لمَ يعمّ الصمت في الكنيسة حول عطيّة العزوبة؟

العرافة في مسار معاكس
يناير 20, 2022
هل كانت خدمتنا ناجحة العام الماضي؟
فبراير 3, 2022

بقلم ربيع الحصباني

“عقبالك”! عبارة يسمعها العازبين في لبنان في كلّ مرّة يحضرون حفل زفاف وهي تعني نتمنّى أن تتزوج أو أن تتزوّجي قريبًا. كرجل أعزب، سمعت هذه العبارة مرارًا وتكرارًا وقد سئمت منها حقًا. ولكن بدلاً من الشعور بالإحباط حيال العزوبة، أودّ أن أستغل حالتي لمشاركة عطيّة العزوبية التي لا أعتنقها فحسب، بل أستمتع بها حقًا.

ثمّة افتراض بأنّ القاعدة السلوكيّة الطبيعيّة لأيّ شخص هي أن يتزوّج. في مجتمعنا، يُعامل غير المتزوجين على أنّهم أنصاف ويحتاجون إلى نصفٍ آخر ليصبحوا كاملين. يمكن أن تكون الكنيسة جزءًا من المشكلة أيضًا. فالكنيسة لا تنفك تعظ عن الزواج وأهمية الحياة الزوجية السليمة وقلّما نسمع عظات مثلًا عن بركة العزوبة أو كيف يمكننا أن نستثمر سني العزوبة بالخدمة المثمرة والفعّالة.

أشياء كثيرة تذكّر العازبين بأنّهم مختلفون. تنظّم الكنائس عادةً اجتماعات وورش عمل حول الأمور المتعلقة بالعلاقات الزوجية وتربية الأطفال، وأحيانًا يكون لديها خدمات خاصّة بالمتزوجين، وتستثني غير المتزوجين. يُتوقَّع من العازبين أن يعدّوا أنفسهم للزواج والحياة الأسرية، ولكن هل تقزم الكنيسة بأيّ نشاطٍ لإعدادهم لحياة عزوبية أمينة؟ على الرغم من أنّه من المتوقَّع أن يستخدم العازبون كلّ وقتهم الإضافي للاستثمار في الخدمة وتنمية الكنيسة، غالبًا ما يتم التعامل معهم على أنّهم قطع غيار يمكنهم فعل أيّ شيء في أيّ وقت أو التكيّف مع أيّ موقف. على سبيل المثال، في المؤتمرات والخلوات الكنسيّة، يُمنح الأزواج والعائلات غرفهم الخاصّة، بينما يُتوقَّع من العازبين مشاركة الغرف مع بعضهم البعض أو قبول أماكن الإقامة الأقل جودة. هذه أشياء طبيعيّة في حياة العازب.

ننسى أحيانًا أنّ العزوبية هي الحالة العلائقية الأصليّة التي يمرّ بها الجميع. غير أنّه يُنظَر إلى العزوبيّة كحالة غير طبيعيّة أو حالة مؤقّتة. فكما يختار البعض أن يتزوّجوا، لماذا لا يمكننا التفكير في خيار مواصلة الحياة كعازبين؟ يجب أن نعتبر العزوبيّة فترة خاصّة للاستثمار في الخدمة وكذلك للنمو الشخصي. عمليًا، عندما تكون عازبًا، تتمتّع بقدرة أكبر على منح وقتٍ لمن هم في أمسّ الحاجة إلى الدعم ولمن يستمع إليهم. إنّها فرصة لتكون أكثر حضوراً في حياة الأشخاص، ولكنّها أيضًا وقت للاستثمار في النمو الشخصي واكتشاف الإمكانات وتطوير المهارات وتعلّم أشياء جديدة.

خلال الـ1500 سنة الأولى من حياة الكنيسة، كان من الشائع أت يصلّي المسيحيّون سائلين الله ما إذا كان يدعوهم إلى الزواج أم إلى العزوبة من أجل الملكوت. وهذا سؤال قلّما نجده شائعًا في صلاة المسيحيين الإنجيليين في الشرق الأوسط الذين لا يعتنقون فكرة الرهبنة على خلاف بعض التقاليد المسيحيّة الأخرى.

