اللاهوت السياسي في عالمٍ مناهضٍ للدين

رسم الخطوط الفاصلة في صلواتنا في زمن الحرب
مارس 17, 2022
حتّى الأمّهات الخارقات يحتجن إلى دعم متين
مارس 31, 2022

بقلم مرتان عقّاد

كثيرون اليوم غاضبون من الدين، أو على الأقل خاب أملهم فيه. ربّما لأنّ الكثير من العنف يُمارس باسم الله. في هذه المنطقة من العالم أي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ظهر الغضب وخيبة الأمل في ما يُسمّى باحتجاجات “الربيع العربي” التي بدأت نهاية عام 2010 تقريبًا، وشقّت طريقها كعاصفة أمل جديد هبّت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. على الرغم من أنّ المظاهرات الأولى لم تحمل نفحة واضحة من العداء للدين، إلّا أنّها كانت في غالبيتها مناهضة للسلطوية ومعادية للنظام المؤسسي. ومع احتدام موجة الغضب الشعبي، بدأ الباحثون والخبراء في الكشف عن حركة متنامية وجريئة من الإلحاد تشق طريقها عبر صفوف الشباب العربي. لقد اختارت الأنظمة الاستبدادية الدين، والمؤسسة الدينيّة – الإسلاميّة والمسيحيّة على حدّ سواء – اختارت الالتصاق بالديكتاتوريين السياسيين عبر التاريخ لدرجة أنّ هذا الزواج الشيطاني كان لا بدّ له من أن يصل إلى ذروته عاجلاً أم آجلاً.

مع توسّع بقعة احتجاجات الربيع العربي وامتدادها إلى سوريا في عام 2012، أدّت الفوضى الناتجة في عنها إلى خلق فراغ لداعش في العراق وسوريا ليتوسّع انتشارها هناك في صيف عام 2014. بدأ السلوك الإجرامي للمجموعة في إحداث فوضى في الأوساط الإسلاميّة التقليديّة. فرض تبرير داعش لأفعالهم على أساس القرآن والنصوص الإسلاميّة الأخرى بعض التحديّات التفسيريّة غير المسبوقة للفهم التقليدي لهذه النصوص فما كان على دوائر القيادة الدينيّة سوى معالجتها – وبعضها للمرّة الأولى في سياق كهذا. ينعكس العار والإحراج الذي شعر به العالم الإسلامي في وفرة وثائق التبرير الذاتي التي ظهرت خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى من ظاهرة داعش. وفقًا لتقديري إنّ داعش وجّه الضربة القاضية إلى نوعٍ من الاستبداد الإسلامي التقليدي الذي سيطر على المجتمعات الإسلاميّة لقرون.

في الغرب، وعلى الجانب المسيحي، يمكنني القول أنّ ظاهرة مماثلة ظهرت نتيجة للسياسة التي يُشار إليها الآن على نطاق واسع باسم “الترامبيّة” نسبةً إبى ترامب، سواء في داخل الولايات المتّحدة أو في خارجها. تشير الدراسات إلى أنّ خيبة أمل الشباب تجاه ظاهرة الإنجيليّة المسيّسة قد تكون وصلت إلى أعلى مستوياتها اليوم.

يتم التعبير عن الغضب تجاه الدين بعدّة طرق. البعض يغضب من الله بسبب كلّ المعاناة التي يرونها. يُشار إلى هذه الأزمة عادةً باسم ثيوديسيا (نظرية العدالة الإلهيّة): “تبرير حدوث أمور سيّئة للأشخاص الصالحين؟” غير أنّ هذه المدوّنة ليست حول الثيوديسيا. يتزايد عدد الناس الغاضبين من الدّين في أيّامنا هذه في مظاهره السياسيّة المختلفة وبسببها: الطائفيّة، الإكليروسيّة السياسيّة، والاستبداد الديني. إذا لم تكن غاضبًا من الدين بعد، فربّما حان الوقت لذلك!

