“أين هم والديك؟”: استغلال الأطفال في لبنان اليوم

بودكاست لاديني عن هاري بوتر علّمني قراءة الكتاب المقدّس
فبراير 24, 2022
لنكن صادقين، للمسيحيّة تاريخ حافل من العنف ضدّ المسلمين
مارس 10, 2022

بقلم تريزا صفير

بدا أنّ الصبي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره في المرّة الأولى التي نقر فيها على نافذة سيارتي وطلب نقودًا وأنا أنتظر مرور السيارات عند التقاطع. كان الأطفال الواقفون بجانبه أصغر منه. إنّها ذكرى ممتعة إلى حدّ ما – وقد تتساءلون عن المتعة التي يمكن العثور عليها في صورة شاحبة جدًا. إنّها ممتعة بكيفية تكوين صداقة بيننا وكيف تغيّرت ملامح هذا الصبي من اكتئاب سالب للإنسانية إلى ألفة مرحة في كلّ مرّة ينقر فيها على نافذتي. ومع مرور لم أعد أراه في الجوار، لكن صورة الأطفال المتسولين لطالما كانت جزءًا من مشهدية بيروت.

ثمة جدل دائم حول ما إذا كان على المرء أن يستجيب لنداءات أطفال الشوارع هؤلاء وهم يتسولون من أجل المال. يقول البعض إنّ الأموال ستذهب إلى زعماء عصابات الاتجار بالبشر. يقول البعض الآخر إنّهم يفضّلون إعطاء المال للأطفال وإنقاذهم من العقوبة القاسية التي تنتظرهم في نهاية اليوم إذا عادوا “بأرباح قليلة”.

التسول ليس سوى غيض من فيض. لست مضطرًا للذهاب بعيدًا لترى طفلًا يفك صواميل عجلة القيادة أمام أحد ميكانيكي السيارات، ووجهه ملطخ بزيت المحرّك، وآخر يحمل الصناديق عند أحد باعة الخضار وآخر يعاني جفافًا وهو يحصد المحاصيل تحت أشعّة الشمس الحارقة. يعمل الأطفال عند السبّاكين وأصحاب المتاجر والخبّازين. يقومون بأعمال البناء والزراعة، ويجمعون البلاستيك من حاويات القمامة. إنّها حالة محزنة – ظاهرة تبدو مستعصية في لبنان وبلدان فقيرة أخرى. غير أنّنا فقدنا إحساسنا تجاه هذه الظاهرة.

وفقًا لليونيسف، ازداد انتشار استغلال الأطفال بجميع أشكاله في لبنان منذ بدء الأزمة الاقتصادية في عام 2019. ويفصّل تقرير نوفمبر 2021 إحصائيات مثيرة للقلق حول كيف أدت الأزمة إلى تفاقم ضعف الأطفال، مما يتركهم بلا خيار سوى العمل أو مواجهة تهديدات أخرى مثل الزواج المبكر والاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي.

استغلال الأطفال ليس أمرًا جديدًا، والأدبيات حول هذا الموضوع غزيرة الإنتاج. أجد “منظّف المداخن” لوليم بليك، من مجموعته الشعريّة التي بعنوان أغاني البراءة والخبرة، مؤثّرة جدًا في تصويرها لاستغلال الأطفال في إنجلترا في القرن الثامن عشر، وثمّة الكثير لنتعلّمه في سياقنا اللبناني اليوم.

في أواخر القرن الثامن عشر في إنجلترا، تم توظيف الأولاد الصغار – في بعض الأحيان لا تزيد أعمارهم عن خمس سنوات – لتسلّق المداخن وتنظيفها بفرشاة وجمع السخام في أكياس. غالبًا ما باع الآباء هؤلاء الأولاد لأسيادهم. لقد عوملوا بطريقة بائسة وغالبًا ما كانوا يعانون من أمراض في الجهاز التنفسي وتشوهات جسدية بسبب الركوع لفترة طويلة. في بعض الأحيان، كانوا يعلقون في المداخن حيث يلقون حتفهم.

