مخاطر الصلاة من أجل لبنان: تأمّل لاهوتي حول الصلاة والإقتصاد وبركة الأوطان

استجابتنا للأزمة السياسيّة في إطار محوره إنجيل المسيح
نوفمبر 18, 2021

بقلم نبيل حبيبي

إبّان احتفلنا بعيد إستقلال لبنان هذا الأسبوع، وفيما تتفاقم الأزمة الاقتصادية سوءًا، يطلق المسيحيون في لبنان دعوات متجدّدة للصلاة من أجل لبنان. لطالما شعرت بعدم الراحة تجاه فكرة الصلاة لأجل بلدي.

أؤمن أنّ الصلاة ضروريّة. حياة الصلاة الناشطة هي أساس علاقتنا مع الله بالمسيح وبقوّة الروح القدس. الصلاة مصدر عظيم للتغيير. الكنيسة المصلّية تعرف فكر الله وتقدر أن تثبت ضد شرور العالم. شعب الإيمان المصلّي يعبد الله ويُظهر المسيح في المجتمع المحيط به. زد على ذلك أنّ الصلاة في بعض الأحيان تصنع المعجزات العجيبة أمام أعيننا.

ولكن هل يعني هذا أنّه ينبغي أن نصلّي من أجل لبنان؟ أؤمن أنّ دعوة الكنيسة للصلاة من أجل لبنان هو عمل إيمان جميل قد ينطوي على تبنّي افتراضات لاهوتيّة خطيرة. أدعوكم أن تسيروا معي منعمين في هذه الرحلة اللاهوتية بينما أفكّر ببعض مخاطر الحماسة للصلاة من أجل لبنان.

محبّة الله للعدل والرحمة هي شعار يهيمن على كلّ كتبنا المقدّسة. الله يحزن على ظلم الفقراء في لبنان وقلبه مليء بالرحمة على المحرومين. حكومات هذا البلد المتعاقبة مسؤولة عن حياة الناس وكرامتهم، مواطنين كانوا أم نازحين. من هذه الناحية عندما نصلّي لأجل لبنان فنحن نصلّي من أجل دولة تتعامل مع الناس بحسب قلب الله.

غير أنّني أعتقد أنّ الخطر هنا في الافتراض بأنّه إذا اجتمعت كلّ كنائس لبنان معا وصلّت من أجل العدل والرحمة فستتحسن الأمور. إلّا أنّ واقع الأمر هو أنّه في الأربعين سنة ونيّف الماضية صلّينا ولم يتحسّن وضع العدالة الاقتصادية في لبنان، بل زاد الوضع سوءًا. هل صلواتنا فاسدة أم لاهوتنا بحاجة لتعديل؟ ماذا عن البلدان ذات الأكثرية غير المتديّنة والتي وضعها جيّد جدًا اقتصاديًا؟ كيف نفهم هذا الواقع في ضوء معتقدنا بأنّه إذا صلّينا فستتحسّن الأمور؟

أنا أعلم أنّه ثمة كم كبير من الوعود بالوفرة الاقتصادية للمؤمنين وللأمّة الأمينة في العهد القديم (مثلا: 2 أخبار 7: 12-22). أؤمن أنّه يجب أن نعيد قراءة هذه المقاطع في ضوء عمل الله في المسيح. إذا كنّا حقًا نعتقد أنّ المسيح هو إسرائيل الجديدة وأنّ اليهود والأمم يصبحون معًا شعب الله فيه (أنظر مثلا غلاطية 3: 19-29؛ ولكن هذه حقًا الحجّة الأساسيّة التي يقدّمها العهد الجديد)، إذًا يجب أن نقرأ المقاطع التي تعد بالبركة لأمّة إسرائيل في العهد القديم على أنها تنطبق على الكنيسة اليوم.

إذا تواضعت الكنيسة وتابت وصلّت أمام الله، فسيتحرّك الله بقوّة لينشر ملكوته من خلال المسيح. غير أنّ ذلك لن يعني بالضرورة أنّ البلد الذي فيه تلك الكنيسة سيختبر الثراء الاقتصادي.

