هل كانت خدمتنا ناجحة العام الماضي؟

لمَ يعمّ الصمت في الكنيسة حول عطيّة العزوبة؟
يناير 27, 2022
إعادة النظر في الإرساليّة
فبراير 10, 2022

بقلم إيلي حدّاد

عام آخر مضى. لقد بات من المعتاد للعديد من الكنائس والخدمات أن تنشر تقارير نهاية العام التي تسلّط الضوء على أنشطة العام السابق وأبرز إنجازاته. وهذه في الغالب محاولة صادقة لقياس مدى التأثير والنجاح. ونحن أيضًا ككلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة نقوم بالأمر نفسه. لكن هل هذه ممارسة سليمة؟ كيف يجب أن نفكّر في النجاح والإنجازات؟

عندما ننظر إلى الكتاب المقدس لنحصل على مفهوم للنجاح، نجد أنّ العهد الجديد لا يتناول هذا الموضوع مباشرةً. غير أنّنا قد نتمكّن من اكتساب دروس قيّمة من خلال دراسة القصص والأمثلة

الكتابيّة لتمييز بعض أنماط النجاح. نجد اثنين من هذه الأمثلة في “الشمامسة” المعيّنين في أعمال الرسل 6 لخدمة الكنيسة لأنّهم كانوا ممتلئين بالإيمان والروح القدس.

الأوّل هو استفانوس. بمعزى عن أعمال الرسل 6، لا نعرف الكثير عنه سوى أنّه ألقى عظة قويّة ومؤثّرة أدت إلى مقتله. على الأرجح أنّ استفانوس لم يكن في مهمّة استشهادية. لذا، يمكننا القول أنّ النتيجة لم تكن متوافقة مع الهدف. هل هذا يعني أنّه لم ينجح؟ هل كان يجب عليه أن يخفّف من حدّة عظته قليلاً ليعيش حياةً أطول ويعظ بضع عظات أخرى؟

المثال الثاني هو فيلبس. كانت خدمته بين أهل السامرة مثمرة. لقد بشرّهم بالمسيح، واستجابوا لخدمته، وكان هناك فرح عظيم في المدينة. عندما سمع الرسل في أورشليم بهذا، أرسلوا بطرس ويوحنا لتلمذة السامريين بينما كلّم الروح القدس فيلبس وأرسله إلى الصحراء ليوصّل الرسالة إلى شخص واحد. هل كانت هذه علامة على نجاح خدمة فيلبس؟ غير أنّ الممارسات الشائعة اليوم أنّه إذا كان الكارز فعّالاً في مدينة صعبة وعدائية، يُرسِلونه إلى المزيد من المدن، أو على الأقل يبقونه في تلك المدينة لتلمذة الناس الغفيرة التي أثّر فيها. لكن أن يخرجه الروح ويرسله إلى الصحراء؟

ثمة العديد من الأمثلة التي يمكننا دراستها، ولكن ماذا عن خدمة يسوع؟ وفقًا لسرد البشير لوقا، في بداية خدمته (لوقا 4)، بدأ يسوع يعلّم بسلطان وكان الجميع مندهشين من تعاليمه. أمر أرواحًا نجسة فخرجت، وكان يشفي جميع المرضى. لكن إذا كان لدى يسوع خدمة “ناجحة” كهذه، ألا يجب أن يستمر في الخدمة ويبحث عن طرق لتنميتها؟ ليس هذا ما فعله يسوع. لقد غادر ببساطة وذهب إلى مكان منعزل. بحثت عنه الحشود ووجدته وحاولت منعه من الذهاب بعيدًا. كانت إجابة يسوع: ” إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ الْمُدُنَ الأُخَرَ أَيْضًا بِمَلَكُوتِ اللهِ، لأَنِّي لِهذَا قَدْ أُرْسِلْتُ.” كان يسوع يعرف بوضوح ما يجب أن تكون أولوياته، أن يفعل ما أُرسِل من أجله. كان مقياس نجاحه، ما إذا كان يفعل إرادة الآب أم لا.

يوحنا، في إنجيله، ينقل الرسالة نفسها حول دافع يسوع. “طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ” (يوحنا 4: 34)؛ “أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يوحنا 5 :30)؛ ” أَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يوحنا 6: 38).

العهد الجديد واضح بشأن أولويات يسوع. جاء ليعمل إرادة الآب. يبدو أنّ النجاح في لغة العهد الجديد هو الأمانة والطاعة. ليس مجرد إنجازات أو السعي وراء ابراز الذات. المكافأة النهائية التي يتوق إليها أيّ منّا هي سماع عبارة “نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ” (متى 25: 23). يُقاس تأثير خدمة استفانوس بأمانته وليس بعدد المرّات التي وعظ فيها. يُقاس تأثير خدمة فيلبس في الصحراء بطاعته وليس بعدد الأشخاص الذين وصل إليهم شخصيًا. كان نجاحهم يتعلق بالقيام بالأمر الذي أُرسِلوا لأجله بالتمام.