تُسرد قصّة “منظّف المداخن” من وجهة نظر كنّاس صغير قام والده ببيعه للعمل. في إحدى القصائد، يروي قصّة طفلٍ مجند جديد للعمل اسمه توم داكر. وبعد أن حاول أن يحسّن مزاج توم لأنّهم حلقوا شعر رأسه، يحلم توم بملاك أطلق منظّفي المداخن أحرارًا ليلعبوا في الحقول الخضراء ويصعدوا إلى السماء. لكن، للأسف، يستيقظ توم في اليوم التالي على واقعه الكئيب حيث لا يستطيع رؤية الشمس. لا يستطيع أن يغتسل في النهر. ولا يستطيع اللعب لأنّه ليس لديه وقت يضيّعه.

وأتى ملاك بمعصمه مفتاح يبرقُ،

فتح النعوش وفرّ كلّ الذين احترقوا،

جابوا السهل الأخضر، يقفزون يضحكون يركضون،

في مياه النهر يغتسلون وفي شعاع الشمس يبرقون.

وفيما يحاول المتكلّم أن يستوعب الفظائع التي ارتُكبت بحقّه وبحقّ أقرانه في إحدى القصائد، تتغيّر نبرته تمامًا في قصيدة أخرى. يشير إلى نفسه على أنّه “شيء”، يشعر بأنّه محروم من إنسانيته. يسأله المارة بصوت عالٍ عن والديه، ويدينونهم لبيعهم أطفالهم في سنّ مبكرة جدًا. لكنّه يرفض أن يبدو مهزومًا، فيتظاهر بالسعادة ويبتسم. ولأنّه يبتسم، ظنّ الناس أنّهم لم يرتكبوا أيّ خطأ. يستغلّونه ثمّ يذهبون إلى الكنيسة ويسبّحون الله.

كشيء أسود صغير مرمي بين الثلوج،

أنوح “أبكي! وأبكي!” بصوتٍ يضوج!

قل “أين أبوك وأمّك ذهبا؟”

” في الكنيسة يصليّان كلاهما.”

“منظّف المداخن” هي صرخة مدوّية ضد أولئك الذين صنعوا جنتهم من بؤس الأطفال. الملاك في حلم توم هو رمز للكنيسة. كان الأطفال يأملون سرًا أن تنقذهم الكنيسة من الاستغلال. ومع ذلك، في نهاية الحلم، أخبر الملاك توم أنّه إذا ظلّ مطيعًا واستمر في تنظيف المداخن، فسوف يرضي الله ليكون في سعادة أبدية.

في وقت هذه القصيدة، كانت كنيسة إنجلترا جزءًا لا يتجزّأ من “المؤسّسة”. هذا يعني أنّ لديها السلطة لفعل شيء ما بشأن الظلم، ولكن وفقًا لبليك، كانت متواطئة مع سادة تنظيف المداخن بدلاً. هل تتواطأ الكنيسة في لبنان دون قصد مع من يستغل الأطفال إذا التزمت الصمت اليوم؟

يظهر واضحًا اهتمام الله  بالضعفاء والمضطهدين في الكتاب المقدس. سفر إشعياء، على سبيل المثال، مليء بكلام العدل والرحمة. في الفصل الأوّل، يوبّخ الرّبّ شعب يهوذا، ليس لأنّهم أخفقوا في الحفاظ على الشعائر الدينيّة، ولكن لأنّهم كانوا يظلمون الضعفاء. لقد قال لهم الله أنّه يكره مظاهر التقوى التي لا معنى لها.

تَعَلَّمُوا فَعْلَ الْخَيْرِ. اطْلُبُوا الْحَقَّ. انْصِفُوا الْمَظْلُومَ. اقْضُوا لِلْيَتِيمِ. حَامُوا عَنِ الأَرْمَلَةِ (إشعياء 1: 17).

