بين يديك أستودع روحي: غربلة أنقاض انفجار بيروت في ذكراه الأولى

الابتعاد عن الصلوات اللاإيمانية المتمحورة حول الذات: نحو صلاة التلميذ الحقيقي
يوليو 29, 2021
مقالات نُعيد نشرها- الوقوف على ضفة النهر: فلسطين وإسرائيل والهوية
أغسطس 12, 2021

بقلم برنت حمّود

منذ عامٍ دوّى انفجار في مرفأ بيروت، ولم يخفت وقع ما حدث في ذلك اليوم. انفجرت حمولة مجهولة المصدر من نترات الأمونيوم في 4 آب/أغسطس 2020، لكننا لم نشهد ولو القليل من مساءلة المسؤولين عن هذا الدمار الشامل. فكيف يمكن طي صفحة ما حدث على أولئك الذين يرثون خسائرهم؟

ثمة الآن نوعان من الناس في لبنان: أولئك الذين يفكّرون في ذلك اليوم ويسألون أنفسهم، “كيف لم أمت ذلك اليوم؟ كيف لم أخسر أحبائي؟ ” وأولئك الذين، للأسف، ليسوا محظوظين بما يكفي لطرح مثل هذه الأسئلة.

بعد اثني عشر شهرًا وما زلنا لا نملك إجابات ولا اعتذارًا ولا حسابات ولا شك في أنّ أصحاب السلطة مفلسون أخلاقيًا. كان الانفجار مروعًا. وردة فعل الدولة قاسية في أعقاب ما حدث بدرجة لا توصف.

كانت ظروف الانفجار مهيأة تمامًا لارتكاب مجزرة. مقدار قوتّه فريدٌ على مرّ عصور. وموقعه في مركز العاصمة مكّنه من إصابة ضحايا كثُر بلا رحمة في سواء في منازلهم أو أماكن عملهم أو أثناء ممارسة أنشطتهم الحياتيّة وتنقلاتهم اليوميّة. وحدوثه في وقت مبكر من مساء أحد أيام الصيف مكنّه من الاستحواذ على سكّان بسطاء حين كان من المفترض أن تهدأ الحياة فيه بدلاً من أن تنفجر. لم يتوقع أيّ شخص في بيروت في 4 آب / أغسطس أن يصعقه فجأة أذىً مهول. منذ ذلك الحين، غيّر الناس في لبنان توقعاتهم حول الحياة.

لم يكن الانفجار مجرّد انحراف فظيع عن الوضع الطبيعي الهادئ في لبنان بل كان حلقة أخرى من مسلسل الكوابيس المستمرّة. وعلى غرار معظم الأحداث في لبنان، يرتبط انفجار 2020 بسلسلة كارثية متشابكة من الأزمات. فالحياة أصلًا لم تكن مستقرّة بسبب المواجهات المتوترة بين المؤسسة السياسية الراسخة وحركة الاحتجاجات الشعبية. والاقتصاد كان قد وصل أيضًا إلى القعر مع انهيار مالي يدفع بتداعياته الكارثيّة التاريخيّة. هذا وكانت جائحة كورونا قد تفشّت مسببة اضطرابًا مميتًا في جميع أنحاء البلاد، تمامًا كما فعلت في جميع أنحاء العالم. هذا هو الوضع الذي كان يواجهه لبنان في آب 2020، ثمّ فُجرّت بيروت.

حلّ الانفجار في وقتٍ كانت البلاد منهارة فيه على ركبتيها، وكان الضربة القاضية. بالنسبة للكثيرين، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير.

للأسف، تنضم هذه المصيبة الآن إلى قائمة مروعة من الفظائع؛ بات الرابع من آب (أغسطس) هو تاريخ سيء آخر محفورًا في التاريخ اللبناني الحديث. ينضم إلى قافلة 13 نيسان/أبريل، 16 أيلول/سبتمبر، 23 تشرين الأول/أكتوبر، 18 نيسان/أبريل، 14 شباط/فبراير، تموز/يوليو 2006 وغيرها في تقويم مليء بالذكريات الدموية. غير أنّ هذا التاريخ مختلف. لقد عمّ الإحباط منذ لحظة وقوع الانفجار وكان هناك استسلام على نطاق واسع أنّنا لن نعرف أبدًا حقائق سبب حدوثه. هذه كارثة من صنع الإنسان لا شخصية محدّدة له، شر بشري يفتقر إلى هوية بشريّة معروفة. عندما لا تعرف على من عليك أن تغضب، ينتهي بك الأمر بالغضب على الجميع، أو لا أحد.

