مقالات نُعيد نشرها: مسيرتي الداخليّة إلى جهنّم ذهابًا وإيابًا

العثور على الفرح في أرض بائسة: تأملات من حياة يومٍ واحد في لبنان
يوليو 15, 2021
الابتعاد عن الصلوات اللاإيمانية المتمحورة حول الذات: نحو صلاة التلميذ الحقيقي
يوليو 29, 2021

بقلم مرتان عقّاد

هذه نسخة منقّحة لمدوّنة نشرها معهد دراسات الشرق الأوسط في 2014.

آنفًا هذا الشهر، خلال حضوري مؤتمر في غانا، انضممت إلى مجموعة لزيارة إحدى “قلاع العبيد” على الساحل الجنوبي. توقّعت أن تكون مجرّد تجربة سياحيّة أخرى. القلاع والحصون والمعابد القديمة ليست مشهدًا نادرًا في بلدي لبنان. من يعرفني عن كثب يعرف أنّني لست عاطفيًا وأنّني لا أذرف الدموع بسهولة. غير أنّه حتّى لو منطق عقلي المعلومات التي قدّمها مرشدنا المتطلع، فلا شيء يمكن أن يهيّئني للتعامل مع هذه التجربة العنيفة.

للوهلة الأولى، لم أرَ التصميم الداخلي للقلعة مختلفًا عن أيّ قلعة قديمة أخرى. فناء داخلي محاط بجدران واقية سميكة ومكان للصلاة صغير في وسطه. السلالم الجميلة والأزقة الضيقة تؤدي إلى أعلى القلعة حيث تطلّ على مناظر رائعة من ميناء الصيد الصغير والشواطئ المزينة بأشجار جوز الهند والمحيط الأطلسي على مد البصر. غير أنّ اللافتات المحفورة فوق الأبواب والنقوش التذكارية تكشف قصّة مختلفة. تُخبرنا عن الأبراج المحصّنة وخلايا العبيد المنفصلة من الذكور والإناث. وتُخبرنا عن جثث عبيد متعرّقة متراكمة معًا تفوح منها رائحة نتنة لا تُطاق بسبب الحرارة والرطوبة الاستوائية المستمّرة. تُخبرنا عن الإذلال المتعمّد والتجويع والعطش بقصد تحطيم الروح البشرية وتجريدها من كلّ كرامتها. تُخبرنا عن حكّام وجنود برتغاليين وهولنديين وبريطانيين، بعيدين عن نسائهم منذ أشهر عديدة بداعي الحملات العسكرية والتجارية، يلبّون شهوتهم بحريّة ومجانًا من خلال استعباد النساء المنفصلات إلى الأبد عن رجالهن.

تصارع ذهني وبرّر: “لقد غذّت تجارة الرقيق الحروب الأفريقية بين الأشقاء والقبائل وتجّار العبيد …” “الرجال المنخرطون في هذه الأنشطة المثيرة للاشمئزاز لم يكونوا مسيحيين حقيقيين …” “المسلمون أيضًا كانوا متورطين في تجارة الرقيق في جميع أنحاء إفريقيا …” “هذا عمل همجي لرجال منحلّين أخلاقيًا من حقبة ماضية … ” غير أنّ أيًّا من هذا العصر الذهني تمكّن من ردع الألم النابض المتصاعد في رأسي والألم الغارق في أحشائي. بحلول نهاية زيارتنا بعد حوالي ساعتين، كان وضعي الجسدي في حالة فوضى. لم أحتمل فكرة ركوب الحافلة والمغادرة.

