لنكن صادقين، للمسيحيّة تاريخ حافل من العنف ضدّ المسلمين

“أين هم والديك؟”: استغلال الأطفال في لبنان اليوم
مارس 3, 2022
رسم الخطوط الفاصلة في صلواتنا في زمن الحرب
مارس 17, 2022

The Mountaineers Leave the Aul" by Pyotr Nikolayevich Gruzinsky

بقلم برنت حمود

ليس هناك من ينكر أنّ للعنف مكان في تاريخ المسلمين والمسيحيين، ولكن غالبًا ما تكون سرديتنا التاريخية مليئة بالإنكار. غالبًا ما تصف الافتراضات الشائعة لإسلام على أنّه القوّة المعادية للمسيحيّة، ويجمعون الأمثلة الصاخبة للعنف (الjي يوجد الكثير منها) التي يرتكبها المسلمون ضدّ المسيحيين لسرد قصص كبيرة عن الاضطهاد الأحادي الجانب. غير أنّ تفكيرًا اختزاليًا كهذا يتسم بغضّ الطرف عن فكرة صارخة: للمسيحية تاريخ من العنف ضدّ المسلمين.

التاريخ ساحة معركة للعقول والقلوب. إنّ التصالح الصادق مع ماضينا الديني هو أمر أساسي للانخراط مع “الآخرين” من دين مختلف بأمانة. في سياق العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة، هذا يعني إعادة التفكير في الافتراضات المسيحية حول الضحايا التاريخيين ومرتكبي العنف الديني. ليس بالأمر اللطيف على الإطلاق سرد أعمال العنف المسيحي، لكن من المفيد القيام بذلك.

فيما يلي ثلاثة أمثلة على العدوان المسيحي العلني ضد المسلمين لننظر فيها.

  • في أوروبا الشرقية خلال أوائل القرن العشرين، أطلق انهيار الإمبراطورية العثمانية العنان لموجة من الفظائع حيث أصبحت البلقان مسرحًا دمويًا بصورة مذهلة. أصبح السكّان المسلمون الذين ظلوا لفترة طويلة في أوطانهم ضحايا للنهب والتهجير والموت حيث انتشرت القوميات المتجذرة في الهوية المسيحية في أماكن مثل بلغاريا واليونان وصربيا. اندلعت الحرب بين القوّات العثمانية والقوميّة ودول البلقان المتشدّدة مسيحيًا. لم يترك المشهد السياسي الجديد مجالًا للإسلام، ودفع التطهير العرقي من قبل القوّات المسيحيّة مئات الآلاف من المسلمين المحليين إلى مغادرة بيوتهم. دُمّرت القرى، وارتُكبت المجازر، ووقعت أبشع الأعمال الوحشية. كانت فترة مروّعة ارتكب فيها المسيحيون مذابح بحقّ المسلمين، لكنّها لم تكن الحادثة الأولى من نوعها.
  • آنفًا في القرن التاسع عشر، قامت الإمبراطورية الروسيّة المسيحيّة بتطهير عرقي للشركس المسلمين على نحوٍ ممنهج من منطقتها في إبادة جماعيّة تمّ التغاضي عنها. كانت التوترات والصراعات المباشرة تختمر منذ فترة طويلة داخل الإمبراطورية متعددة الأديان والأعراق، ووصلت الأعمال العدائية إلى ذروتها في ستينيات القرن التاسع عشر عندما أمر الشركس بموجب مرسوم حكومي بمغادرة شركيسيا، وطن يحمل أسماءهم ومتجذّر بهويّتهم. لقد مُحي ما يزيد عن مليون شخص بسبب الموت والنزوح ما أدّى إلى انخفاض مروّع بنسبة 90 ٪ في عدد السكان الشركس في المنطقة. تم اقتلاع مجموعة كاملة من المسلمين تقريبًا من قبل القوّة المسيحيّة الغاشمة، ولم يتمكّن العديد من الضحايا من البقاء على قيد الحياة لفترة كافية لمحاولة عيش حياة جديدة في مواقع جديدة.
  • إذا نظرنا إلى الوراء في الجدول الزمني التاريخي (وغربًا على الخريطة)، نرى إسبانيا التي تمّ تنصيرها تضطهد سكّانها المسلمين خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. كان الإسلام جزءًا من شبه الجزيرة الأيبيرية لمدّة 700 عام عندما أكملت الممالك المسيحية الاسترداد عام 1492 وسيطرت بالكامل على المنطقة. سرعان ما بدأ التعصب الديني في القوّة بطرق تاريخية: فقد تمّ حظر الإسلام وتم فرض التحوّل إلى الكاثوليكية – على الرغم من أنّ الكثيرين حافظوا على المعتقدات والممارسات الإسلامية في الخفاء. استهدف الاستبعاد العدواني اليهود السفارديم أيضًا، ويذكّرنا ذلك بأنّ السكّان اليهود في أيبيريا كانوا أفضل بكثير في ظلّ الحكم الإسلامي ممّا كان عليه الحال في ظلّ الحكم المسيحي. تصاعد التعصّب الديني لدرجة أنّ الانحدار ببساطة من سلالة السكّان المسلمين التاريخيين أصبح سببًا للإزالة. تم طرد الموريسكيين الأصليين (سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين) من إسبانيا بمرسوم رسمي بين 1609-1614 في حملة صليبية للقضاء على جميع الآثار البشريّة للتراث الإسلامي.

من المسلّم به أنّ هذه الحالات قديمة، لكن التاريخ الحديث يجعلنا نشعر بالكثير من اليأس أيضًا. شهدنا في حياتنا حماسة مناضلين مسيحيين يرتكبون فظائع ضدّ المسلمين الأبرياء في العديد من الأحداث.