عام مرّ دون أن يفعل شيئًا لمساعدة الناس على تجاوز حيرتهم. فالمشاعر التي فاضت في الرابع من آب (أغسطس) قد أفسحت المجال إلى حدّ كبير من اليأس، واليأس يذوب في نهاية المطاف بالتخدير الجماعي. ولكن حتى التخدير يحتاج لشيء يثيره. ما الذي يمكن أن نلجأ إليه؟

تمت مشاركة مقاطع الفيديو على نطاق هائل وتم نشر تعليقات لا تعد ولا تخصى على وسائل التواصل الاجتماعي. بذل الصحفيون الاستقصائيون قصارى جهدهم وتمّ عرض وإعادة عرض شهاداتهم عبر حساباتهم الشخصية. إنّ تكريم الضحايا لن ينصف أبدًا أرواح الأبرياء الذين قُتلوا، والاستنكارات الرسمية لن تحقّق العدالة أبدًا. إذًا ما الذي يجب على منكسري القلوب أن يفعلوه تجاه كلّ ما يغلي بداخلنا؟

نحمد الله لأجل المزامير.

كل الكتاب المقدس موحى به من الله، والمزامير من صنع الله في خضم قساوة العالم الفاسد. يمكن أن يتكلّم كتاب المزامير نيابة عنّا عندما تعجز كلماتنا.

لأولئك الذين بالكاد يستطيعون أن يجمعوا قلوبًا انكسرت كشظايا الزجاج:

لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَكَ

وَتَنْسَى مَذَلَّتَنَا وَضِيقَنَا؟

لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ.

لَصِقَتْ فِي الأَرْضِ بُطُونُنَا. (مزمور 44: 24 – 25)

لأولئك الذين يتوقون إلى الخلاص من أرضِ تبدو قاسية وباطلة:

خَوْفٌ وَرَعْدَةٌ أَتَيَا عَلَيَّ،

وَغَشِيَنِي رُعْبٌ.

فَقُلْتُ: «لَيْتَ لِي جَنَاحًا كَالْحَمَامَةِ،

فَأَطِيرَ وَأَسْتَرِيحَ!

هأَنَذَا كُنْتُ أَبْعُدُ هَارِبًا،

وَأَبِيتُ فِي الْبَرِّيَّةِ. سِلاَهْ.

كُنْتُ أُسْرِعُ فِي نَجَاتِي

مِنَ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَمِنَ النَّوْءِ». (مزمور 55: 5-8)

لأولئك الذين يُسمح لهم فقط بمواجهة الجناة القتلة في غرف مخيلاتهم:

أَيْضًا يَهْدِمُكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ.

يَخْطَفُكَ وَيَقْلَعُكَ مِنْ مَسْكَنِكَ،

وَيَسْتَأْصِلُكَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ. (مزمور 52: 5)

ثمة الكثير من المزامير في حوزتنا، ويمكن لكلّ منها أن يقطع طريق الارتباك واليأس ليحملنا إلى صرخة أخيرة، صلاة تظهر عندما نجد أنفسنا بلا شيء سوى اليأس مغلّف بالإيمان:

فِي يَدِكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي.  (مزمور 31: 5)

 

في خضم هذا الاستسلام، ثمة عزاء خاص. ثمة شخص يحملنا من القلب ويذكّرنا بأن كل شيء قد واجهناه واجهه قبلنا.

لبس جسد بشريتنا وعانى الألم.

تحمّل العالم وواجه خيبات الأمل.

حمل الصليب.

أسلم روحه.

لا يزال يفعل ذلك معنا.

واجه المسيح مصاعب الحياة. لقد احتاج إلى المزامير، ونحن بحاجة إلى المسيح. إنّ اعتناق هذه الأمور يغيّر أوضاعنا.

ألم مثل 4 آب/أغسطس لا يتبدّد، لا في عام ولا مائة عام. سيبقى الألم ينفجر من مستودعات الشر والقسوة المخزّنة في هذا العالم لطالما هذا العالم موجود بصورته الراهنة. نحمد لله أنّ صورة جديدة من هذا العالم ستأتي. بينما نواصل العمل، نجد العزاء فقط في الشخص المتألّم معنا، المسيح المصلوب من أجلنا. كم هو مريح أن نثق بأنّنا محمولون الآن وسنُحمَل.

أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ

لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي.

عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي.

 

برنت هو المسؤول عن برنامج الماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهو مقيم في لبنان.

اترك رد