يقدّم لنا الكتاب المقدّس منظورًا مهمًّا لنا حول هذا الموضوع. في 1 كورنثوس 7 يجيب بولس على المؤمنين في الكنيسة الذين لديهم أسئلة حول ما إذا كان من الأفضل الامتناع عن العلاقات الجنسيّة. يردّ قائلًا إنّ الزواج جيّد، لكنّه يتابع القول إنّه يفضّل البقاء عازبًا لأنّ الوقت قصير. يساعدنا فكر كنيسة القرن الأوّل على فهم المعنى هنا من قول بولس هذا الكلام. كانوا يتوقّعون عودة يسوع سريعًا (1 كورنثوس 7: 29-31) وهذا غيّر وجهة نظرهم حول الكثير من الأمور، مثل الزواج. يعبّر بولس عن تفضيله الشخصي للعزوبة في سبيل عمل الملكوت. يتمتّع العزّاب بحرية أكبر في استخدام الوقت والموارد للاستثمار في الملكوت، بينما يجب على المتزوجين إدارة شؤون الأسرة وتخصيص الوقت والمال لأزواجهم وأطفالهم. يقول بولس: “فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ. غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِي الرَّبَّ” (الآية 32). ورغم انتقاد الإصلاح الإنجيلي لحركة الرهبنة الكاثوليكيّة غير أنّ مفكرو الإصلاح يعترفون، أنّ العزوبة تجعل الخادم متاحًا أكثر لعمل الملكوت. يقول جون كلفين: “الهدف من هذا الجدل كلّه هو أن العزوبة أفضل من الزواج لأن هناك المزيد من الحرية فيها، بحيث يمكن للرجال أن يخدموا الله بسهولة أكبر.”

ورغم توافق الكتاب المقدّس وبعض المفكّرين المسيحيين على أنّ العزوبة تتيح المجال للعمل بحرية أكبر في الملكوت، نجد العديد من قادة الكنائس يعلّمون أنّ الزواج أفضل للمرء. يفترضون أنّه يجب على جميع العزّاب أن يتزوّجوا ويستمّرون في تذكير العزّاب في كنائسهم بأنّهم يصلّون من أجلهم لإيجاد “الشخص” الذي عيّنه الله. يفترض الكثيرون أنّ الزواج هو مشيئة الله للعازب بدلاً من تشجيعه على السعي لتحقيق مشيئة الله في عيش حياة العزوبة بأمانة. يمكن أن تعثر أحلام الزواج الكثير من الناس. ربّما نظرتنا للحب والعلاقات متأثّرة بأفلام ديزني وهوليوود أكثر من تأثرها برؤية الله لنا. ونتيجة لذلك نرى كثيرين راغبين في أن يعيشوا قصص حب رومانسيّة تنتهي بنهايات سعيدة، وإذا لم يحدث ذلك يشعرون باليأس والفشل.

ومع ذلك، فإنّ حياة الفرد لها تحديّاتها الخاصّة. يمكن أن يواجه العزّاب تجارب الوحدة والإغراء الجنسي. بالتأكيد، هذه النضالات لا تقتصر على غير المتزوجين، لكنّها يمكن أن ترتبط بنمط الحياة الوحدة كعازبين. قد ترتبط معركة الوحدة والإغراءات الجنسية ارتباطًا وثيقًا. كلّما شعرنا بالوحدة أكثر، تزداد احتمالات الصراع مع التخيّلات الجنسية والانجرار إلى الخطيئة. نحن بحاجة لأن نكون سبّاقين في طلب المساعدة في هذه المجالات. هذا يعني أخذ زمام المبادرة للبقاء على اتصال وثيق مع الأصدقاء والعائلة. ويجب أن نضبط أنفسنا، كما يوصينا الكتاب المقّدس “اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا” (1 كورنثوس 6 :18). غالبًا ما يكون من المفيد وجود صديق أو اثنين من الأصدقاء المقرّبين الذين نكون مساءلين أمامهم في هذا المجال. وقد من الحكمة أن يفعل المتزوّجون ذلك أيضًا! بدلًا من الصلاة لزواج العُزّاب، ربما يكون من الأفضل أن نرافقهم في تحدّياتهم وصراعاتهم.

