عذاب أفغانستان

هل وصلنا أم بعد؟ التفكير في أوضاع لبنان المربكة
أغسطس 26, 2021
لنُصلِّ بواقعيّة
سبتمبر 9, 2021

بقلم مايك كون

لا حاجة لاستعراض الأحداث الأخيرة التي دارت في أفغانستان. نعرفها جميعًا. والنتيجة مؤلمة لجزء كبير من العالم، وقد تكون مُفرِحة للبعض.

لا أدّعي أنّني سأعالج الموضوع بشموليّة هنا … ثمّة الكثير ممّا يجب مراعاته – الخسائر الهائلة في الأرواح البشرية منذ 20 عامًا من الاحتلال العسكري، وانعدام حقوق الإنسان والحريات للأفغان، والعار الذي يشعر به الكثير ممن قدّموا الكثير، الاستثمار المادي الهائل في محاولة من أمريكا لإعادة بناء وطن من أفغانستان ما خرج عن مساره بشكل فظيع، وتلك الرحلة اليائسة من مطار كابول والشعلة المتلألئة لكنيسة أفغانية صغيرة باتت مختبئة تحت الأرض ومرتبكة.

ولا ألقي اللوم على أحدٍ هنا أيضًا. ففي خلاصة التحاليل، الأمر لا يتعلق بقرار رئيس، سواء بغزو أفغانستان أو الانسحاب منها. إنّه بالتأكيد ليس نقمة علة الجنود الذين فقد العديد منهم أرواحهم وأطرافهم أثناء قيامهم بواجبهم في ظروف مروّعة (كما يذكّرنا الانتحاري الإرهابي الأخير بالقرب من مطار كابول). كما أنّ هذا ليس انتقادًا للقوات الأفغانية أو المدنيين … ولا رقابة على الغطرسة الإمبريالية أو حتّى المحرّك الاقتصادي الذي يحرّكها. يعلم الله أنّه ثمّة ما يكفي من اللوم.

أيجدي ذلك نفعًا؟

هذا المقال المختصر هو عن رجاء مضلّل. قال الحكيم: “الرَّجَاءُ الْمُمَاطَلُ يُمْرِضُ الْقَلْبَ”. في الواقع، بصرف النظر عن طالبان، يبدو أنّ كلّ شخص تقريبًا يُصاب بداء القلب حين يفكر فيما حدث.

إذًا، ماذا كان رجاؤنا لأفغانستان؟

هل اعتقدنا أنّها ستكون ملاذًا ديمقراطيًا في آسيا الوسطى؟ دولة فاشلة تحلّ محلّها قوّة عظمى معطاءة؟ مشروع نموذجي لبناء الأمّة فشل فيه الاتحاد السوفيتي ولكن أمريكا ستنجح فيه؟ منارة لحقوق الإنسان في مجتمع إسلامي حيث ساد التعصب الديني طويلاً دون منازع؟ اقتصاد سوق حر تمّ إنقاذه من فكّ أكبر عملية لتصدير الأفيون في العالم؟

أم كانت آمالنا خافتة؟ كنّا نأمل فقط أن يحصل الأفغان على سبل عيش معقولة، وتعليم أطفالهم، والتمتّع بقدر ضئيل من الحريّة المدنيّة. التحسين المتزايد سيكون كافيًا.

سواء كانت عالية أو خافتة، يبدو أنّ كلّ الآمال معلّقة، إن لم تكن قد تحطّمت. تخضع أفغانستان لحكم طالبان – طالبان نفسها التي أمّنت ملاذًا لأسامة بن لادن والقاعدة، مارست الضرب بالعصا في الأماكن العامّة كرادع للجريمة ومنعت الفتيات الصغيرات من الحصول على التعليم.

ربّما، مثلي، لم تعبّر أبدًا بوعي عن أملك في أفغانستان. لقد شاهدت للتو الأخبار وتساءلت عمّا سيحدث نتيجة كلّ ذلك.

حتّى لو لم يتم التعبير عنها بصورة صريحة، فنحن لا شعوريًا نتشرّب الروايات التي يتردّد صداها في الشبكات المختلفة (مثل وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، وما إلى ذلك). ومن غير المرجّح أن ننتقد هذه الروايات، لأنّنا نشعر بالعجز عن التأثير فيها بطريقة ما أو بأخرى. الأحداث الأخيرة في أفغانستان تجعلنا نواجه حقيقة أنّ تلك الآمال، التي نتشرّبها ضمنيًا من هيجان ثقافتنا المشبعة بوسائل الإعلام، قد استنفدت الآن. لقد سُحِب البساط من تحتها. بدأت لعبة اللوم وتُركنا في حيرة من أمرنا … نتساءل عن مقدار المعاناة التي تنتظر هذا الشعب الذي نشهد على تاريخه المرير من العذاب.

لماذا كنّا نأمل في الأفضل لأفغانستان؟ لشعبها؟ لفتياتها ونسائها؟ لأصحاب المشاريع والمترجمين والعاملين في المنظمات غير الحكومية والمدرّسين وموظفي الخدمة المدنيّة؟

أعتقد أنّني كنت أرجو أفضل لأنني صدّقت السرديّة السائدة، وإن كان ضمنيًا، دون اختبارها بوعي. تبنّيت فكرة بناء الوطن. أردت أن تحلّ حقوق الإنسان والتمدّن محل البربرية والرقابة الدينيّة المتشدّدة. أردت أن تفوز الفضيلة الإنسانيّة.

