سلسلة خلاصة مؤتمر الشرق الأوسط 2021: الكنيسة وانخراطها في المجتمع

سلسلة خلاصة مؤتمر الشرق الأوسط 2021: تنمية القادة
نوفمبر 4, 2021
استجابتنا للأزمة السياسيّة في إطار محوره إنجيل المسيح
نوفمبر 18, 2021

بقلم مرتان عقّاد

من 30 أيلول (سبتمبر) لغاية 2 تشرين الأول (أكتوبر)، استضافت كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة مؤتمر الشرق الأوسط 2021 الذي حمل عنوان “نحو كنيسة ديناميكية: إعداد التلاميذ، تنمية القادة، والانخراط في المجتمع في لبنان والعالم“. جمع المؤتمر الذي استمر على مدار ثلاثة أيّام عبر الإنترنت أصواتًا محليّة وإقليميّة وعالميّة للنظر في الأمور الملحّة المتعلّقة بالإيمان والشهادة المسيحيّة. في منشور الأسبوع الماضي، تأمّل واريك فرح في مناقشة اليوم الأوّل من المؤتمر حول موضوع إعداد التلاميذ. منشور الأسبوع الماضي كان تأمّلًا من إيلي حدّاد حول اليوم الثاني من المؤتمر الذي عالج موضوع تنمية القادة. مشاركة المدوّنة هذا الأسبوع هي تأمّل لمرتان عقاد حول اليوم الثالث من المؤتمر، الكنيسة وانخراطها في المجتمع.

إنّ تأملي حول انخراط الكنيسة في المجتمع يستند إلى مقابلة أجراها زميلي في الكليّة، عماد بطرس، مع علياء عبّود وماهر الحاج، وهما قياديان في منظّمتين مسيحيتين تطوّرت خدماتهما، لا سيّما منذ بداية الأزمة السوريّة في 2011، في الانخراط الناشط في أعمال الرحمة. قدّمت سميرة لوقا منظورًا إقليميًا من سياقها المصري وعمل المنظّمة القبطيّة الإنجيليّة للخدمات الاجتماعيّة. سمعنا أيضًا في ذلك اليوم من جريك أوكسن، وهو لاهوتي في كليّة أسبري في الولايات المتّحدة، والذي قدم إطارًا مفيدًا للتفكير في انخراط الكنيسة في “اللاهوت الإرسالي العام”. تستحق مساهمة أوكسن منشورًا بحدّ ذاتها.

كان من اللافت أن نسمع أنّ كلاً من الجمعية اللبنانية للإنماء التربوي والاجتماعي (خدمة علياء)، وجمعية الشبيبة للمسيح في لبنان (خدمة ماهر)، كانتا متعمّدتين في الانخراط في خدمات الرحمة استجابة للأزمة السورية. كان قرارهما بالقيام بذلك من خلال الكنائس المحليّة يتماشى مع إرساليتهما الأساسية، والتي تتمثّل في تعزيز الكنيسة المحليّة وتمكينها، بدلاً من تنفيذ أعمال التنمية والإغاثة مباشرةً مع المستفيدين. من خلال القيام بذلك، عملت كلتا الجمعيتين كجزء من الكنيسة وليس كجمعيات هامشية للكنيسة وموازية لها – وهو تحدّ سليم للانقسام القديم وغير الصحي بين الكنيسة والهيئات الخدماتية. من خلالهما، تمكّنت عشرات الكنائس في لبنان وسوريا من بناء قدراتها بغية توفير خدمات تعليميّة وصحيّة وإغاثيّة أكثر فاعلية.

مساهمتي اللاهوتية هي تأمل من جزأين حول العلاقة بين الكنيسة والمنظّمات المسيحيّة. بعد المساهمة التي قدّمتها في اليوم الثالث من مؤتمر الشرق الأوسط، ناقشت محتوياتها مع اثنين من الرعاة اللذين ساعداني في تعديل وجهة نظري وتحسينها وإنصاف التنوّع الذي لطالما كان في الكنيسة.