سواء تزوج العزّاب في يوم من الأيام أو عاشوا حياتهم كلّها بالعزوبيّة، فلن يبقى أي مؤمن أعزب إلى الأبد. يتحدّث الكتاب المقدس عن يسوع العريس الذي سيعود ليأخذ عروسه، الكنيسة، لتكون معه في الخليقة الجديدة المفديّة. في ذلك اليوم ستنتهي المعاناة، بما في ذلك تحدّيات الزواج الصعبة أو العزوبية! سوف يمسح الله كل دمعة من عيوننا، ونسبّحه: “لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ! لأَنَّ عُرْسَ الْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ، وَامْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا” (رؤيا 19: 7).

هذا الرجاء لنا اليوم وليس في المستقبل فقط. يمكننا أن نختبر شيئًا من هذا الزواج مع المسيح هنا على الأرض من خلال عمل الروح القدس في حياتنا. لقد افتدانا المسيح لنحيا معه ونتمتّع به في وقتنا الحاضر على الأرض كما في السماء في المستقبل. هذه دعوة لنعيش فرح المسيح من دون أن ندع وضعنا الاجتماعي، عازبين كنّا أو متزوّجين أن يحرمنا من فرح الحميميّة في علاقتنا معه.

من المذهل مدى الإيجابيّة التي يتكلّم فيها العهد الجديد عن العزوبة. بولس يعتبرها عطيّة من الله “كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ مَوْهِبَتُهُ الْخَاصَّةُ مِنَ اللهِ” (1 كورنثوس 7: 7). ويجب أن نقاوم اعتبارها ثاني أفضل خيار أو مرتبة. فليس هذا ما يعلّمه الكتاب. الزواج جيّد ولكن العزوبة أيضًا جيّدة وقد أُعطيت للبعض.

بدلًا من تأليه الزواج وازدراء العزوبة بعيون شبيبة الكنيسة يجب تقديم لاهوت سليم عن الزواج والعزوبة حيث لا مفاضلة لوضع اجتماعي على الآخر ولا محاباة لفئة اجتماعية على حساب الأخرى. يجب النظر إلى أعضاء الكنيسة كأعضاء الجسد الواحد الذين يكمّلون بعضهم البعض وشعب المسيح العازبون الأمناء لهم مكانة لا يمكن الاستغناء عنها في هذا الجسد!

ربيع هو المسؤول عن برنامج الشهادة في الخدمة عبر الإنترنت في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

8 Comments

  1. يقول Mohammed:

    مقال جميل وطرح ممتاز ربنا يباركك استاذ ربيع هنالك الكثير في الكنائس والارسالية يفضلون ان يكون الشخص متزوج في الارسالية او الخدمة كي لا يضعف اما المجتمع والاغرائات ويقع في الخطية ولكن نرى بولس يقول انها موهبة وعطية فماهو رايك هل يجب الانسان ان يكون متزوج كي يكون في الخدمة والارسالية ام لا حيث معظم الكنائس يفضلون الازواج

    • يقول Rabih Hasbany:

      الأمر ليس مسألة تفضيل أمر على الآخر الأمر يتعلّق بمشيئة الله وموهبته. إذا كان الشخص مدعوًا من الله للعمل الإرسالي ولدي هذه الموهبة لا يمكننا أن نحبطه عن تحقيق دعوته بسبب وضعه الاجتماعي. بولس الرسول كان مرسلًا وهو عازب فما هو ردّ الكنيسة التي تفضّل إرسال المتزوجين على ذلك؟
      كما أنّ عمليًا من الأسهل أن يترك العازب بلده وينتقل للعيش في بلد آخر.