ولأنّ الأزمة الاقتصادية شديدة للغاية، فقدت الرواتب قيمتها، القطاع العام يتلاشى، وأثرت قيود الوباء على المدارس والطلاب اللبنانيين. فقد الكثير من الأطفال إمكانية الحصول على التعليم. نرى المزيد والمزيد من الأطفال يتركون المدرسة. شاركت نادية خوري، وهي عضو في الفريق القيادي لمنظّمة “تحدي” التي تتخذ من بيروت مقراً لها، وهي منظّمة غير حكوميّة مكرّسة لمكافحة الفقر، بعض الأفكار المتعلّقة بالوضع الحالي:

نظرًا لليأس المهيمن، يُنظر إلى الأطفال على أنّهم وسيلة لدعم الأسر. إنّها آلية تأقلم محزنة. قد يكون لدينا نزعة لإلقاء اللوم على الفقراء متسائلين كيف سيلجأون إلى ذلك الحلّ. لكن غالبًا ما أتذكّر كلمات الأب غريغوري بويل التي مفادها أنّنا يجب أن نتبنّى موقف “التعاطف الذي يقف في رهبة لما يتحمّله الفقراء بدلاً من الحكم على كيفية تحملّهم له”.

قبل الأزمة، كان هناك أحزمة فقر في لبنان، مثل المناطق التي تعمل فيها “تحدّي” على توفير التعليم والصحّة والمساعدات الإغاثية. بالشراكة مع هيئات أخرى، تقدّم تحدّي إعانات ماليّة للأسر لمساعدتهم على تلبية احتياجاتهم اليوميّة حتّى يتمكّن الأطفال من استئناف تعليمهم. اليوم، لا تستطيع المنظّمات غير الحكوميّة حلّ المشكلة بمفردها لأنّها أصبحت منتشرة على الصعيد الوطني وتدعو إلى حلّ على نطاق أوسع.

اقترحت نادية قائلة، “لدى المجتمع الكنسي العالمي فرصة مهمة لمساعدة أطفال لبنان اليوم من خلال دعم شبكة واسعة من المدارس المسيحيّة الموجودة في جميع أنحاء البلاد – تصل إلى القرى والبلدات من الشمال إلى الجنوب – حتّى يتمكنوا من ضمان حصول المعلّمين على أجور جيّدة، ولتتم صيانة المرافق ولكي لا تكون الرسوم الدراسيّة عائقًا”. كما شدّدت على أنّه عندما ينتقل الفقر من جيل إلى جيل، فمن الصعب للغاية عكس مساره. “المستقبل قاتم بدون تعليم. نحن في مرحلة حيث لا يزال من الممكن القيام بشيء ما، لكنّنا بحاجة لأن نتصرّف بسرعة”.

بعض ذكرياتي العزيزة هي أنّه أتيحت لي مرّة فرصة أن أكون مع الأطفال الذين، في مرحلة ما، سيتركون المدرسة حتمًا ويتولون بعض الوظائف الوضيعة لإعالة أسرهم. يا لها من أرواح شجاعة، اضطررت لتحمل أقسى بكثير ممّا أنا أتحمّله، لكن بقدر ما أعجبت بقوّتهم، لم أستطع تجاهل الحقيقة القاتمة المتمثّلة في أنّني لم أستطع مساعدتهم.

أين آباء هؤلاء الأطفال؟ الجواب معقّد، لكن يمكننا على الأقل البدء في الإجابة على سؤال “أين الكنيسة؟” – سواء كان ذلك من خلال زيادة الوعي أو دعم المدارس اللبنانية. ربّما، يمكن للكنائس المحليّة أن تتبنى عددًا قليلاً من العائلات لعدد من السنوات حتّى يكون أطفالها في المدرسة. مهما كانت الوسيلة، فإنّ منظّفي المداخن الصغار ينتظرون ملاكهم.

تريزا هي منسّقة التّواصل والتّحرير لقسم علاقات التنمية والشراكة. تجد الإلهام للأوقات الراهنة في أدب الأوقات الماضية.

اترك رد