بين إشارات المرور المتعطّلة والودائع المنهوبة، ما زالت بذار خردل الإيمان تٌزرع في لبنان

على الرغم من أنّي أستحي ببلدي، فأنا لا أستحي بالإنجيل
يناير 6, 2022
العرافة في مسار معاكس
يناير 20, 2022

بقلم لولوة المعلوف

نأمل أحيانًا أن يأتي التغيير سريعًا وجذريًا، ولكن في معظم الأحيان، يأتي التغيير ببطء وعلى نحوٍ متتالٍ.

يتساءل الكثير من الناس كيف تبدو الحياة في لبنان هذه الأيام. قبل أن نقارن لبنان الآن بلبنان ما قبل 2019، دعونا نضع في اعتبارنا أنّه منذ اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة، ولبنان يعاني بشدّة من الفساد. يمكن رؤية عواقب ذلك في أمور مثل عدم توفّر الكهرباء 24 ساعة، وانخراط أفراد عائلات السياسيين في العديد من الأعمال المشبوهة، وأزمة النفايات التي أدّت إلى تدفّق أنهار القمامة ذات الرائحة النتنة في شوارع البلاد في عام 2015. هذه فقط بعض الأمثلة. فكيف ازداد الطين بلّة الآن؟

اسمحوا لي أن أبدأ بمشاركة كيف تبدو الأشياء في المكان الذي أعيش فيه. أتذكّر أنني عندما كنت في المدرسة الابتدائية، درست عن إشارات المرور، ولكن مرّت سنوات قبل أن نراهم بالفعل في شوارع بيروت وبعدها في جميع أنحاء البلاد. ولقد استغرق الأمر عامين حتّى اعتاد اللبنانيون عليهم وبدأوا في اتباعهم (قدر الإمكان بالنسبة للبنانيين). كانت عودة إشارات المرور إلى الشوارع علامة فارقة للبنان بعد سنوات من الحرب الأهلية. إنّها جميلة. تمثّل هذه الإشارات التنظيم والحضارة والمساواة أمام القانون. غير أنّنا اليوم في لبنان نعود لنفقد إشارات المرور. تلك التي تعطّلت ولم يتم إصلاحها، وغالبًا ما تكون متوقّفة عن العمل بسبب انقطاع التيّار الكهربائي. في مفترق طرق مزدحم بالقرب من منزلي، احترقت العديد من مصابيح إشارات المرور، لذا تخيّلوا سوء الفهم الجنوني بين السائقين والخطر الذي يسبّبه ذلك! وثمة أيضُا شاحنة ارتطمت في إحداها وأوقعتها منذ عدة أسابيع. وما زالت على الأرض. نحن نفقد إشارات المرور. إنّه لأمر محزن.

لفهم تأثير التغيير الحاصل في لبنان، يمكننا أيضًا النظر إلى أسعار السلع الاستهلاكيّة. باتت تكلفة الخبز اليوم سبع مرّات أكثر ما كانت عليه في عام 2019. سعر غالون البنزين أكثر بـ11 مرّة. تستمر أسعار الأدوية في الارتفاع أيضًا، لكن مشكلة الأدوية هي أنّه لا يمكن العثور على معظمها. حتّى لو كان لديك دولارات – والتي عادة ما تجعل الحياة أسهل – فلا يزال يتعذّر عليك العثور على ما تحتاجه.

أخيرًا، يمكننا النظر في كيفية تعامل البنوك مع العملاء في الوقت الحاضر. قبل عام 2019، تعاملت البنوك وعملائها مع بعضهم البعض باحترام متبادل. تُعتبر البنوك اليوم لصوصًا ويتمّ التعامل مع العملاء على أنّهم متسوّلون. يُسمح للعملاء اليوم فقط بسحب 400 دولار شهريًا نقدًا و400 دولار بالعملة المحليّة بسعر صرف مزيّف يبعث على السخرية بغضّ النظر عن المبلغ الذي يحتويه في حساب الفرد. وهذا ليس حال بنك واحد بل كلّ البنوك اللبنانية.

أثناء عيش كلّ هذه الأوضاع في لبنان، في ربيع عام 2021، شاركت في وحدة التاريخ والسياسة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من برنامج الماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي تقدّمه كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. لم أكن متأكّدة ما الذي أتوقّعه من البرنامج ولكن اتضح أنّها كانت تجربة رائعة. إحدى الطرق التي أثّر بها البرنامج عليَّ هي إظهار طرق عملية ومشجّعة يمكننا من خلالها إحداث فرق على الرغم من الوضع الصعب في بلدنا.