  2. يقول كارلوس بورجيان:

    حلوة كتير فكرة انو العزّابي بيفيد ناس تانية وهيك بيكون مفيد والو مكانة بقلوب ناس بيحبهم وبيحبوه. بس اوقات الواحد عقد ما بيضل بيعطي وبيعطي بيتعب وبيوجع قلبو وبيرجع بيعيد حساباتو. عكل حال كل شي الله بيبعتلنا ياه منقول يا محلاه. وشكرا لهالمقالة الرائعة والراقية 👍👍👍

    • يقول Rabih Hasbany:

      عزيزي كارلوس معك حق أحيانًا يتوقّعون من العازب أن يعطي الكثير ويبذل الكثير لدرجة الاستنزاف. لذلك أشجّعك أن تستثمر الوقت لتنمية مهاراتك وتعزيز طاقتك. افعل أشياء تحبها وتستمتع بها. اقضِ وقتًا مع الله بخلوة شخصية. وطوّر مهاراتك.

  3. يقول Elia Shehata:

    مقالة مميزة جدا لقضية حياتية وواقعية تخص الشخصية المسيحية والعلاقات والاعتبارات الاجتماعية.
    شكرا اخي ربيع🌷

  4. يقول Sevin omar:

    سلام المسيح أستاذ ربيع، لقد كانت المقالة التي كتبتها ملفتة جداً فقلما يستطيع الانسان أن يتكلم عن هذه المواضيع بكل حرية، وخاصة كما ذكرت أنَّ كنائسنا تركز على الأزواج أكثر من الناس الغير متزوجين، حيثُ شاركت مقالك مع فئات الغير المتزوجة الذين معي في مجموعات التلمذة ضمن الكنيسة وقد كانت لديهم ردود أفعال جميلة جداً أنهم استطاعوا التنفيس عن أمور كنتُ أجهلها وتكلموا عنها، حيثُ نتيجة تفكير الأهل بأنْ يبقوا أولادهم بلا زواج أو كلما يصبح الشخص واعي لا يريد الزواج بسبب الأوضاع، أرى الكثير من الأهل يلجئون الى تزويج البنات والشباب في أعمار صغيرة ، لأنهم وهم في هذه الأعمار الصغيرة وخاصة فئة بين 18حتى 22 سنة يكون لديهم ميول للزواج أكثر من الذين يكبرون هذه الأعمار، حيثُ عندما كنتُ في عفرين وهي منطقة كردية سورية كنت أعمل مع مجال حقوق المرأة والتزويج المبكر، فكنت دائما أجد فتيات بين 16 وحتى 30 سنة مطلقات لأن الأهل أراد لهم الزواج المبكر وهم صغار وعندما يصبحون أشخاص واعيين أكثر يدركون ليس هذا الشخص الذي يريدون العيش معه.
    وفعلاً كما ذكرت ليس هناك توعية للأشخاص الغير المتزوجين حتى في بعض كنائسنا أيضاً، فكما المتزوجين لهم مجموعات وأشياء خاصة بهم يجب احترام خصوصية الغير المتزوج أيضاً وخلق جو آمن لهم ومناسب لهم حسب ما يريدون، ونحن كمجتمع كنائسي يجب أن نتطرق الى جميع الموضوعات التي تخص أمور المجتمع، بصراحة العزوبية ليست شيء سيء أبداً بل على العكس قد يكون أفضل فترات حياة كل شخص إذا كان يدري كيف يصرف وقته بطريقة حكيمة.

    • يقول rabihhasbany:

      شكرًا سيفين للقراءة الدقيقة ولمشاركة المقالة مع مجموعات غير المتزوجين واستخدامها عمليًا في مجال خدمتك. أصلّي أن يستخدمك الله في خدمة هذه الفئة المهمّشة في الكنيسة والتي تحتاج إلى رعاية خاصّة. أودّ أن أشير هنا أنّ فكرة المجموعات الخاصّة بغير المتزوّجين مفيدة جدًا لبنيانهم وإنشاء علاقات الدعم والمساءلة فيما بينهم. مفهوم العزوبية في كنائسنا يحتاج إلى إعادة صياغة فكريًا وفحص مفاهيمنا الحاليّة ما إذا كان منطلقها اجتماعي أم كتابي.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: