثناء إقلاعهم في رحلات جوية خارج بلادهم: “تَيَهَانِي رَاقَبْتَ. اجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِي فِي زِقِّكَ. أَمَا هِيَ فِي سِفْرِكَ؟”(مزمور 56: 8).

الرابط بين القربى والمكان هو نقطة حسّاسة للجميع وهو بالضبط المكان الذي وضع عليه يسوع إصبعه. لم يتردّد في ذكر تكاليف التلمذة. انزعج الأتباع المتقلّبون لمعرفة أنّ المسيح يحثّنا على توجّه قلبي مستعدّ أن يتخلّى عن جميع الروابط والمغادرة دون النظر إلى أي شيء (أو أي شخص) خلفه (لوقا 9: ​​57-62). أخذ التلاميذ في الاعتبار أيضًا الثمن الباهظ. قال بطرس، “هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ.” غير أنّ يسوع يهتم دائمًا بأعمق احتياجاتنا: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ وَالِدَيْنِ أَوْ إِخْوَةً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا مِنْ أَجْلِ مَلَكُوتِ اللهِ، إِلاَّ وَيَأْخُذُ فِي هذَا الزَّمَانِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ” (لوقا 18: 28-30).

هذه الكلمات هي حقيقة خالدة، لكن أوقاتنا الحالية تتطلب تفكيرًا جديدًا لأنّنا نعيش في عالم يمكن أن تتحسّن فيه نوعية حياة المرء بصورة كبيرة بمجرد عبور الحدود. في حين أنّ الروابط الأسرية كانت تربط الناس بالأماكن، فإنّ الكثيرين الآن يتوقون إلى الهجرة من أجل الوالدين والزوج(ة) والأبناء والأشقاء. بدون شكّ، من الحكمة تمامًا ترك المواقف المنكسرة عندما تفتح أبواب الازدهار والكرامة والفرص؛ ومع ذلك، اتضح أنّ الشرق الأوسط مليء أيضًا بقوم متهورين.

عندما عرضت سويسرا على ابن عمي الخلاص من النزوح، كان ردّه الأخير “شكرًا، لكن لا”. قرّر هو وزوجته البقاء لاجئين غير مستقرين. على الرغم من تهجيرهما، إلّا أنّهما لم يكونا وحدهما. أحاطتهم العائلة والأصدقاء، ولم تستطع كل ملذات سويسرا أن تحلّ محلّ الأقارب. لقد تأرجح في القرار أيضًا أبناء أخيه. لقد ضاع والدهم في عنف الحرب وتحمّل ابن عمي عن طيب خاطر واجب المساعدة في إعالة أطفال أخيه المتوفى. إلى جانب ذلك، كانت سوريا مازالت موطنًا لهم لن تحلّ محلّه سويسرا بل فقط ستحمله إلى مسافة أبعد. لقد اعتقد أنّ إعادة التوطين لن تكون تحريرًا من النزوح بل تهجيرًا مزدوجًا، وكان سعيدًا بأن تحظى عائلة أخرى محظوظة بمقاعد الطائرة تلك.

قد لا يكون قرار ابن عمي طبيعيًا، ولكنه أيضًا ليس غير عادي. في خضم حركات الهجرة من المنطقة، ثمة من حثّهم الإيمان والرجاء والمحبّة على البقاء. لديهم فرص للاستقرار في أماكن ذات رواتب أكبر وحكومات أكثر لطفًا وشوارع أنظف، لكن رّدهم دائمًا هو “شكرًا، لكن لا”. الدافع للبقاء هو التضحية والصدق يؤمنون بملكوت الله ويريدون أن يكونوا جزءًا منه داخل الأماكن وبين المجتمع الذي وضعهم الله فيه وله.

ربما تُظهِر هذه القرارات غير البديهية بالبقاء عمداً في مواقع خطرة رسالة الإنجيل المعاد تصورها: لن يفشل أي شخص يرفض الهجرة للبقاء في مواقف قمعية مع الأشقاء أو الوالدين أو الأصدقاء أو العائلة الكنسية أو الخدمات من أجل ملكوت الله تلقي أضعافًا في هذا العصر – وفي الدهر الآتي.”

كانت كلمات ابن عمي لا تزال حاضرة في أذني في ذلك اليوم عندما تلقينا بعض الأخبار السيئة. صدمت سيارة قريب وقُتل أثناء إحضار أشياء من السوق. فيما عمّ الأسرة الحزن والحداد، تبددت أيّ شكوك حول المكان الذي يجب أن يكون ابن عمي. لقد كان درسًا آخر لن أنساه أبدًا. قد يكون العثور على مكاننا في العالم لغزًا، ولكن يمكن أن يساعدنا سؤال واحد في إعطائنا التوجيه: عندما يحدث الموت، من تريد أن يكون حولك؟ ربما هناك هو المكان الذي تريد أن تكون فيه.

برنت هو المسؤول عن برنامج الماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشارك في تأليف كتاب

Strangers in the Kingdom: Ministering to Refugees, Migrants and the Stateless.

اترك رد