أكثر ما أثار اشمئزازي هو ليس حقيقة أنّ الأمم التي تدّعي أنّها “مسيحيّة” منخرطة في هذا النشاط؛ فبالنسبة للمسيحيين هم في نهاية المطاف ينتمون إلى عصرهم وثقافتهم الخاصّة. لكن فكرة أنّ الوالي وجنوده يمكن أن ينخرطوا في مثل هذه الأفعال المهينة من الذلّ والاغتصاب، ثم يدخلون إلى مكان الصلاة في الفناء، ويصلّون، ويسمعون قراءات من كلام الله، ويبقون بمنأى عن روح الله؛ هذا ما جعل جسدي يشعر بغثيان شديد. شعرت، جسديًا، أنّني ذهبت إلى الجحيم وعدت، لكنّ روحي بقيت أسيرة عمق فساد الإنسان وظلامه. ظلّت كلمات مرشدنا تدوي في رأسي كأعمق كلام سمعته في رحلتي إلى غانا: “أولاً أخبرنا المستعمرون أنّهم جاؤوا لإنقاذ أرواحنا. ثمّ بدأ تجار الرقيق الأوروبيون في إقناعنا بأنّه لا روح لنا!” كما قال صديقي جيسي ويلر مرةً، “اللاهوت الخاطئ يقتل”. أقنعتني رحلتي إلى “قلعة العبيد” بأنّنا لا نتصرف فقط وفقًا لاهوتنا، بل نطوّر لاهوتنا لخدمة ذواتنا الشريرة.

من الجيّد أنّ مضيفنا الغاني، القس نانا، عرض عليّ مقعدًا في سيارته كبديل للحافلة. جلست بجانبه، وعندما بدأت أشاركه بعض أفكاري، بدأ جسدي يتشنج وبكيت بدموع المرارة واليأس لأكثر من ساعة. طمأنتني نغماته العميقة المفعمة بالسلام عندما شغّل بعض الموسيقى التعبدية على الراديو واستقبل حزني كصلاة. روحي، التي كانت في البداية أسيرة دافعي لإدانة التاريخ والآخرين، بدأت فجأة تنظر إلى نفسها كما لو كانت أمام مرآة. إذا كان الشرّ الذي رأيته يمكن أن يأسر أجيالاً وشعوبًا عبر قرون ومناطق جغرافيّة شاسعة، فأي فساد في شخصي أنا أعمى عنه اليوم؟ هل كان أطفال أصحاب المزارع في العالم الجديد في القرن الثامن عشر مدركين للواقع الجهنمي الذي كان على الآخرين أن يعانوه من أجل خدمة أسلوب حياتهم الفخم؟ هل شعبي في لبنان على دراية بالممارسات غير الإنسانية التي تحدث في سريلانكا أو بنغلاديش أو الفلبين أو نيبال أو إثيوبيا أو بيروت من أجل تلبية احتياجاتهم لليد العاملة الرخيصة في منازلهم؟ هل أنا على علم بما يمر به الأطفال في فيتنام، أو كمبوديا، أو الصين، أو الهند، أو ساحل العاج، أو نيجيريا من أجل تلبية حاجتي للأحذية الرياضيّة، أو الشوكولاتة، أو الخاتم الماسي لخطوبتي؟

بكيتُ وبكيتُ، وعندما وصلت أنا و “نانا” إلى وجهتنا، جرفَت دموعي المريرة الألم الشديد في رأسي وأحشائي، تاركة وعيًا حزينًا لحالتي الخاطئة. كيف نتحرّك في الحياة غير مدركين للتأثير الذي يمكن أن تحدثه حياتنا “الخاصة” المزعومة على طفل أو امرأة أو رجل في جميع أنحاء العالم. كم نحن بحاجة إلى أن نكون أكثر إصرارًا على أن نعيش حياة من الوعي في إطار سعينا إلى نقل الشفاء والفداء إلى العالم. عاش يسوع حياة بسيطة، ومهنة فعلية لمدّة 3 سنوات. ربما لم يكن مجال تأثيره الجغرافي المباشر أكثر من بضعة كيلومترات مربّعة. ومع ذلك فقد عاش كثيرًا من أجل الآخرين لدرجة أنّ تأثير رسالته وحياته بلغ أهمية أبدية وأثّر على الخليقة بأكملها. لا أحد منّا يستطيع التراجع بحجة أنّ حياتنا، ما نفعله ونقوله، ليس له أهمية. العديد من المنظّمات اليوم تجعلنا ندرك أنّ الاختيارات التي نتخذها كلّ صباح وكلّ ثانية من كلّ يوم لها تأثير للأفضل أو للأسوأ على شخص آخر في مكان ما.

مرتان هو أستاذ مشارك في الدراسات الإسلاميّة في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة ويدير مجموعة الأبحاث التي تم إطلاقها مؤخرًا Action Research Associates.

اترك رد