ربما كنت أؤمن بهذا الاعتقاد الضمني لأنّ بلدي، البلد الذي أحبّه، كان يحاول بناء وطن، وافتداء سنوات العذاب وإعادة الأمل. الآن أرى أنّ الأمل لم يكن قائمًا على الواقع، بل الخيال – قصّة خرافية للمثاليّة مطبّقة بلا تفكير على الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر. تبنّيت الكذبة من دون تردد.

بعض الأحلام جيّدة. ولا يجب أن نتوقّف أبدًا عن السعي لتحسين الكثير من إخواننا البشر بكلّ الوسائل المتاحة. غير أنّه عندما يتحوّل الحلم إلى كابوس، يجب أن نتوقّف ونلاحظ أنّ الأمل، الذي يرتكز على أسس غير سليمة، هو وهم.

كنا فاقدي الوعي في ذلك الكابوس. أفغانستان هي جرس إنذار – دلو من الماء البارد يوقظ أملنا المثالي البطيء. بعد أن نستيقظ من ذهولنا، قد نرى أنّ آمالنا لم ترتكز على أساس سليم لأنّها نشأت من رواية كاذبة، منبثقة من آلهة زائفة. لقد أغرتنا جاذبية شجرة الحداثة. وفي ظلّ أغصانها، أذهلنا بريق ثمارها ووعود خبرائها الصادحين.

هل يمكن أن نعيد زرع رجاءً مؤجلًا؟ هل يمكن أن تشفى قلوبنا المريضة بنقل الرجاء؟

لا يزال الإنجيل ينادي بانتظار عودتنا. “هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا”.

الإنجيل هو الأساس البديل لرجائنا. إنّه يخترق سرديتنا الثقافية المثالية، ويبطل خنقها لأذهاننا. ولاءه الملتزم لملك واحد لا يمنح أي مكان للملوك الزائفين وأيديولوجياتهم. إنّه يضع البشرية جمعاء، عبر الأزمنة والثقافات واللغات، على مستوى واحد. بمجرد زرعه، يصبح قادرًا على النمو بصورة متزايدة، بحيث يجد الكثيرون مأوى في فروعه. ولأولئك الذين يعتنقونه، يوفّر مستقبلًا ورجاء. والذين يرفضونه قد يحتمون في ظلّه.

إنّ الإنجيل متجذر في إله أزلي، ينبوعًا من الحب المتدفّق. هذا الشلال لم يتوقف أبدًا. لا يزال تياره المنعش يقدم مجانًا دون مقابل للبشرية من كلّ قبيلة ولسان وأمة … من دون أيّ استثناءات.

هل أبالغ في الادعاء بأنّ أفغانستان يجب أن توقظنا من سباتنا الوثني؟ إنّ آمالنا الضمنيّة الراسخة في أكاذيب الحداثة التقدمية هي أكاذيب خبيثة؟ هل أبالغ؟

بقدر معرفتي، لم يعدنا يسوع أبدًا بأي مصدر للتغيير الدائم في عالمنا وأرواحنا غير نفسه. كانت أفغانستان جرعة زائدة من التبجح السياسي والتفوق الثقافي. وإذا كان الثمن يعني شيئًا، فإن تريليوني دولار و20 عامًا من الاحتلال العسكري الكامل قد فشلوا في إحداث التحوّل في أفغانستان. إذا فاتنا دعوة الاستيقاظ هذه، فلا بدّ أنّ نومنا هو نوم الموت.

لكن لا تستثنوا بشارة الإنجيل من حساباتكم. كسنديانة مدفونة في شق صخري، هكذا الإنجيل مزروع في تلك الأرض كما هو الحال في العديد من النزاعات المستعصية في عالمنا. لم تُعلن نهاية القصة بعد. على الرغم من أنّها قد تتأخّر، انتظرها. الانتظار يعني القيام بالعمل الشاق لاستخراج الرجاء المؤجّل من الجذور وإعادة زرعه في تربة الإنجيل الصالحة. إنّه يعني العيش والتصرف والأمل على نحوٍ مختلف في عالمنا.

كيف نرجو بصورة مختلفة في عالمنا؟ إن مناصرة الكنيسة الأفغانية بقدر ما نستطيع هو مكان جيد نبدأ به. علاوة على ذلك، إذا كان رجاؤنا راسخًا بقوّة في إنجيل المسيح، فإننا ننتقل من الحفاظ على الذات لنصبح شعبًا مُرحبًا وملكوتًا مضيافًا. نحن نحب “الآخر” لأنّ الله أحبنا ونوسّع هذا الحب ليشمل عالمًا متألّمًا. الكلمة اليونانية للضيافة (فيلوكسينيا، انظر عبرانيين ١٣: ٢) هي حرفيًا “محبة الآخر”. فكّر في ذلك من منظور تسونامي اللاجئين الذي يغمر عالمنا. الموجة القادمة هي الأفغان. السؤال المطروح أمامنا هو: هل الأفغان (وغيرهم) مرحب بهم ومحبوبون بيننا؟ هل سيختبرون محبتنا عند وصولهم إلى شواطئنا؟

هذا يتطلب عملاً شاقًا. المحبّة ليست مجرّد عاطفة. إنّها رغبة وعمل لصالح الآخر. يعدّ الخروج من منطقة الراحة شرطًا أساسيًا لعيش الإنجيل.

إنّ قبول إنجيل يسوع يعني أن لدينا ملكًا واحدًا وملكوتًا واحدًا. كل الولاءات الأخرى في خدمته.

أيّها الآب والابن والروح، اجعل وجهك يضيء في أفغانستان وامنحهم سلامك.

اترك رد