كمسيحيين، قد نميل إلى الردّ على هذا الدرس التاريخي ببعض الانتقادات: إنّ ارتكاب المسيحيين للعنف لا يمثّل التعاليم المسيحيّة الحقيقيّة؛ لا يمكن لأفعالهم أن تدين نظامًا دينيًا بأكمله. لقد ارتكب المسلمون أيضًا فضائع بحقّ المسيحيين، اضطهاد المسيحيين هو مشكلة رئيسة اليوم.

جوابي هو هذا: أوافق. دائمًا ما تكون حالات العنف المسيحي ضد المسلمين متشابكة في عقدة سياسات الهوية والأيديولوجيات؛ الدين ليس ببساطة المحرّك الوحيد للأفعال (ونحن بحاجة إلى مؤرّخين مفكّرين لمساعدتنا في فرز التعقيدات). يجب أن يُنظر إلى التاريخ في سياقه، ولا يمكننا أن ندع الماضي يملي علينا فهمنا للحاضر. ليس هناك شكّ في أنّ المسيحية القمعية تتعارض مع التعاليم المسيحية، ولا يمكننا التغاضي عن كيفية تمتع المسيحيين بتراث غني من مشاركة العالم بسلام مع الإسلام. أخيرًا، لا يمكن لأيّ شرّ في المسيحية أن يقلّل من قيمة الأخطاء المؤسفة التي يعاني منها المسيحيون والجماعات الأخرى على أيدي العنف الإسلامي. يجب ألا يقلّ اهتمامنا بالمظلومين.

ومع ذلك، لا يمكننا ببساطة تبييض أجزاء من التاريخ المسيحي الملطخة بدماء المسلمين.

يجب على المسيحيين اليوم أن يتعاملوا مع الأحداث المخزية التي ترتكبها المسيحيّة. هذا ما نتوقّعه من المسلمين، أليس كذلك؟ نتحدّى المسلمين لمواجهة تاريخهم الدموي والتفكير في سجل العنف الديني في الإسلام. يمكننا القيام بهذا التمرين المشترك معًا لمصارعة التاريخ الشنيع؟

أعتقد أنّ المسيحيين يهتمون بالتاريخ ومهتمّون بربط أحداث الماضي بتحليل الحاضر، لكنّني أشك في أنّ العيب المزمن هو أنّنا لا نهتم بمعرفة تاريخنا المقلق. أنا قلق من ميلنا إلى مقاومة الفحص النقدي للماضي الإسلامي المسيحي مع الإصرار على التركيز على الروايات التاريخيّة المصممة لتجعلنا نشعر بالرضا عن أنفسنا وديننا. إنّها ليست مشكلة تتعلّق بالجهل بقدر ما تتعلق بالإنكار، والإنكار هو في الواقع شكل من أشكال العنف.

ثمة طرق أفضل للتعامل مع تاريخنا، وهي تتطلّب فحص قلوبنا ووضع الدين في مكانته الصحيحة.

إذا درسنا التاريخ والكتاب المقدّس معًا، ستتضح حقائق مهمّة: الدين مسعى بشري معيب إلى حدّ مأساوي. لا يمكن للقناعة الشخصيّة والمشاعر التقية أن تغيّر حقيقة أنّه ليس هناك دين صالح – ولا حتّى دين واحد. أي ميل مسيحي لإظهار التفوّق الديني يحتاج إلى إلقاء نظرة على التاريخ لرؤية سجّلنا المؤسف من الإفلاس الأخلاقي المتكرّر.

قد يكون التصالح مع الماضي أكثر من مجرّد تمرين أكاديمي ولكنّه نوع من أنواع الانضباط الروحي. قد يساعدنا التذكّر المتواضع للانتهاكات التي ارتكبتها المسيحيّة بروح المزمور 78 في تحويل قولنا من “لم أكن أنا المرتكب، لم أكن هناك” إلى “كيف لا يمكن أن نكون نحن المرتكبين من جديد، كيف لا يمكننا إعادة هذه التجربة مرّة أخرى؟” لا أعتقد أنّ الحلّ هو عالم بلا دين، لكنّنا بالتأكيد سنحسّن طريقة تطويرنا لدين أكثر صدقًا وتأملًا للممارسات الذاتيّة.

إنّ موقفنا الذي يتسم بالصدق المتواضع حيال العنف المسيحي التاريخي ضدّ المسلمين يحرِّرنا عندما نعترف بأنّ الدين لم يكن قط رئيس إيماننا ومكمّله. هذا عمل ربّنا يسوع المسيح، ويمكن للمسيح أن يلهمنا للعمل من أجل روايات تاريخيّة فدائية تثير أسفًا صحيًا ورجاءً. الماضي بداخلنا اليوم، وتذكر التاريخ جيدًا هو جزء من محبّتنا للرّب بكلّ فكرنا – وربما قلوبنا وأرواحنا أيضًا. في خضم تاريخ حزين من العنف المسيحي الإسلامي، دعونا نستغل اللحظة الآن لاحتضان التاريخ الذي يثير تفكيرنا، ويصنع السلام مع الماضي، ويعمّق حبنا لجيراننا المسلمين. قد نكتشف طرقًا إبداعية حتى يكتب الله معنا تاريخًا جديدًا!

برنت هو المسؤول عن برنامح الماجستير في العلوم الدينيّة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة ويتأمّل دائمًا بالماضي لفهم الحاضر (والتمتع برجاء للمستقبل).

اترك رد