لنُصلِّ بواقعيّة

عذاب أفغانستان
سبتمبر 2, 2021
مؤتمر الشرق الأوسط 2021: تأمل في اللاهوت الكنسي من لبنان إلى الشرق الأوسط والعالم
سبتمبر 16, 2021

بقلم كيس فان دير كنيف

في كثير من الأحيان في هذه الأيّام التي نعيشها، أجد نفسي غير قادر على قول أكثر من بضع كلمات في الصلاة: “يا رب ارحم.” ففي خضم كلّ ما يحدث في لبنان وجميع أنحاء العالم، كلّ شيء يبدو سطحيًا وتافهًا.

وفي بعض الأحيان في الصباح، تراني نفسي أصلي من أجل العدالة، وأفكّر في نفسي: “هل أعرف ما أنا أصلّي من أجله عندما أصلّي من أجل العدالة؟” من السهل الإشارة إلى بعض الممارسات الظالمة الصاخبة من حولنا. نعرفها جميعًا ونتصارع يوميًا مع عواقبها. لكن معظم المظالم ليست واضحة. ومع إدراكي لمكنونات قلبي وإدراكي للخطأ الذي يدور في العالم في كلّ مجال من مجالات الحياة تقريبًا، هل أجرؤ حقًا على الصلاة من أجل العدالة؟

من نواحٍ عديدة، يتحدّانا الوضع المتأزم في لبنان جميعًا. لكن أحد الأسئلة التي يجب علينا، كمؤمنين بالمسيح، ألا نتجاهلها هو تحدي روحانياتنا، ولا سيّما صلاتنا. هل روحانياتنا قويّة بما يكفي لتحمّل الإرباك المفرط في هذه الأوقات؟ هل صلواتنا حقيقية بما يكفي للنظر بلا تردد إلى العالم من حولنا ونحن “تقترب بثقة من عرش نعمة الله” (عبرانيين 4: 16)؟

معالجة “تجارب وادي ظلّ الموت” ليست من بين نقاط القوة في اللاهوت الإنجيلي والروحانية المعاصرة. تُتهم الروحانية الإنجيلية بانتظام، وأحيانًا عن حق، بكونها “متهربة من الواقع”: مع تركيزها القوي على الأخرويات، قد تنقل الانطباع بأنّ كل ما يهم هو الهروب من هذه الحياة الصعبة إلى الأبد مع الله في السماء.

بالطبع، الإيمان بمستقبل فيه كلّ شيء صالح يمنح القوة لتحمل مصاعب حياتنا الحالية. غير أنّ هذا الإيمان يمكن ولا ينبغي أن يكون وحده. يجب موازنة رجاء الوجود مع الله في السماء الجديدة والأرض الجديدة مع إيمانٍ عميق بأن الله معنا، هنا، اليوم، في ظلمتنا.

ثمة أمر أنا مقتنع أنّنا نحتاجه هذه الأيام هو ممارسات الرثاء المفيدة والشفائية. التعلم، كأفراد ولكن أيضًا ككنائس، التعبير بصدق عن آلامنا وحزننا وأسئلتنا. الجرأة وضع ظلامنا تحت شعاع نور الله.

آتي من تقليد كان فيه غناء المزامير جزءًا أساسيًا من خدمة كل يوم أحد. كنّا نرنّم ترانيم أخرى، لكن المزامير كانت جزءًا رئيسًا من نظامنا الغذائي الروحي. في ذلك الوقت، لم أكن دائمًا أقدّر وأفهم هذا التفضيل للمزامير. في بعض الأحيان، كنت أظنّ أنّهم يفتقرون إلى نغمات الانتصار التي في العهد الجديد وحياة القيامة. غير أنّني في هذه الأيام، أفتقد صدق المزامير وقساوتها. هل من الممكن، مع كلّ تركيزنا على الثقة والنصر، بكلّ تسبيحنا وتهليلنا، ألا نكون صادقين وحقيقيين مع الله كما كان أصحاب المزامير؟

عبر العصور، كانت الكنيسة تقدّر الدور الحيوي للمزامير في الروحانيّة المسيحية. بعض التقاليد تصلي من خلال سفر المزامير كلّ شهر. يرنّم آخرون المزامير بانتظام في خدمات عبادتهم. لكن أين المزامير في الإنجيليّة المعاصرة؟ لماذا لا نقدّر ونستخدم هذه الكلمات القديمة التي أعطاها لنا الله، لا سيّما في الظروف التي نبحث فيها عن طرق للتعبير عن أحزاننا، ومآسينا، وآلامنا؟ إنّ ترانيم الرثاء هي أكثر الأنواع شيوعًا في سفر المزامير، ومع ذلك يبدو أنّنا مترددون وغير متمرسون في التعبير عن رثائنا.