كان الانقسام بين “الخدمة الروحيّة” و “العمل الاجتماعي” معضلة داخل الكنيسة الإنجيلية تمّ تحديدها ومعالجتها بجديّة من قبل حركة لوزان في بداياتها، وهذا ينعكس في ميثاق لوزان عام 1974:

نعبّر عن ندمنا على إهمالنا وعلى اعتبرنا أحيانًا الكرازة والاهتمام الاجتماعي متعارضين (المادة 5. “المسؤوليّة الاجتماعيّة المسيحيّة”)

غير أنّ الكنيسة الإنجيليّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تأخذ هذه الكلمات دائمًا على محمل الجد، مع بعض الاستثناءات الملحوظة، استمرت هيمنة الانقسام في منطقتنا، لا سيّما بين الكنائس الأكثر تحفظًا في تقليدنا.

الصراع بين الشمولية و”الكلية”

الكنيسة مدعوة لخدمة الأشخاص والمجتمع بصورة شموليّة. هذا ما كانت عليه خدمة يسوع للمجتمع. لا نرى أي تسلسل هرمي بين أنشطته المختلفة في الشفاء وإطعام الجموع والتعليم واسترداد الرجاء وغفران الخطايا والتحرير من قوى الشر. جمع يسوع كلّ أعمال الخدمة هذه تحت إعلان “سنة الرب المقبولة” (لوقا 4 :19).

ولكن كيف يمكن للكنيسة أن تتولّى كلّ هذه الخدمة المتنوّعة؟ هل هي مدعوة للخدمة الكليّة أي لتصبح الكلّ في الكلّ في المجتمع؟ هل يجب أن تفتح المدارس والمستشفيات؟ هل يجب أن تتحوّل الكنائس إلى منظمات إغاثيّة وتنمويّة، إلى منظمات غير حكوميّة؟ المسيحيون مدعوون بالتأكيد للخدمة في هذه الخدمات، تمامًا كما هم مدعوون لعيش أخلاقيات ملكوت الله في سوق العمل، كعاملين على الصندوق في المحال التجاريّة، ومندوبي مبيعات في المتاجر، وصرّافين في البنوك، وبناؤون في شركات البناء أو عمّال في وكالات السيارات أو موظفون مدنيون في الحكومة. هذه هي “الخدمة التجسديّة”. لكن هل يجب على الكنيسة فتح محلات السوبر ماركت والمحلات التجاريّة والبنوك وشركات البناء وصالات بيع السيارات؟ هل يجب أن تتولّى الكنيسة حكم بلدٍ ما وتشكّل قوّات أمن لإنفاذ القانون وحماية الحدود؟

ثمّة بالتأكيد كنائس تشعر بأنّها مدعوّة إلى مثل هذه الخدمات، ولطالما شاركت المساعي الإرسالية في إنشاء الخدمات التعليميّة والصحيّة. تُسمّى هذه بـ”الخدمة الدعوية” بدلاً من “التجسديّة”. بعض الرعاة لديهم شعور قوي بضرورة أن تلبي الكنيسة كلّ احتياجات المجتمع بصورة مباشرة. صحيح أنّ هناك بعض السوابق في الكتاب المقدس لمثل هذه النظرة، لا سيّما حين يفكّر المرء في الكنيسة الأولى في سفر أعمال الرسل، ولكن يبدو أنّ هذه الأنشطة في الكنيسة الأولى قد عالجت احتياجات مباشرة ومحدّدة للغاية مثل الطعام ورعاية الأرامل والأيتام. أنا شخصيًا أفضّل رؤية الكنيسة التي تشارك في الاهتمام الرعوي في المجتمع، وتُظهر بالتأكيد اهتمامًا بالأفراد بأكملهم وبتنوّع احتياجاتهم، ولكنني أيضًا على استعداد للشراكة مع قطاعات متخصّصة في المجتمع، مثل المهنيين التربويين والصحيين، وذلك في إطار سعيهم لتحقيق رؤيتهم للخدمة الشاملة.

يجب على كلّ من الكنائس والمنظمات المسيحيّة التي تختار الانخراط مباشرة في مثل هذه الخدمات أن تحسب المخاطر وتبحث عن طرق التخفيف من حدّتها. أولاً، يجب أن يقاوموا خطر جنون العظمة – الاعتقاد بأنّ كلّ شيء يجب أن يحدث “من خلالنا”.

