على الرغم من أنّي أستحي ببلدي، فأنا لا أستحي بالإنجيل

بعد الاحتفال بالتجسّد فلنتخلّص من مصطلح “التجسدي”
ديسمبر 30, 2021
بين إشارات المرور المتعطّلة والودائع المنهوبة، ما زالت بذار خردل الإيمان تٌزرع في لبنان
يناير 13, 2022

بقلم وليد زيلع

“أنا أستحي ببلدي لبنان”. هذا هو أوّل ما فكّرت به في عام 2022. ولدت وترعرعت في لبنان، ولطالما شعرت بالفخر لكوني لبنانيًا، من بلد الأرز. غير أنّني أشعر هذه الأيام بالخجل من بلدي. ولا أرغب حتّى بوصف ما كنت أفتخر به؛ لم يعد الأمر جديرًا بالذكر. يبدو ذلك كما لو كنت أعيش حلمًا جميلًا لفترة طويلة وفجأة استيقظت على واقع قبيح متمثل في الانهيار التام لكلّ ما أؤمن به.

ما أراه الآن ليس لبنان الحرية والتنوّع. ليس لبنان العدل والمساواة وحقوق الإنسان. هذا ليس لبنان اللغات والثقافات والفنون والتعليم العالي. لقد ولّت رؤى واحة العالم العربي. هذا ليس لبنان الذي أتوق له في أحلامي. لا أعرف شيئًا عن لبنان هذا الذي لا أشعر أنّني أنتمي إليه.

على مدار عامين من الآن، والأزمات الوطنيّة تتفاقم وتشدّد ظلمةً، وأيّ أمل في أيام أفضل يبدو بعيد المنال. وعلى غرار إمبراطور روماني يشاهد منافسة دامية، يستمتع حكّام بلدي على عروشهم في الميدان، وهم يشاهدون شعبهم يقتتلون على فتات الخبز. لقد جعلتني دوامة الدمار الشامل الممنهَجة والتي لا مفرّ منها، كما جعلت كثيرين مثلي، نتساءل عن أسباب بقائنا في هذا المكان المظلم. سألت نفسي: ماذا أفعل؟

أبقى أم أهاجر؟

هل يجب أن أغادر لبنان؟ بالطبع لا. أنا من أشدّ المؤمنين بأنّ الكنيسة هي البقية الباقية التي يريد الله من خلالها خلق واقع جديد. يعلن النبي إشعياء عن سكب روح الله على شعبه من العلاء لتصبح البريّة حقلًا مثمرًا حيث يسكن العدل، ويسود البر وينتج عنه السلام والهدوء والثقة إلى الأبد (أشعياء 32: 15-17). هذه صورة جميلة عن مشاركة شعب الله لشخصه من خلال عمل روحه في قلوبهم وعقولهم.

لا يعمل الله في المكان الذي لا يملك فيه. فقط عندما نعترف بحقّ الله في أن يملك على حياتنا يمكننا أن نختبر تمكين الله لنا لإحداث التغيير. لطالما سمعت صلاة مشتركة يتلوها الإنجيليون في هذه المنطقة من العالم: “يا ربّ، نريد أن نعمل معك.” بعبارة أخرى، لا نريد أن نقوم بأمورنا الخاصّة بعيدًا عنك؛ أي نريد أن نعمل معك في المكان نفسه الذي أنت ناشط فيه. إنّها صلاة جميلة، ولكن من المفارقات أنّ الله منشغل بأن يشقّ في البريّة طريقًا وفي القفر أنهارًا. إذا كان هذا هو المكان الذي يعمل فيه الله، فهل نحن مستعدّون للبقاء في برية الظلم والصحاري المنسية في لبنان وسوريا والسودان والعراق ومصر وأماكن أخرى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

اليوم، يتفق معظم الرعاة وقادة الكنيسة، إن لم يكن جميعهم، على أنّ الله بلا أدنى شك يعمل بنشاط من خلال الكنيسة في لبنان. على الرغم من هذا الاعتراف، للأسف، أصبحت مسألة البقاء أو الهجرة مسألة قابلة للنقاش. قد يجادل البعض بأنّ الأمر متروك لكلّ واحد منّا؛ فالبقاء أو الرحيل هو دعوة فرديّة لا يمكن دعمها كتابيًا، لذا سيّان البقاء أو الرحيل. قد يشجّع آخرون أيّ شخص على الانتقال من بريّة أماكننا المقفرة إلى أرضٍ مثمرة حيث يمكننا أن نزدهر نحن وعائلتنا. لقد تعلّمت أن حياتي كتابع ليسوع ليست رحلة بحث عن الراحة والازدهار لأنّ أحلامي ومستقبلي ليسا الهدف النهائي الذي أعيش من أجله. لقد اشتريت بثمن؛ لذلك، أنا لا أعيش لنفسي بعد الآن. منذ سنوات، أمضيت بضع سنوات خارج لبنان حيث كنت أعيش وأعمل، لكنّني لم أستطع أبدًا الهروب من دعوة الله للعودة والخدمة في وطني. في عام 2007، بعد سنوات من الصراع، اتخذت أحد أصعب القرارات بالعودة والشروع في رحلة جديدة في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة كطالب لاهوت.