زد على ذلك أنه بينما الكنيسة تصلّي للبنان، هل نصلّي من أجل فقراء لبنان لكي يختبروا العدالة، وهل نصلّي من أجل خطاة لبنان لكي يختبروا التحرير الروحي؟ أم نصلّي لكي نحافظ على مستوى حياة كان لنا وخسرناه في الأزمة؟

هل نحن مستعدّون لكي يستجيب الله لصلواتنا؟ هل نحن مستعدّون أن نكون يد الله في لبنان؟ هل نحن مستعدّون أن نبيع أبنيتنا وسيّاراتنا وبيوتنا وممتلكاتنا لمساعدة الفقراء في هذه الأزمة؟ هل نحن مستعدّون أن نعيش بحسب مشيئة الله “كما في السماء كذلك على الأرض؟”

إذا صلّينا سيبارك الله الكنيسة. بركة الله، بحسب تعاليم يسوع الواضحة في متّى 6: 19-34، لا تشمل تجميع الثروات بل هي أسلوب حياة يتّسم بالمحبّة الباذلة التي تنشر ملكوت الله من خلال العيش بأمانة. بولس يلخّص الأمر جيّدًا في ختام كلامه للكنيسة في روما بينما كان يحثّهم على العيش في وئام معًا: “لأنَّنا إنْ عِشنا فللرَّبِّ نَعيشُ، وإنْ مُتنا فللرَّبِّ نَموتُ. فإنْ عِشنا وإنْ مُتنا فللرَّبِّ نَحنُ” (رومية 14: 8).

قد نصلّي ولا نرى العدالة الاقتصاديّة تتحقّق. غير أنّنا نثابر في الصلاة، ومثل أرملة لوقا 18 نقرع أبواب السماء. نؤمن بأنّ ابن الإنسان سيعود يومًا ما ليفدي كلّ شيء، وبينما ننتظر ذلك اليوم نصلي من أجل العدل والرحمة ونحيا بأمانة فيهما للجميع.

لبنان ليس بلدًا مميّزًا في عيون الله. لا يحبّ الله لبنان أكثر من محبّته لسوريا. ولا يحبّ الولايات المتّحدة الأميركية أكثر من محبّته لروسيا أو الصين. الله، في المسيح، فتح طريق الخلاص لكلّ البشر بغضّ النظر عن الاثنية أو الجندر أو العرق أو الخلفيّة. هذا الذي نراه في لقاء بطرس مع كورنيليوس في أعمال 10. ربّما أهم مقطع في الأدب النبوي في العهد القديم هو إشعياء 2: 1-5، وفيه نرى أنّ اليهود كانوا ينتظرون خلاصًا من الله لكلّ الأمم في مدينة صهيون الأرضيّة. ولكن ماذا حصل في العهد الجديد؟ موقع حضور الله أصبح في جسد يسوع المتحرّك، والخلاص بالمسيح وليس في أرض أو هيكل. المسيح هو إسرائيل الجديدة وهو الهيكل المقدّس! لذا، نجد إعلان بولس المنتصر في غلاطية 3: 28: “ليس يَهوديٌّ ولا يونانيٌّ. ليس عَبدٌ ولا حُرٌّ. ليس ذَكَرٌ وأُنثَى، لأنَّكُمْ جميعًا واحِدٌ في المَسيحِ يَسوعَ!”

ثمة خطر أن تتحوّل حماستنا للصلاة من أجل لبنان إلى مواقف قبائلية طائفية تمتد في الكنيسة. بينما نصلّي ليمتد ملكوت الله في بلدنا ليتنا نكون مستعدّين ليس فقط أن نخسر كلّ شيء في أعمال رحمة لجيراننا، بل أن نكون مستعدّين أن نخسر كلّ شيء في أعمال رحمة للجيران المحليين والنازحين والمسلمين والمسيحيين واليهود والملحدين بدون أي تفرقة.

دعونا إذًا نصلّي من أجل لبنان.

دعونا نصلي طالبين المغفرة. لقد كنّا وكلاء غير صالحين لهذه القطعة الجميلة من خليقة الله.

دعونا نصلّي طالبين العدل والرحمة. ليت الله يتدخّل لمجازاة الأشرار ويرفع المحرومين.

دعونا نصلّي طالبين قوة لكي نحيا بأمانة في هذه الأوقات الصعبة. الحياة قاسية والمستقبل مخيف. ليت الله يذكّرنا أنّه إن عشنا أو إن متنا فنحن نفعل كلّ شيء لمجده.

دعونا نصلّي طالبين قوة لحمل الصليب. ليتنا نكون مستعدّين لنخسر كلّ شيء في أعمال محبة ورحمة لمن هم من حولنا.

دعونا نصلّي طالبين أن نعرف مشيئة الله. بينما أكتب هذه الكلمات الرب يجلب الخير من هذا الشر. ليته يساعدنا لكي نرى بعيونه ونكون يديه للناس المتعبة في هذه الأرض.

الرب صالح. ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب. طوبى للشعب المتّكل عليه (مزمور 34: 8).

نبيل محاضر في دراسات العهد الجديد في كلية اللاهوت المعمدانية العربية ويقود خدمة الشبيبة في كنيسة ناصري محلية في بيروت. يحب الشعب والأرض والثقافة والطعّام في بلده لبنان ولكنّه لا يمتلك حبًّا عميقًا للوطن.

اترك رد