يونان أو يونس؟ إعادة النظر في العلاقة بين الكتاب المقدّس والقرآن

إعادة النظر في الإرساليّة
فبراير 10, 2022
بودكاست لاديني عن هاري بوتر علّمني قراءة الكتاب المقدّس
فبراير 24, 2022

بقلم عماد بطرس

بينما كنت أقرأ مقالة مدونة كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة لزميلي مرتان عقّاد العام الماضي، “هل يصنع الاسم فرقًا؟ حجّة لاستخدام “عيسى” في الترجمات العربية للكتاب المقدّس“، تحول ذهني إلى شخصية كتابيّة أخرى، يونان، القرآن باسم يونس. بينما أخذنا مرتان في رحلة لاستكشاف بعض الاقتراحات المحتملة للاستخدام القرآني لاسم عيسى، بدلاً من الاسم العربي يسوع في الترجمات العربيّة، فكّرت أكثر في العلاقة بين القصة الكتابيّة ليونان ويونس في القرآن وكيف يؤثّر فهمنا لهذه القصص على موقفنا من القرآن. علاوة على ذلك، فقد فكّرت أيضاً في مدى انعكاسات فهمنا للعلاقة بين النصوص المقدّسة على منهجيّتنا في التفكير والتفاعل مع المسلمين.

لقد قدّمت مؤخرًا مقررًا في كلية اللاهوت حول قراءة سفر يونان في سياق شرق أوسطي. في هذا االصف، طرح الطّلاب بعض الأسئلة: هل يونس هو نفسه يونان؟ لماذا غيّر القرآن اسم النبي يونان إلى يونس؟ لماذا لدينا “نسخة” مختلفة من قصة يونان في القرآن؟ كل هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، شائعة ومشروعة ولطالما توقّف عندها الدارسون والممارسون.

إذا تفحّصنا هذا النوع من الأسئلة بعناية، يمكننا تحديد افتراضين رئيسين. الأوّل هو الفكرة القائلة بأنّ محمّد وكاتبي القرآن قد غيّروا تفاصيل القصّة عن عمد وبسوء نية لإظهار النسخة “الحقيقيّة” من وجهة نظرهم للقصّة. والثاني هو الافتراض بأنّه عندما يكون لدينا روايتان مختلفتان عن القصّة نفسها، فلا بدّ أن تكون إحداهما صحيحة والأخرى “محرّفة”، لا سيّما في سياق الحوار الديني. لكن بالنسبة لطلابي، جزموا أنّ قصّتنا، الرواية الكتابيّة، هي القصّة الحقيقيّة، ليس فقط لأنّها النسخة الأقدم ولكن أيضًا بسبب وجود أجزاء / تفاصيل من القصّة لم يذكرها القرآن.

الانعكاسات العملية لمثل هذه الافتراضات تؤثّر على تعامل الكنيسة مع القرآن، وبالتالي على المسلمين، حيث إنّها تدفع الكثير من المسيحيين اليوم إلى تجنّب أيّ تفاعل مع المسلمين ونصّهم المقدس. تتجلّى هذه الحقيقة في أثناء الدراسة، خاصّة عندما أطلب من الطلّاب قراءة قصّة يونس في القرآن أو قراءتها مع صديق مسلم. الاستجابة الأولى والسريعة التي أحصل عليها هي ببساطة: “نحن لا نقرأ القرآن أبدًا، وليس لدينا أصدقاء مسلمون” – على الرغم من أنّهم يعيشون في بيئة ذات أغلبية مسلمة. في الواقع، هذه ردود شائعة جدًا من قِبل الكثيرين في جميع أنحاء المنطقة وهم يتصارعون مع فكرة فهم العلاقات بين المسيحيّة والإسلام.

اسمحوا لي أن أشارككم الأفكار التالية حول قصّة يونان في الكتاب المقدّس والقرآن؛ فمن ممكن ان تساعدنا مثل هذه الأفكار على أن نُصبح أكثر فاعلية وارتباط بسياق خدمتنا، وإعادة النظر في موقفنا تجاه المسلمين والنص القرآني.

  1. يجب أن ندرك خصائص الروايات النبويّة القرآنية

عندما نقرأ الروايات الأربع لقصة يونس في القرآن (القلم 68: 48-50، الأنبياء 21: 87-88، الصفات 37: 139-148، ويونس 10 :98)، نرى أنّ هذه القصص مختصرة ومكثّفة. تظهر هذه الروايات في سياقات مختلفة، وضمن سلسلة من قصص الأنبياء الآخرين. تم وضع كلّ قصّة بصورة هادفة لتتوافق موضوعيًا مع رسالة السياق الأدبي للنصوص القرآنية المحيطة بها. يوضح هذا الفهم لخصائص رواية يونس، والروايات النبويّة في القرآن عامّة، أنّ القرآن لا يحاول إعادة سرد “النسخة” الموجودة في الكتاب المقدس. بل هذه القصص تعمل كأمثلة ونماذج يحتذى بها، حيث يستخلص محمد ومجتمعه دروسًا أخلاقية لتطبيقها في حياتهم وسياقاتهم. وبذلك تسلّط هذه القصص الضوء على الاهتمامات الأدبيّة المباشرة، أو الموضوعات، التي يحاول القرآن معالجتها. على سبيل المثال، يتم تقديم يونس كرجل صلاة يخلّصه الله من ضيقاته، وبالتالي يصبح نموذجًا يحتذي به محمّد ومجتمعه (الأنبياء 21: 87-88). بكلمات أخرى، عندما يواجه محمّد ومجتمعه انتقادات شديدة أو يمرّون بتجارب، يجب عليهم أن يحذوا حذو يونس بالدعوة إلى الله والثقة في أن الله سيخلّصهم كما خلّص يونس.