ثانيًا، كأفراد مؤمنين بجسد المسيح، يجب أن نقاوم الميل إلى أن نصبح “رعاة” للخدمات الاجتماعية. ستنشئ بعض الكنائس فرعًا متخصصًا في الكنيسة، تتمثّل مهمّته في توزيع الطعام أو رعاية المرضى أو مؤازرة المنكسرين. سيشارك أعضاء الكنيسة الباقين (الأغلبية) فقط من خلال العشور، وسيعودون إلى “حياتهم كالمعتاد” صباح يوم الاثنين. إنّ دافع الكنيسة للقيام بذلك جدير بالثناء لأنّها تواجه حاجة إنسانيّة كبيرة، ولكنّها قد تحرم أيضًا أعضاء الكنيسة الآخرين، والمجتمع الإيماني ككلّ، من بركة خدمة الإنسان بكليته من جيرانهم وعائلاتهم المحتاجة من حولهم من خلال الخدمة المباشرة؟

يتمثّل الخطر الثالث في البدء في الاعتماد حصريًا على أموال الخارج (عادةً من الغرب) من أجل إغاثة جيراننا، بدلاً من الاعتماد على مواردنا الخاصّة كمجتمع إيماني. الأوضاع الحادّة، مثل تلك التي تواجهها منطقتنا، تجعل الاعتماد الخارجي ضروريًا في بعض الأحيان. لكن يجب أن نكون حريصين على ألا تصبح هذه الثقافة السائدة في مجتمعنا الإيماني.

رابعًا، قد يؤدّي الانخراط الكبير للكنيسة في أعمال الإغاثة إلى حدوث خلط في دوافع المحتاجين – الخلط بين الحاجة الماديّة والروحيّة. سيزداد إلى حدّ كبير خطر قدوم الناس إلى الكنيسة لغرض أساسي هو الحصول على المساعدة. وقد تصارع الكنائس للحفاظ على سمعتها في الوكالة الصالحة على الأمور الماليّة والرعاية الإنسانيّة، لأنّها تخضع لتدقيق شديد وقد تتعرّض لانتقادات ظالمة من قبل أولئك الذين يشعرون بالاستياء وأنّه يحق لهم الحصول على أكثر ممّا تلقوا.

ما البديل المحتمل؟

أحلم بكنيسة تركّز، كجماعة، على الرعاية الشاملة للشخص بأكمله حيث عائلات الكنيسة يتعلّمون العيش بتواضع حتى يتمكّنوا من المشاركة مع الآخرين من مواردهم الخاصة. “توأمة” كلّ عائلة من الكنيسة مع عائلة أخرى تكافح مع الفقر. وعائلات الكنيسة ترافق هذه الخدمة بالصلاة والبحث عن حلول اجتماعيّة واقتصاديّة شاملة. المؤمنون يسيرون مع أسر أكثر فقرًا في سعيهم للخروج من وضعهم على المدى الطويل من خلال مناهج مستدامة تحافظ على كرامتهم الإنسانيّة.

أحلم بمجتمع من المؤمنين المتصالحين مع القوى الإيجابية في المجتمع بحيث يكونون على استعداد للدخول في شراكة مع الخدمات والمنظمات والشركات المتخصّصة في المجتمع. تمامًا كما نستخدم نظام إحالة الحالات الخاصّة إلى المهنيين الصحيين المتخصصين بمعالجة الأمراض الجسدية والنفسية، وكما نأخذ سيارتنا إلى ميكانيكي متخصّص، لدينا إمكانية إحالة الحالات الاجتماعية والإغاثية البالغة إلى المنظّمات المتخصّصة التي يمكننا الشراكة معها في خدمة المجتمع.

الصراع بين ملكوت الله و”ممالك” الكنائس المحليّة

عندما عبرت الإرساليات الإنجيلية البحار إلى منطقتنا في القرن التاسع عشر، تبنّت نهجًا شاملاً للتحوّل الاجتماعي، لا سيما في قطاعي التعليم والصحّة. أنشأوا المدارس والجامعات والمستشفيات. في الأوقات العاديّة، قد يكون كافيًا للكنائس المحلية الوصول إلى الأحزمة الهامشيّة في المجتمع بمبادرات محدودة ومركّزة لمحو الأميّة وتقديم الرعاية الصحيّة الأوليّة والخدمات الاجتماعيّة الأساسيّة. غير أنّ هناك أوقات يجب أن يسود فيها الخير الاجتماعي العام على المصالح الخاصّة للكنائس المحليّة.