كيف ننخرط إذًا في اللاهوت السياسي في عالم كهذا – عالم مبغض لله؟ أو ربّما ينبغي أن نطلق على هذه الظاهرة البغض تجاه الدين – عالم مبغض للدين؟

في لبنان، هيمنت نزعة البغض للدين على الخطاب السائد والشعارات الشعبيّة في نسختنا الخاصّة من الربيع العربي – ثورة 17 تشرين، التي اندلعت في عام 2019 بسبب تدهور جميع المؤسسات الوطنيّة وإخضاعها تحت وطأة سياسات الفساد والزبائنية وسلوكياتها التي تمارسها طبقة سياسية كليبتوقراطية يستخدم قادتها الفاسدون السلطة السياسيّة للاستيلاء على ثروة الشعب. الناس في المجتمعات الجماعيّة – بالتحديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – متمسّكون بشدّة بإيمانهم بوجود الله. لذلك، من الأفضل وصف ما نشهده بأنه بغض للدين وليس لله. ما هو مصير اللاهوت السياسي في بيئة كهذه؟

في 4 آب / أغسطس 2020، تجلّى تفكّك الدولة اللبنانيّة بصورة استثنائيّة في انفجار مرفأ بيروت، وهو أكبر جريمة مأساويّة في تاريخ لبنان ترتكبها طبقة سياسيّة بأكملها ضدّ شعبها، وكان ذروة تاريخ طويل من الإفلات من العقاب والعنف المتأصّل. منذ الرابع من آب (أغسطس)، أخذت مسيرتي المهنيّة منعطفًا جديدًا. على الرغم من أنّ العمل في الحوار بين الأديان، الذي استثمرت فيه 19 عامًا من حياتي، سيستمر في لعب دور مهم في إحداث التغيير الاجتماعي، إلّا أنّه وفقًا لخبرتي فيه هو أقلّ فاعلية في قدرته على تحقيق تغيير سياسي عميق. معظم القادة الدينيين موالون أولًا للتسلسل الهرمي الديني، والذي غالبًا ما يتمّ تجنيده من قبل التيّار السياسي السائد. لن يقدّم هؤلاء القادة القيادة السياسيّة النبويّة المطلوبة في بلدٍ مثل لبنان. في هذه المرحلة من تاريخ لبنان، قرّرت إعادة استثمار الكثير من طاقتي في النشاط السياسي على المدى القصير، وفي الاستكشاف الشفائي لتاريخنا الطويل من العنف على المدى الطويل. بالنسبة لي، يمثّل هذا امتدادًا طبيعيًا لرحلتي في اللاهوت السياسي كتعبير عن انخراطي في الشأن العام.

بدأت هذه المسيرة استقرائيًا حيث أن دعوتي للانخراط في الشأن العام تحفّزني على البحث عن إطار كتابي للسياسة بدلاً من القناعات اللاهوتية التي تقودني لأن أكون ناشطًا. إذًا، ما هو لاهوت الشأن العام؟ أو قد يكون السؤال الأفضل: هل يمكن أن يكون للاهوت غير منخرط في الشأن العام؟ هل يجب أن يكون كذلك؟ إذا لم يكن اللاهوت منخرطًا بالشأن العام، فمن يخدم، علمًا أنّ لاهوت الشأن العام يجب أن يكون جزءًا من رسالة الكنيسة، والإرسالية دائمًا ما تكون متوجّهة نحو الخارج؟

أود أن أقول أنّ لاهوت الشأن العام هو بطبيعة الحال لاهوت سياسي، حيث مصطلح “سياسي” يُفهم على أنّه الترتيب الشامل للحياة اليوميّة. فمن هذا المنطلق يحدّد اللاهوت السياسي إطار العمل السياسي للمسيحيّة. بعبارة أخرى، حتّى عندما نصلّي للآب ويسوع، “ليأتِ ملكوتك في السماء كذلك على الأرض”، فإنّ رجاءنا لملكوت الله وتوقعنا للعدالة والسلام يشكّلان تفسيراتنا السياسيّة ورسالتنا في المجتمع والعالم.