هل أغادر لبنان مرّة أخرى؟ بالطبع لا. إذا كان الله في هذه البريّة يشق طريقًا، ويخفّف معاناة المتألّمين، ويطعم المحتاجين، ويغيّر وجه التاريخ، فأنا ببساطة أريد أن أكون جزءًا من عمل الله خلال عمل كنيسته في خضم أيّ مصيبة.

هل أنتظر معجزة؟

هل يعني البقاء مجرّد انتظار معجزة؟ بالطبع لا. التنعّم بأمجادنا العابرة في ملاذ شرانقنا هو عكس طبيعتنا وشكل من أشكال الموت البطيء. في واحدة من أكثر الصور المذهلة في الطبيعة، تحوّل اليرقة داخل الشرنقة لا يتمّ بعيدًا عن بيئتها، بل يتم تحضيرها جيدًا لتتكيّف بفعاليّة مع محيطها بمجرد أن تصبح فراشة بالغة. إذا كانت الكنيسة لا تعدّني للتعامل مع محيطي، فسوف تصبح مقبرة حياتي الروحيّة.

نحن لا نعيش في مكانٍ ثنائي الأقطاب حيث تتنافس الكنيسة مع العالم، في محاولة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس والمحافظة عليهم. الكنيسة موجودة في عالم الله كوكيلة لترميم التشويه الذي أحدثناه إلى أن يتمّ استراد العالم بصورة نهائية عند مجيء الرب يسوع مرة أخرى. إنّ محبة أولئك الذين يحبّوننا، وإعطاء أولئك الذين يستطيعون ردّ الجميل لنا، وإقراض أولئك الذين نتوقّع من مقابلًا يتعارض مع جوهر التجسّد لأنّ المسيح خلّصنا ونحن بعد خطاة وغرباء، دون أي إمكانيّة لدينا لأن نسدّد ديوننا.

لا يمكن للكنيسة أن تحقق مهمّتها الإرساليّة بأن تكون نورًا وملحًا إذا كانت بعيدة عن سياقها بغض النظر عن مدى صعوبة ذلك. قد يؤدي الانسحاب من المجتمع لأيّ سبب من الأسباب إلى تغيير الهويّة الجوهريّة للكنيسة وتحويلها إلى نادٍ اجتماعي، وهذا بمثابة حكم بالموت على كلّ ما تمثّله. كم يبدو غريبًا أنّ الله يعمل، والكنيسة، جسده، مختبئة في دوائرها المغلقة أو خلف جدران مبانيها أو هاربة من مجتمعها.

في هذه الأيّام الصعبة، ماذا أفعل؟ هل يجب أن أنتظر وأنسحب، وأهدم إهراءاتي وأبني حظائر أكبر لتخزين المزيد من الحبوب والبضائع كما في مثل الغني الغبي، على أمل الخروج من الأزمات بأقل قدر ممكن من الأضرار، أم أتشارك خبزي مع جيراني؟ وإن استحيت بهذا البلد وحكّامه، فلن أعيش في حالة إنكار للواقع وأصمّ أذاني عن سماع صراخ الناس. بدلاً من انتظار حدوث معجزة، كن المعجزة التي تريد أن تراها تتحقّق.

لا شيء عشوائي في حياتنا على الأرض. إلهنا هو إله استراتيجي يعمل بصورة أساسيّة من خلال كنيسته في سياقها المحلي. جزء من استراتيجية الله هو إعداد الكنيسة لأوقات كهذه. إذا كان هذا صحيحًا، فلم يعد الأمر مجرّد دعوة فرديّة للبقاء أو المغادرة أو الانسحاب والاختباء مهما كان الوضع صعبًا. إذا كان هذا صحيحًا، فالأمر بات تفويضًا للقيام بعمل الله في المكان الذي يختاره. يمكن للمرء أن يجادل في أنّ خدمة الله يمكن أن تحدث في أيّ مكان في العالم. بينما تبدو هذه طريقة لطيفة لإعادة صياغة خطة الله، إلّا أنّها حجة واهية. تتطلب دعوة الله الامتثال الكامل وليس العقل الناقد لتعزيزها. لا يختار الجندي مكان خدمته، بل يتم إرساله ببساطة إلى الأماكن التي مطلوب بها. إذا كنّا نرغب حقًا في الخدمة مع الله، فهو الذي يحدّد الوقت والمكان. على الرغم من أنني بتّ أستحي كثيرًا ببلدي، إلا أنّني لا أستحي بالإنجيل وقوّته في تغيير مجتمعنا من خلال العمل الناشط للكنيسة. أصلي وآمل أن نظلّ الكنيسة التي استثمر الله فيها طوال المدّة الآنفة ليستخدمنا في أوقات كهذه.

وليد هو العميد الأكاديمي في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وراعي كنيسة الإيمان في المنصورية، لبنان.

اترك رد