أرى سببين رئيسين لميلنا إلى التقليل من قيمة هذه الصلوات الصادقة المسلَّمة إلينا. السبب الأوّل، هو أنّهم في بعض الأحيان يكونون صريحين جدًا. الغضب والشك والحزن والألم والخراب: لا نشعر بالراحة المطلقة أن ننسب هذه الكلمات القوية لنا. غير أنّ الإيمان بأنّ الكتاب المقدس هو كلمة الله، يجعلنا نطرح السؤال بصورة معاكسة: ألا نتعامل مع الله أحيانًا بأدب مفرط؟ هل نشعر بالحرية في التعبير عن أفكارنا ومشاعرنا العميقة، هل نجرؤ على وضع ظلامنا الداخلي أمام نوره المطهّر؟ ولكنني أومن أنّ هذا ما يحدث في العديد من تلك المزامير “المظلمة”: لقد غيّروا أصحاب المزامير في تجاربهم المريرة، وما زالوا يتمتعون بقوة التغيير نفسها في خبراتنا المريرة. لا شكّ أن إلهنا يمكن أن يتعامل مع صراحتنا. لا بل يرحّب بها.

السبب الثاني هو القناعة السائدة بأنّنا نكون حقيقيين أكثر عندما نعبّر عن الأشياء بكلماتنا الخاصّة. لماذا نستخدم الكلمات القديمة أو الكلمات التي كتبها شخص آخر بينما يمكننا التعبير عن أفكارنا ومشاعرنا بكلمات جديدة، وبكلمات تناسب ذوقنا الشخصي؟ لا أقصد التقليل من أهمية الصلاة الشخصية الحرّة. لكنّني أنكر بشدة أنّنا “حقيقيون” عندما نصلّي كلماتنا الخاصّة أكثر من استخدامنا أشكالًا أخرى من الصلاة. وهذا ما تدعمه أهمية الصلاة الربانية والمزامير في التقليد المسيحي.

قد يكون هناك سبب ثالث وفقًا لجنسنا أو خلفيتنا الثقافيّة: التعبير عن مشاعرنا الصريحة، لا سيّما أمام الآخرين، قد يكون علامة ضعف ومسببًا للعار. بالطبع، لا حاجة لعرض كلّ ما نشعر به ونفكّر فيه أمام الآخرين، طالما أنّنا نشعر بحرية القيام بذلك أمام الله. لكن في الكنيسة، حيث نعترف جميعًا بأنّنا خطاة وبحاجة لنعمة الله، لا يجب أيضًا أن يكون هناك أيّ سبب على الإطلاق للشعور بالخجل من الاعتراف بضعفنا وحيرتنا.

في أوقات الظلام والاضطراب بخاصّة، أنا ممتن لأنّ ليس كلّ شيء يعتمد على إيماني الشخصي وكلماتي الشخصيّة. أنا ممتن أنّني مدعو للحضور والمثول في إيمان الكنيسة على مر العصور والتلفظ بكلمات أثبتت قوّتها لقرون. في هذه الأيام، عندما أفتقر إلى الكلمات، يسعدني أن أعود إلى المزامير وأن أجعل كلماتهم كلماتي. عندما لا أعرف ماذا أقول، أشعر بالامتنان للصلوات القديمة للكنيسة التي تسلمتها من التقاليد. أحيانًا أتعثّر بكلمات مثّالية في وضعنا الحالي. قرأت مؤخرًا تأملًا مطوّلًا ومؤثرًا حول صلاة مسائية قديمة من كتاب الصلاة المشتركة. شعرت وكأنّ الصلاة مكتوبة لأوقاتنا. وفي وقتنا الراهن، يسعدني أن أنهي أيامي بكلمات أتعلم تدريجيًا أن أجعلها كلماتي:

يا رب، احرس،

من يعملون أو يحرسون أو يبكون هذه الليلة،

ولتحمِ ملائكتك النائمين.

ارعَ المرضى يا سيدي المسيح،

امنح المتعبين راحة،

بارك المحتضرين،

سكّن المتألمين،

ارحم المنكوبين،

احمِ الفرحين،

وذلك لأجل محبتك.

آمين.

كيس هو عالم في اللاهوت النظامي من هولندا وانتقل مؤخرًا إلى لبنان مع عائلته للانضمام إلى هيئة التدريس في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

اترك رد