سلسلة خلاصة مؤتمر الشرق الأوسط 2021: تنمية القادة

سلسلة خلاصة مؤتمر الشرق الأوسط 2021: حركات مضاعفة التلاميذ
أكتوبر 28, 2021
سلسلة خلاصة مؤتمر الشرق الأوسط 2021: الكنيسة وانخراطها في المجتمع
نوفمبر 11, 2021

بقلم إيلي حدّاد

من 30 أيلول (سبتمبر) لغاية 2 تشرين الأول (أكتوبر)، استضافت كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة مؤتمر الشرق الأوسط 2021 الذي حمل عنوان “نحو كنيسة ديناميكية: إعداد التلاميذ، تنمية القادة، والانخراط في المجتمع في لبنان والعالم“. جمع المؤتمر الذي استمر على مدار ثلاثة أيام عبر الإنترنت أصواتًا محلية وإقليمية وعالمية للنظر في الأمور الملحّة المتعلقة بالإيمان والشهادة المسيحيّة. في منشور الأسبوع الماضي، تأمّل واريك فرح في مناقشة اليوم الأوّل من المؤتمر حول موضوع إعداد التلاميذ. منشور هذا الأسبوع هو تأمّل حول اليوم الثاني من المؤتمر الذي عالج موضوع تنمية القادة.

أحد المواضيع التي نظرنا إليها في مؤتمر الشرق الأوسط لهذا العام هو كيفية تكيّف الكنيسة في لبنان واستجابتها للأزمات المهولة التي تحدث. في مناقشة اليوم الثاني، طرحنا أسئلة حول مناهج تطوير قادة الكنيسة. قدم اثنان من الرعاة اللبنانيين المحليين، جيرار غزاريان من الكنيسة الأرمينية الإنجيلية وأندرو سلامة من كنيسة الناصري، كيف تطوّر كنائسهم القادة استجابة لنمو خدماتهم المتزايد وتوسّع تأثيرها. وقد قدّمت غريس الزغبي منظورًا إقليميًا، وقدّم بيري شو منظورًا عالميًا. أمّا أنا فقدّمت تأملًا سعى إلى تطوير إطار لاهوتي للمواضيع التي طرحها الراعيان. كان أبرز ما في اليوم هو الموضوع الذي قدّمته غريس حول الحاجة الملّحة لتطوير القيادات النسائية للكنيسة في منطقتنا والمناقشة التي تلت ذلك. أتطّلع إلى مشاركة غريس بأفكارها في منشور مستقبلي. غير أنّ هذا المنشور يعتمد في الغالب على تأملي اللاهوتي حول الموضوع.

الطريقة التي نرى فيها الكنيسة تتجاوب مع الأزمة مشجعة جدًا. بالتأكيد، ليس كلّ كنيسة محليّة، ولكن عامة، تُظهر شهادة الكنيسة في لبنان مثالًا ملهمًا ومبتكرًا وغنيًا لكيفية خدمة الكنائس لملكوت الله. من الواضح أنّ الله يشكّل الكنيسة ويطوًر خدمتها في هذه الأيام. فالكنيسة الناضجة ليست الكنيسة التي لا تواجه مشاكل وصعاب لكنّها الكنيسة التي تتجاوب لدعوة الله للانخراط في عمله في خضم الصعوبات. وهذا بالضبط ما نراه يحدث في كنيسة اليوم ومن خلالها في لبنان.

فيما يلي بعض الطرق التي تتعلّم بها الكنيسة في لبنان وتتغيّر. أنا لا أقترح أنّ كلّ تغيير جيّد بالضرورة. في تدوينة صدرت مؤخرًا، لاحظ وليد زيلع بعض الممارسات غير الصحيّة التي تتحدّى الكنيسة. غير أنّ في هذا المنشور، أسلّط الضوء على ما أعتبره اتجاهات إيجابية في تشكيل الكنيسة.

الأزمات تخلق فرصًا جديدة للخدمة والشهادة والنمو

نرى هذا المسار في كنيسة العهد الجديد. هناك أزمة. الكنيسة تستجيب. الله ينمّي الكنيسة. إليكم مثالان من بين العديد من الأمثلة:

أعمال 4:

السياق: يعلن بطرس ويوحنا قيامة يسوع. ينزعج القادة الدينيون. يلقون القبض على بطرس ويوحنا ويضعونهما في السجن.

النتيجة: “َكَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ” (أعمال 4: 4).

أعمال 8

السياق: بعد رجم استفانوس (أعمال الرسل 7: 54-60)، وقع اضطهاد كبير ضد الكنيسة في أورشليم، وتشتت الجميع في كلّ أنحاء يهوذا والسامرة، باستثناء الرسل.

