رسم الخطوط الفاصلة في صلواتنا في زمن الحرب

لنكن صادقين، للمسيحيّة تاريخ حافل من العنف ضدّ المسلمين
مارس 10, 2022
اللاهوت السياسي في عالمٍ مناهضٍ للدين
مارس 24, 2022

بقلم كيس فان دير كنيف

كنّا جالسين حول الطاولة مع أطفالنا الصغار. وكما جرت العادة كنّا سنباشر وقت الصلاة معًا بعدما انتهينا من تناول العشاء. كان الأطفال في ذلك قد سمعوا شائعات عن اندلاع حرب في اليوم الأوّل من الصراع في أوكرانيا. لم يكن من الصعب عليهم أن يكون هناك موضوع يصلّون من أجله: أوكرانيا. عندما سألت ما إذا كان ينبغي لنا أيضًا أن نصلي من أجل الروس، نظروا لي نظرة حيرة. ربّما لم يكونوا قد سمعوا عن أيّ البلدين من قبل، لكن في ذلك رسموا الخطوط الفاصلة.

في اليوم التالي أجريت محادثة قصيرة مع أحد زملائي في الكليّة. شاركني أن رعاة كنيسته قرّروا الصلاة من أجل أوكرانيا. وهو اقترح الصلاة من أجل السلام بدلاً من ذلك. فكّروا في وجهة نظره، ولكن تقرّر أنّه في الظروف الراهنة الأمر الصحيح الذي يجب فعله هو الصلاة من أجل أوكرانيا. مرّة أخرى هنا، تم رسم الخطوط الفاصلة.

منذ الأيّام الأولى من الحرب وحتّى الآن، تلقيت فعليًا المئات من طلبات الصلاة لأوكرانيا عامّةً ولمجموعات أو أشخاص معيّنين في أوكرانيا على وجه الخصوص. غالبًا ما تكون القصص التي يشاركونها مفجعة ولا شكّ أنّها تستدعي دعوات عاجلة للصلاة. من المؤلم والمفرح في الوقت نفسه أن نقرأ عن كليّات لاهوت مثل كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة والتي تمر بأزمة حادّة أثناء محاولتها القيام بكلّ ما في وسعها لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من حولهم.

وحتّى هنا، يبدو أنّه تمّ رسم خطّ فاصل آخر.

وسط كلّ طلبات الصلاة للأوكرانيين، كانت طلبات الصلاة للروس شبه غائبة أو تم وضعة في نقطة واحدة في أسفل المقال. على ما يبدو، من المفترض أن نصلّي من أجل أوكرانيا وضدّ روسيا. في زمن الحرب نميل إلى رسم خطوط فاصلة ثابتة وواضحة.

بغية تجنّب أيّ سوء فهم محتمل فيما يلي، اسمحوا لي أن أكون واضحًا تمامًا بشأن أمر واحد: ردّ الفعل الوحيد المحتمل على العنف غير المبرّر والفظائع المروّعة التي يرتكبها الجيش الروسي في أوكرانيا هو الرفض القاطع والدعم الأكيد لأوكرانيا. أنا لا أدعو إلى الحياد بأيّ شكلّ من الأشكال. عندما أفكّر في صلواتنا في زمن الحرب، فإن وجهة نظري هي أنّ الخطوط الفاصلة التي نرسمها في صلواتنا لا يمكن أن تكون مطابقة لخطوط المعركة. صلواتنا لا تتوقّف عند أيّ حدود.

من الجيّد أنّه ثمّة من يدركون هذا الانفصال الروحي ويقاومونه بشدّة بالصلاة العابرة لخطوط الصراع. في رأيي، في أوقات كهذه، علينا أن نفكّر مليًا في الطريقة التي نصلّي بها وما نصلي من أجله. في أوقات الأزمات، تظهر تحيزاتنا الخفيّة بشدّة والنقاط التي غالبًا ما نتجاهلها في حياتنا، والصلاة هي من أولى الأماكن التي تظهر فيها هذه التحيّزات والأفكار.

خلال الأسابيع الماضيّة، كنت أفكّر في كيفية الصلاة بشأن الوضع الحالي في العالم. لمن أميل إلى الصلاة من أجله، ومن أميل إلى إقصائه؟ مع من أتعاطف ومن أشيطن؟ أين أرسم خطوطي؟ وهل خطوطي الفاصلة تعبّر عن قلب الله؟

من خلال رسم خطّ فاصل ثابت بين أوكرانيا وروسيا ووصف أحد الجانبين بأنّه جيّد والآخر سيئ، أخشى أنّنا نواجه خطر نسيان عدد من الأمور.