كيف يمكننا مقارنة هذا بتقارير نهاية العام الخاصّة بنا؟ هل نشعر أنّه يجب علينا إظهار النمو والأرقام، أم أنّنا نشعر بالاكتفاء لمجرّد فهم ما تمّ إرسالنا للقيام به وإتمامه بحذافيره؟ هل ينبغي أن يكون الشغل الشاغل للحياة والخدمة المسيحية القيام بالأنشطة وتحقيق الإنجازات؟ هل الله مُعجب بنشاطاتنا وإنجازاتنا؟ أم هو يُسَرّ بطاعتنا وثباتنا فيه؟

غالبًا ما تسلّط قوائم الإنجازات الضوء على أعداد المستفيدين والمتأثرين بخدماتنا. لا أريد التقليل من أهمية الأرقام. الأرقام مهّمة. يذكر سفر أعمال الرسل عدّة مرّات تكاثر الأعداد. الأعداد مهّمة لأنّ الأفراد مهمّون. ومع ذلك، هل يجب أن تكون الأرقام مقياس نجاحنا؟ أودّ أن أناقش بأنّه لا ينبغي أن يكون النجاح وفق الأرقام لأنّ هذا عمل الله وليس عملنا. نحن لا نخلّص الناس. نحن نشهد. الله هو الذي يخلّص الناس. نحن لا نجعل الناس تنمو. نحن نتلمذ، ونقدّم لهم قدوة، ونوفر البيئات التي يمكن للناس أن ينموا فيها. إنّ الله هو الذي ينمّي الناس. نحن لا نوسّع ملكوت الله. نحن نعلن الملكوت قولًا وفعلًا، نجسّد قيم الملكوت في العالم، نعيش علامات ملك الله. الله هو الذي يوسّع ملكوته. نحن لا نغيّر العالم. نزرع بذور الخردل. الله هو الذي يغيّر العالم. إذا كنّا نقيس الأرقام، فعمل من نحن نقيس، عمل الله أم عملنا؟

أجد أنّ الأمر أكثر صعوبة في بيئة الكنيسة منه في البيئة المؤسساتيّة. المؤسّسات موجودة لتنتج عملاً ما. من ناحية أخرى، توجد الكنيسة لتكون جسد المسيح في هذا العالم. كينونتها وثباتها فيه يتقدّمان على عملها، وانخراطها في إرساليته. العمل هو نتيجة طبيعية لكينونة الكنيسة. إذا استثنينا كينونة الكنيسة فإنّ عملها لا طائل من ورائه وليس له قيمة عند الله.

المشكلة مع تقارير نهاية العام وقوائم الإنجازات، في رأيي، هي عندما نتوق إلى إعجاب الآخرين، أو التنافس مع الخدمات الأخرى، أو ببساطة إرضاء الداعمين. يطلب العديد من الداعمين تقارير عن الأرقام: عدد الأنشطة أو عدد المستفيدين أو بعض المقاييس الكميّة الأخرى. يجب أن يكون هناك أمر أعمق من ذلك، ويجب أن تتجاوز العلاقة مع الداعمين مجرّد الصفقات المادّية.

نحن نتصارع مع هذا الأمر في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة. نريد محاربة الميل بأن نصبح مدفوعين لإرضاء الداعمين. نريد أن نكون حريصين على عدم القيام بأنشطتنا للحصول على المال أو لتطوير سمعتنا أو أي شيء من هذا القبيل. غير أنّنا نريد أن نتأثّر بشركائنا. نحن نعلم أنّ الله يتكلّم إلينا من خلال شركاء حقيقيين يرافقوننا في رحلتنا لنكون معًا مخلصين لدعوة الله.

في الشراكات، قد تتراوح العلاقات ما بين الصفقات المادّية من جهة، حيث يهتم كلّ شريك بالاستفادة القصوى من الشراكة، والعلاقات التشكيليّة حيث كل شريك منخرط ومنصهر في الخدمة معًا يتحوّل ويتشكّل بفضل هذه العلاقة.

هل نجَحت خدمتنا العام الماضي؟ أعتقد أنّه من الخطأ طرح هذا السؤال. أقترح أن نطرح أسئلة أكثر ملاءمة: هل كنّا أمناء العام الماضي؟ ما هي الدوافع وراء أنشطتنا وإنجازاتنا؟ هل سعينا لنحصد إعجاب الله أو الآخرين أم سعينا لإرضاء الله بطاعتنا المتواضعة؟ هل كانت علاقاتنا مع شركاء الخدمة الآخرين استغلالية أم تشكيليّة؟

أقترح أيضًا أن تكون هناك مجموعة أخرى من الأسئلة التي نحتاج إلى طرحها للمضي قدمًا: ما هي أهدافنا لهذا العام؟ هل هي أهداف الله أم أهدافنا؟ هل هي مدفوعة بالروح أم هي أهداف انتهازيّة؟ هل تسعى أهدافنا إلى تمجيد الله أم أنفسنا؟ كيف نمارس التمييز الروحي على صعيد جماعي وتعاوني؟

رغبتي في 2022 هي أن تكون القوّة الدافعة الوحيدة لدينا لهذا العام هي عمل إرادة الآب. لا شيء آخر.

إيلي هو رئيس كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وهو يندفع بطبيعته لتحقيق الإنجازات، لكنّه يتعلّم أن يتوق لأن يوجد أمينًا.

اترك رد