النتيجة: “فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أعمال 8: 4). “فَكَانَ فَرَحٌ عَظِيمٌ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ” (أعمال 8: 8).

نمت الكنيسة في العهد الجديد وتكاثرت أثناء الضيقات أكثر ممّا كانت عليه في الأوقات الجيّدة. حتّى في العهد القديم، نجد أنّ شعب الله اختبروا التجديد الروحي عندما كانت الأوضاع صعبة، ولكنّهم تراجعوا عندما كانت الأوضاع مريحة. الأمر نفسه تعيشه الكنيسة في لبنان اليوم.

تتغيّر خصائص القائد

يتم اختيار الرجال والنساء الممتلئين بالروح ليكونوا قادة. شخصيتهم أهم من مهاراتهم وسمعتهم. في حين أنّ القادة المشهورين ذاع صيتهم في العديد من الأماكن حول العالم، تتعلّم الكنائس في لبنان النظر على الخصائص الروحيّة وتفضيلها على الشخصية. هذا يشبه إلى حدّ كبير ما نراه في أعمال الرسل 6 عند اختيار السبعة لخدمة أعضاء الكنيسة الذين تم تجاهلهم وفي أعمال الرسل 1 أثناء الانتظار حتّى حلول الروح القدس على الرسل. تبحث الكنائس اللبنانية بصورة متزايدة عن خصائص أكثر انسجامًا مع قوائم بولس في تيموثاوس الأولى 3 وتيطس 2 لاختيار القادة.

القائد يبرز من داخل الكنيسة

يتزايد اعتراف الكنائس في لبنان للقادة الذين ينبثقون من رعاياهم. الله يدعو والكنيسة تصلّي وتدعم. هذا يتعارض مع الممارسة الشائعة المتمثّلة في استدعاء القادة من الخارج، واتباع نموذج التوظيف المهني. تتعلّم الكنائس في لبنان الاعتماد على من يدعوهم الله من الداخل. هذا يشبه النمط الذي نراه في العهد الجديد، كما هو الحال في تيطس 1: 5 حيث كتب بولس إلى تيطس: “من أجل هذا تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة، وتقيم في كلّ مدينة شيوخًا كما أوصيتك”. أصبح دور الشيوخ والقادة في الكنائس دعوة أكثر منه وظيفة.

تدرب متعمّد ومهدّف

ثمة قناعة متزايدة بأنّ كلّ عضو في الكنيسة له دور يلعبه. تبدأ مسيرة القائد بملاحظته في الخدمة، بين فِرَق الخدمة، يليها التدريب. تُستخدم طريقة التعليم المهني هذه على نطاق واسع اليوم، مثلما فعل يسوع وبولس. قاموا بالتعليم وقدّموا نموذجًا للقادة.

نحو مزيد من التغيير

لقد قطعت الكنيسة اللبنانية شوطًا طويلاً، ونظرتها إلى القيادة تنضج أكثر فأكثر. غير أنّ رحلة التغيير لم تنته بعد. أود أن أقترح أنّ هناك حاجة إلى مزيد من التغيير، خاصة في مجالات الأدوار والدعوة.

على الرغم من أنّ قاعدة المسؤولية تتوسّع بسبب نمو الخدمة، إلّا أنّ السلطة وصنع القرار لا يزالان يتركّزان في القمة مع القادة أصحاب المناصب. ثمة حاجة إلى تطوير قادة مرسلين يخدمون الله في العالم ونيابة عن الكنيسة. وهذا يستدعي تطوير لاهوت أكثر وضوحًا للدعوة ولاهوتًا للعمل. ويتطلّب تغيير مفهوم دعوة البعض (المرسومون، أصحاب المناصب) إلى دعوة الجميع. يتم دعوة البعض للخدمة المتمركزة داخل الكنيسة بينما يتم دعوة البعض الآخر للخدمة القائمة في مكان العمل والسوق. يجب على الجميع اعتبار أنفسهم مدعوين ومتفرّغين للخدمة.