ما فائدة تكوين برامج تربويّة صغيرة لـ٦٠ أو ١٠٠ طفل، وهي في الغالب غير معترَف بها من قِبَل الدولة، وهناك مئات آلاف الأطفال اليوم في لبنان باتوا دون مدخل إلى التعليم الأساسي؟ إنّه لأمر جيّد وجدير بالثناء عندما ترى الكنيسة المحليّة حاجة في المجتمع وتقرّر الاستجابة عمليًا. لكن هل توقفنا للحظة وتخيّلنا العواقب الوخيمة للسماح لجيل كامل أو أكثر بالبقاء دون تعليم أساسي؟ هل تغطّي عياداتنا الكنسيّة الصغيرة بالفعل الاحتياجات الصحيّة الهائلة للمجتمعات المحليّة وكذلك مجتمعات اللاجئين في لبنان اليوم؟

نحن الآن، نقف أمام جيل منسي. يكمن الخطر في أن تصبح الكنيسة المحليّة راضية عن نفسها، مرتاحة بفكرة أنّها تدير برنامجها التعليمي غير الرسمي الخاص بها ومستوصفها الخاص الذي يقدّم الرعاية الصحيّة الأوليّة. غير أنّ العنصر الغائب هو رؤية شاملة لإنقاذ المجتمع من خطر التفتت الكامل الوشيك.

تتعاون العديد من الكنائس المحلية أكثر من أي وقت مضى، ولكن هل حان الوقت لرؤية جماعيّة أوسع؟ البنى التحتيّة للحلول الشاملة موجودة، في كلّ من قطاعي التعليم والصحة. ثمة شبكة كاملة من المدارس الإنجيليّة، وأخرى من المدارس الكاثوليكيّة، وأخرى من المدارس الأرثوذكسيّة. وعلى النحو نفسه، لدينا مؤسسات صحيّة مرموقة متجذّرة في التقاليد الإنجيليّة والكاثوليكية والأرثوذكسية. ومع ذلك، فقد تبنّت العديد من هذه المؤسسات التي بدأت كإرساليات كنسيّة نموذجًا تجاريًا على نحو تدريجي وأصبحت معتادة على العمل على أساس التعادل في الأرباح على الأقل، إن لم يكن أيضًا في كثير من الأحيان على أساس جني الأرباح.

إذا كانت مؤسسات الكنيسة المحليّة ستتشارك مع مجتمع الكنيسة العالمي، فيمكن استخدام هذه البنى التحتية للاستجابة لاحتياجات المجتمع بأكمله في هذه الأوقات المربكة. أود أن أقترح أنّ هذه المؤسسات قد تحتاج إلى طلب المساعدة الدوليّة حتّى تتمكّن من تقديم خدمات شبه مجانيّة للأسر الأشد فقرًا لفترة محدودة – من 3 إلى 5 سنوات – في هذه الأوقات الاستثنائية. مع عودة المجتمع إلى طبيعته تدريجيًا، قد تعود هذه المساعدة تدريجيًا إلى نموذج أكثر استدامة.

في الختام، يمرّ لبنان بظروف تاريخيّة غير مسبوقة. يجب مواجهتها من خلال اتخاذ مواقف شجاعة واعتماد رؤية غير مسبوقة للتعاون على الصعيدين المحلي والدولي، كي تتصرّف الكنيسة المحليّة بتعاطف وبصورة فدائيّة تجاه المجتمع في هذه الأوقات الاستثنائية. مع اعتماد هذا النهج، قد نكون قادرين على محاربة الاكتئاب الجماعي والفقر والهجرة. قد نكون قادرين على استعادة المفهوم الكتابي “للتلمذة” من خلال الشهادة الشاملة للكنيسة في المجتمع. هذه هي الطريقة التي نحرث بها الحقل ونزرع البذور التي ستحصدها الأجيال القادمة من الكنيسة: السلام الاجتماعي، والعطش الروحي، وسمعة الكنيسة الراسخة كجسد يقف متضامنًا مع أولئك الذين يتألّمون في الأوقات الصعبة، من أجل خدمة الله والمجتمع.

مرتان هو أستاذ مشارك في الدراسات الإسلاميّة في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة ويدير مجموعة الأبحاث Action Research Associates.

اترك رد