عندما نقرأ العهد الجديد، ليس من الصعب الاقتناع بأنّ رسالة يسوع وتأثير حياته، كما نقلها إلينا المسيحّيون الأوائل، كانا سياسيين بالتمام. لقد غيّرا المجتمعات بصورة جذريّة في ذلك الوقت لدرجة أنّهما أصبحا لحظة مفصليّة للتاريخ نفسه، ونقطة تحوّل تمّ التعبير عنها بتعبيري “قبل المسيح” و “بعد المسيح”. ما يبقى موضع تساؤل ليس ما إذا كان ينبغي النظر إلى دعوة المسيح على أنّها سياسية، ولكن ما إذا كنّا سننخرط في اللاهوت السياسي الجيّد أو في اللاهوت السياسي السيئ. وبالتالي، فإنّ الممارسة التي تجعل الكثيرين اليوم يخجلون من تكامل السياسة واللاهوت ما هي إلّا مظهر من مظاهر اللاهوت السياسي السيئ وليس حجّة للفصل بين الاثنين.

صليب المسيح هو جوهر الإنجيل الذي سُلِّمّ لنا. وهو أعظم التصريحات السياسيّة ضدّ إساءة استخدام البشر للسلطة التي تحوّل العدالة والسلام محطّ سخرية. إنّ كلّ إعلان للإنجيل يخفق في المساهمة بفعاليّة في إقامة العدل وتعزيز السلام هو صورة زائفة لإعلان المسيح. إنّ الصليب في ضعفه الظاهر هو أقوى نقد سياسي وأساس رجائنا في سياسة الحرية. إنّ ذكرى المصلوب، التي نتذكّرها بلا كلل في الإفخارستيا والممثّلة بشغف في أيقونات الكنيسة، هي التي تُلهِم لاهوتنا السياسي.

كيف إذًا ننخرط في اللاهوت السياسي في عالم مناهض للدين؟ نحن نفعل ذلك متشبّهين بالمسيح، مستنكرين نبويًا الطغاة الذين يضعون الدين تحت ستار الطائفيّة السياسية. في لبنان، على سبيل المثال، إنّ الادعاء بأنّ الطائفيّة السياسيّة هي ضمان بقاء المسيحية هو بحدّ ذاته مجازفة لزوال الوجود المسيحي التاريخي في المنطقة.

إنّ بذل الذات في الصليب يبطل سوء استخدام السلطة السياسيّة لخدمة المصالح الشخصيّة. حين ينخرط الرجال والنساء المثاليون في السياسة، فإنهم غالبًا ما يقعون فريسة لفخ تخليد النفس سياسيًا. تستعيد رسالة الصليب السلطة لخدمة الصالح العام، وتحيّدها بعيدًا عن ميلها إلى تخليد نفسها. إنّه الهدف النهائي للقيادة الخادمة.

لم يمر الوضع الحرج لشهادة الكنيسة في الشرق الأوسط اليوم مرور الكرام على اللاهوتيين والمفكّرين في المنطقة. في الآونة الأخيرة (سبتمبر/أيلول 2021)، نشرت مجموعة من اللاهوتيين العرب وثيقة شيّقة تحثنا فكرنا بعنوان “نختار الحياة: المسيحيون في الشرق الأوسط: نحو خيارات لاهوتية واجتماعية وسياسيّة متجدّدة“. إنّها أشبه ببيان سياسي يدعو الكنيسة في الشرق الأوسط إلى تبني إطار متجدّد للاهوت الشأن العام. إنّها تفعل ذلك بروح التواضع والاعتراف بإخفاقات الماضي، وتعيد تأكيد رسالة الكنيسة كخدمة للبشريّة، وتجديد مؤسسي مستدام، وتدعو لاستعادة الشهادة كحضور فعّال لتجديد مجتمعاتنا وخلاصها. إنّها تعبّر عن هذه الدعوة من خلال الصورة المؤثّرة والراديكاليّة لتبنّي “ثقافة الحياة” ورفض “ثقافة الموت” التي هيمنت في كثير من الأحيان على انخراط الكنيسة مع المجتمع والآخر من خلفية دينيّة مختلفة.

أعتقد أنّ مجتمعاتنا اليوم في حاجة ماسّة إلى لاهوت سياسي مناسب، والذي سيحفّز إطاره أتباع المسيح في كلّ مكان على الالتزام بالانخراط في الشأن العام الذي يعزّز قضية العدالة والسلام والحريّة في جميع مجالات السياسة الاجتماعية والبيئيّة.

مرتان هو أستاذ مساعد في الدراسات الإسلاميّة في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة ويدير مجموعة بحث تحمل اسم Action Research Associates.

اترك رد