أقترح أنّ كنائسنا بحاجة إلى جسر يردم الهوّة بين المقدّس والعلماني. كلّ ما نقوم به داخل الكنيسة وفي العالم، مرسلين من الكنيسة، يجب أن يتم استجابةً لدعوة الله. نحن نخدم الله في العالم بقدر ما نخدمه داخل الكنيسة. بالإضافة إلى ذلك، أقترح أنّ كنائسنا بحاجة إلى سد الفجوة بين رجال الدين والعلمانيين، للانتقال من كهنوت الإكليروس إلى كهنوت جميع المؤمنين. كلّ عضو في الكنيسة مدعو ليكون خادمًا ومبشرًا مرسلًا للتأثير في مجالات نفوذه، سواء في العمل أو في المنزل أو في أيّ مكان يدعونا إليه الله. يقضي غالبية أعضاء الكنيسة معظم وقتهم في مكان العمل والسوق في التفاعل مع غالبية العالم الضال. قادة الكنيسة يعدّون الأعضاء. والأعضاء هم الذين يعيشون في الخطوط الأمامية للانخراط في العالم. وكيف يمكن لعضو الكنيسة أن يكون خادمًا ومبشرًا في مكان العمل يتطلّب الكثير من المناقشة ومنشورًا آخر. ولكن، على الأقل، هذا ما تقترحه دوروثي سايرز كنقطة انطلاق:

عادة ما يقتصر نهج الكنيسة في التعامل مع النجّار الماهر بحثّه على ألا يكون مخمورًا وغير منظّم في أوقات فراغه، وأن يأتي إلى الكنيسة يوم الأحد. ما يجب على الكنيسة أن تقوله له هو هذا: أوّل ما يطلبه منه دينه هو أن يصنع طاولات عالية الجودة. الكنيسة مفيدة بكل الوسائل، وأشكال التسلية اللائقة ضرورية، بالتأكيد – لكن ما فائدة كلّ هذا إذا كان في صميم حياته وعمله يهين الله بنجارة سيّئة؟ أجرؤ على القول أنّه لم يخرج من متجر النجار في الناصرة طاولات بأرجل ملتوية أو أدراج غير مناسبة. لن تعوّض أي تقوى في حياة العامل عن عمل قام به باستهتار.

هذا لا يعني أنّه لا توجد حاجة لقيادة قويّة في الكنيسة. على عكس ذلك، تتطلّب قاعدة الخدمة المتوسّعة قيادة ذات مهارات عالية. أي أنّ نوع القيادة المطلوبة هو تمكين القادة وليس القيادة المتسلطة. القادة الذين هم لاعبون مدرِّبون وليسوا لاعبين منفردين. القادة الذين يؤمنون بجسد متعدّد المواهب بدلاً من القائد الكلّي المواهب. القادة الذين يؤمنون بتخطيط تعاقب القيادة والإعداد الاستراتيجي لأجيال جديدة من القادة. قيادة قويّة مرتاحة لنقل السلطة واتخاذ القرار إلى كافة التسلسل الهرمي، أو بعبارة أخرى، تسطيح التسلسل الهرمي.

للمساعدة في سد الفجوة بين الإكليروس والعلمانيين، أقترح أن تعيد الكنيسة في لبنان النظر في ممارساتها في الرسامة. الطريقة التي يُنظر بها إلى الرسامة هي أنّها تنقل الناس من مرتبة العلمانيين إلى رجال الدين، إلى طبقة لها امتيازات وسلطة ومكانة وشرف وقوّة لا يملكها العلمانيون. أقترح أن تمارس كنائسنا عملية وضع الأيدي التي نجدها في العهد الجديد. إنّ وضع اليد هو فرز فرد ما لخدمة معينة، سواء كان للقيادة في الكنيسة أو للخدمة في مكان العمل والسوق. تمامًا مثلما نفرز قائدًا للخدمة الرعوية، لماذا لا نفرز معلّمة في المدرسة لخدمتها ونجارًا لنجارته؟ وضع الأيدي يجب أن يكون مصحوبًا بدعم الكنيسة وإعدادها وصلاتها للخدمة المتفانية في مكان العمل.

أجد أنّ رسالة بطرس الأولى 2: 9 تلخّص جيدًا قصد الله لكنيسته: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ”. إنّ مجتمع الإيمان بأكمله، بصورة جماعيّة، هو الذي يتمتّع بامتياز ومسؤولية مجيدة لإعلان عظمة الله.

إنّه لمن دواعي سرورنا أن نرى كنيسة الله في لبنان تتغيّر بفعل الصعوبات التي تواجهها. إنّ الله يعدّها لتأثير أعظم في وقت حرج من تاريخها. رحلة التحوّل لم تنتهِ بعد. لا يزال هناك العديد من التلاميذ الذين يجب إعدادهم والمزيد من القادة الذين يتعيّن تنميتهم، لا سيّما وسط المجموعات التي لم تتأثّر سوى قليلاً بعد بالإنجيل. أصلّي إلى الله أن تستمر الكنيسة في الانفتاح على قدرة الله على التغيير.

إيلي حدّاد هو رئيس كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وهو شغوف لتطوير القادة، رجالاً ونساءً، لخدمة إرساليّة فعّالة.

اترك رد