خلال فترة الدراسة المباشرة في البرنامج، كانت لنا فرصة الاستماع إلى العديد من المنظّمات غير الحكوميّة المسيحيّة التي تعمل لخدمة المجتمعات المحرومة في لبنان من خلال القول والفعل. البعض من خلال الكنائس، والبعض الآخر عن طريق المجتمعات مباشرة؛ البعض من خلال مشاركة الإنجيل كلاميًا كهدف أساسي لهم، والبعض الآخر من خلال خدمة الاحتياجات الأساسيّة طاعة للإنجيل كهدف أساسي لهم. إنّهم عمليا يحبون قريبهم ويحبون عدوّهم. إنّ رؤية ما يفعلونه وكيف يفعلون ذلك يشبه صورة فسيفساء تعكس معنى الإرسالية المتكاملة.

الانكسار في لبنان ساحق. ومع ذلك، فإنّ عمل الكنائس والمنظّمات غير الحكومية المسيحيّة مشجّع للغاية. وذلك ليس لأنّنا نرى تغييرًا جذريًا فوريًا يغطّي كلّ لبنان، فنحن لا نرى ذلك. في كثير من الأحيان، يبدو العمل وكأنّه قطرة في المستنقع. ويبدو أنّه بغضّ النظر عن مقدار الجهد والوقت والموارد التي نبذلها لخدمة المستضعفين في البلد، تظلّ الحاجة هائلة بينما لا يتزحزح الزعماء السيّاسيون. هذا يذكّرني بأبطال الإيمان في العبرانيين 11. بينما البعض منهم “بالإيمان قَهَرُوا ممالكَ، صنَعُوا برًّا، نالوا مواعيد” آخرون تعرّضوا للاضطهاد وسوء المعاملة دون أن ينالوا الوعد. وعلى غرار ذلك، في لبنان، نرى الأمور تتغيّر أحيانًا ولكن التغيير في معظم الأحيان يبدو بطيئًا جدًا أو حتّى مستحيلًا.

ماذا بعد؟ هل يجب أن يتوقّف أتباع المسيح عن جهودهم ويستسلموا؟ إذا كان أبطال الكتاب المقدّس الذين ثابروا في ظروف مروّعة دون تحقيق نتائج مرئية يُمدحون لإيمانهم، أفلا يجب أن نثابر بأمانة في لبنان؟ إنّ هذه الأمانة من الكنائس والمنظّمات غير الحكوميّة المسيحيّة في طاعة المسيح واليقين في الوعد بأنّ الله قد خطّط لشيء أفضل هو مصدر إلهام لنا.

ما لم يتغيّر في لبنان هو الأكاذيب والفساد منذ أيّام الحرب الأهليّة، لكن الذي تغيّر هو زيادة الذين لديهم الشغف والدعوة لخدمة الله في هذا البلد. التحدّي هو أن تستمر هذه الكنائس والمنظّمات غير الحكوميّة في مهّمتها لخدمة هدف أبدي بثبات على الرغم من أكاذيب إبليس بأنّ تأثيرها يعتمد على النتائج المرئيّة. فكما علّمنا يسوع، يشبه ملكوت الله حبّة الخردل ودورنا هو زرع البذور والله ينمّيها. بالنسبة لي، التحدي هو الوثوق بالبنوك مرّة أخرى، لكن ما أثق به هو وعد المسيح بأنّه سيأتي مرّة أخرى. وفيما يسير التاريخ بهذا الاتجاه، يذكّرني عمل هذه الخدمات أنّه بين إشارات المرور المتعطّلة والودائع المنهوبة، ثمة عمل للأبدية نشارك فيه في لبنان. أمّا أنتم فإنّي أدعوكم الى عدم التخلّي عن لبنان وعمل الله في المنطقة. صلّوا من أجل الكنائس، من أجل المنظّمات غير الحكوميّة، ومن أجل أولئك الذين يضحّون بوقتهم ومواردهم ولا يعرفون ما إذا كانوا سيرون ثمار عملهم في حياتهم هنا والآن.

لولوة هي مديرة قسم الشراكات في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وهي متشجّعة بالرجاء غير المنظور

اترك رد