  1. الروايات النبوية القرآنية ليست مجرّد “نسخ” من قصص الكتاب المقدّس

من المضلّل استخدام مصطلح “النسخة القرآنية لرواية كتابيّة” عند الإشارة إلى الروايات النبوية في القرآن عامّة، ورواية يونس خاصّة. يقترح هذا الافتراض الشائع أنّ القرآن يقتبس مباشرة من الكتاب المقدس وأنّ محمّد والقرآن غيّرا تفاصيل القصّة عن قصد وبسوء النية لإظهار “النسخة الحقيقية” لها. يُظهر التحليل الدقيق للمواد الموجودة في التفسير الإسلامي الكلاسيكي للقرآن أنّ محمد ومجتمعه ومؤلّف (مؤلفي) القرآن كانوا على معرفة بـ “التراث اليهودي – المسيحي”، وجمعوا بين التراث الكتابي والتراث الغير كتابي في محاولة لإعادة تقديم الروايات اليهوديّة – المسيحيّة بصورة تتناسب مع سياقهم.

  1. من المهم أن نفهم القرآن بشروطه الخاصّة.

فيما تأمّل محمّد ومجتمعه في التراث اليهودي المسيحي في قصّة يونان، فقد يكون هدفهم الأساسي هو جعل القصة ملائمة لحياتهم وسياقاتهم. هذا الفهم لكيفية استخدام القرآن للروايات النبوية يتناسب تمامًا مع اعتباره هذه الروايات دروسًا وتذكيرات وإرشاد وتعليم للمؤمنين، كما كانت مصدر تشجيع لمحمّد وهو يواجه انتقادات شديدة:

وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (سورة هود 120).

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (سورة يوسف 111).

وهكذا، فإنّ قصص الأنبياء وتوجيهاتهم الأخلاقيّة تدعونا إلى النظر إلى محمّد ومجتمعه في القرآن على أنّهم مجتمع السؤال الآن: هل هناك إذًا درس نتعلّمه من يونان / يونس في هذه المناقشة؟

غضب أم رحمة؟ حوار بين يونان ويونس!

في الواقع، إذا نظرنا بعناية إلى قصّة يونان في الكتاب المقدّس، فلا يسعنا إلّا أن نفكّر في موقف النبي الغاضب. حتّى القرآن يذكر هذا السلوك المحظور، ويحذّر محمد والناس “ألا يكونوا مثل يونس الغاضب” (القلم 68: 48). لكن في نهاية القصة الكتابيّة، يتحدّى الله يونان، ومن خلال نبتة اليقطين، أظهر له شخصه الحنون تجاه خلقه. في الحقيقة، إذا كان هناك درس واحد يجب أن يتعلّمه أتباع المسيح من قصّة يونان، فهو ببساطة التالي: يجب أن نعكس شخص الله الرؤوف الحنون.

إحدى الطرق العمليّة للقيام بذلك هي الطريقة التي نتعامل بها مع المسلمين ونصّهم المقدّس. على سبيل المثال، يجب أن تكون لدينا أحشاء رأفة عندما نعلم أنّ المجتمع المسلم مُلهَم بالروايات النبويّة. لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الروايات الكتابية والقرآنية جدلية، بل يجب تطويرها إلى خطاب يتصف بالرأفة والتعاطف، مما يشجع على الحوار مع بعضنا البعض. لذلك يجب ألّا نتجاهل النصوص المقدّسة للتقليد الآخر. بل نشجّع على قراءة النصوص المقدسة لكلا التقليدين، سعيًا إلى بناء أرضية مشتركة، مع الحفاظ على الطابع المميّز لكلّ قصّة. وبهذا الموقف المتسم بالرأفة والتعاطف، يمكننا أن ندع يونان ويونس يكملان محادثتهما مع بعضهما البعض. ويبقى السؤال: هل يمكن التعلّم من القرآن؟ هل يمكن أن تساعدنا هذه المعرفة في تطوير لاهوتنا في سياق شرق أوسطي؟ سأترك الإجابة على هذه الأسئلة لمنشور آخر في المدوّنة!

عماد بطرس هو أستاذ مساعد في العهد القديم في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وهو حاليًا جزء من مشروع كتابة: نافذة على النص الكتابي: قراءة الكتاب المقدّس في سياق إسلامي.

اترك رد