والأهم أنّنا ننسى عددًا لا يُحصى من الروس يعانون من حرب لم يختاروها: أمهات روس يفقدن أبنائهن وبناتهن، والجنود الروس يفقدون مستقبلهم، والأطفال الروس يفقدون لحظات مع آبائهم أو أمهاتهم الذين تم استدعاؤهم بقسوة لتلبية الواجب. وحتّى لحظة كتابة هذه المدوّنة، ثمة آلاف الروس محتجزين في السجون لأنّهم احتجوا علنًا على الحرب. استمعوا إلى زعيم المعارضة نافالني عندما دعاهم: “إذا كان وقف الحرب يتطلّب ملء السجون وعربات الأرز بأنفسنا، فسنملأ السجون وعربات الأرز بأنفسنا“. علاوة على ذلك، ثمّة عدد لا يحصى من الروس الذين لا يريدون الانخراط بالحرب. يخجلون من بلدهم ويخافون مما قد يحمله المستقبل في ظل حكم زعيمهم المتقلّب.

نسمع عن قادة مسيحيين إنجيليين شجعان في روسيا ينشرون رسائل مفتوحة. من خلال كلماتهم، نسمع الصراع الداخلي الشديد: ما الذي يجب علينا فعله في الظروف الحالية؟ لا قدر الله أن ننسى كلّ هؤلاء الناس في صلواتنا في زمن الحرب.

بالإضافة إلى الميل لنسيان كلّ هؤلاء الأشخاص الذين يتألّمون، شعرت أيضًا أنني لا أعرف حقًا ما الذي أصلي من أجله فيما يتعلق بنتيجة الحرب. الدعاء من أجل حماية الله للشعب الأوكراني يؤدّي بسهولة بالصلاة من أجل خسائر روسيّة فادحة. هل أنا مدعو للصلاة من أجل انتصار طرف على الآخر؟ التاريخ مليء بأمثلة لجنود مسيحيين على جانبي جبهة الحرب يصلّون من أجل النصر: “كلاهما يقرأ الكتاب المقدس نفسه ويصلّي لنفس الإله، وكلّ منهما يستدعي مساعدته ضدّ الآخر.” إلى أي مدى نركّز على هذه الصلوات؟ أو إذا كنت أصلي من أجل السلام، فهل أعرف حقًا ما الذي أصلّي من أجله؟ بالطبع، أصلي من أجل إنهاء العنف. لكن ماذا بعد ذلك؟ هل يجب على الطرفين العودة إلى ما وراء حدودهما السابقة ومحاولة التظاهر بأنّ شيئًا لم يكن؟ أعتقد أنّ السلام هو أكثر من مجرّد غياب العنف. الحياة السلمية هي أكثر من التعايش غير العنيف. لكن في هذه الحالة، كيف يمكن أن يبدو السلام؟ عندما أصلّي من أجل السلام بالمعنى الكتابي الشامل “شالوم”، لست بحاجة لملء التفاصيل. سوف يكمّل الروح ما لا أعرفه أو أفهمه (رومية 8:26). وقد أثبت إلهنا عظمة قدرته على النهوض بالازدهار من بؤرة الانكسار وإعطاء الجمال بدل الرماد.

في هذه الأوقات، ووسط كلّ هذه التأمّلات، تذكّرت اقتباسًا من فاتسلاف هافيل ترك انطباعًا عميقًا لدي في يوم من الأيام. أصبح هافل أوّل رئيس لتشيكوسلوفاكيا في عام 1989 ولاحقًا لجمهورية التشيك حتى عام 2003. لقد عانى آنفًا من السجن لسنوات في ظلّ النظام الشيوعي. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، رفض هافيل رسم الخط الذي توقّعه الجميع أن يرسمه. “الخط [فصل الخير عن الشر] لم يكن يسير بوضوح بين” هم “و” نحن “، ولكن من خلال كلّ شخص.” هذا الاقتباس قوي ويثير ملاحظات مماثلة للروائي الروسي العظيم ألكسندر سولجينتسين، الذي عانى أيضًا في ظلّ نظام سوفيتي قمعي:

“الخط الفاصل بين الخير والشر لا يمرّ عبر الدول، ولا بين الطبقات، ولا بين الأحزاب السياسية أيضًا – ولكن من خلال كلّ قلب بشري … حتّى داخل القلوب التي يغمرها الشر، ثمة بداية طريق صغير يؤدّي للخير. وحتّى في أفضل القلوب، لا يزال هناك … ركن صغير من الشر”.

تعلّمني كلمات واقعيّة كهذه لرجلين شجاعين أنّ الصلاة في زمن الحرب تتطلب تواضعًا عميقًا. ثمة الكثير الذي لا أفهمه. أنا أميل إلى التغاضي عن الكثير من الألم. ثمة الكثير من الجدران التي لا تزال بحاجة أن تُهدَم. ما زلت غير متأكد من إلامَ وكيف أصلّي. لكن يمكنني على الأقل أن أصلّي لله أن يتحوّل هذا الخط من قلبي باستمرار إلى الاتجاه الصحيح. هذا هو أفضل علاج أعرفه لعدم رسم كل تلك الخطوط الأخرى في صلاتي في الأماكن الخطأ.

كيس يصارع أيضًا للعثور على كلمات مناسبة عند الصلاة في الأوقات المربكة. وهو لاهوتي من هولندا يدرّس في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

اترك رد