هل يجب أن يقترع المؤمن الأمين في الانتخابات اللبنانية (أو أي انتخابات أخرى)؟

حوّلوا أعينكم إلى يسوع، لتتلاشى معه ألوان حدودنا الوطنيّة
مايو 5, 2022
عالقون في الانقسام الروحاني الأكاديمي؟
مايو 19, 2022

بقلم نبيل حبيبي

بعد سلسلة سنوات صعبة جلبت معها الانهيار الاقتصادي وانفجار مرفأ بيروت وتداعياته وتزايد في عدم الاستقرار الوطني، تحظى الانتخابات النيابيّة اللبنانيّة هذا الأحد بأهميّة كبيرة. هل سيتم تجديد الثقة للأحزاب الحاكمة التقليديّة والتي قادت لبنان إلى هذا القعر؟ هل ستتمكّن حركات التغيير والمستقلّين من الفوز بمقاعد نيابيّة؟ ماذا سيحلّ بالبلد بعد الانتخابات عندما تمرّ حماسة العمليّة الديموقراطية؟ من الصعب التنبّؤ بالأمر في بلد يتأرجح بين توقعات الفوضى وخيبة الأمل بأنظمة فاسدة. وثمّة كثير من المسيحيين يفكرون بمقاربتهم لهذه الانتخابات (أو أيّ انتخابات) ومدى أمانتها.

حللت ضيفًا الخميس الفائت على برنامج صباحي أسبوعي على أثير إحدى الإذاعات للإجابة على أسئلة لاهوتيّة وبيبليّة (كتابيّة). وسألتني المذيعة عن واجبنا المسيحي في الانتخابات. انتقيت كلماتي بعناية (كما أفعل الآن في كتابة هذا المنشور). وكان موقفي هو التالي: شخصيًا سأشارك في الانتخابات. سأدلي بصوتي لحركات معارضة علمانيّة في سعيي للعدالة والتغيير. ولكن، وهي “لكن” كبيرة، ليس من وصيّة بيبلية أو لاهوتيّة تفرض على المسيحيين الاقتراع.

حاججتني المذيعة فلا شكّ أنّها تفاجأت من إجابتي. لا بدّ أنّها توقّعت أنّه في ضوء تاريخي في النشاط السياسي سأقدّم خطبة طويلة وحماسيّة عن واجب كلّ مواطن مسيحي صالح بأن يصوّت للتغيير. فهي تربّت معي في الدوائر الإنجيلية اللبنانيّة نفسها حيث الرأي السائد بصورة عامّة هو أنّ المسيحي يجب أن يكون مواطنًا صالحًا، وجزء من مسؤوليته الوطنيّة هي الاقتراع في الانتخابات.

دعوني أوضح أمرًا. أعتقد أنّ النظام الحالي الحاكم تصرّف بعبثيّة وإجرام تجاه شعب هذا البلد لبنانيين ونازحين وغيرهم من الأجانب. وأؤمن بشدّة بأنّه يجب أن نحاول أن نزيلهم من السلطة بالاقتراع. غير أنّني أدرك أنّ هذا الأمر ليس بالوصيّة المسيحية؛ ثمّة تراث بيبليّ ولاهوتي غني يدفع المسيحيين لعدم الاقتراع أو المشاركة في الحياة السياسيّة الفوضويّة في بلد إقامتهم. مع أنّني لا أنتمي لهذا الفكر ولكنّني أدرك أحقيّة وجوده.

تؤكّد كتبنا المقدّسة باستمرار أنّنا ننتمي لملكوت جديد يسمو فوق الحدود والتقسيمات السياسيّة. جنسيتنا سماويّة. لا بلّ تدعونا أجزاء من تقاليد العهد الجديد لقبول الحكّام الحاليين والصلاة لأجلهم والسعي للتغيير من خلال الشهادة الأمينة للإنجيل والعيش وفقًا لمبادئه وليس النشاط السياسي المباشر (أنظر مثلا 1 بطرس 2: 13-17).

لا يعني هذا بتاتًا أنّ هذا هو الموقف الوحيد الممكن من الإمبراطورية. لقد حاججت آنفًا عبر هذا المنبر أنّ العهد الجديد يقدّم طائفة من ردّات الفعل للشأن العام. واختيار عدم المشاركة في الحياة السياسيّة هو بحدّ ذاته موقف سياسي! وهو موقف كتابي ممكن الدفاع عنه. لا نكون أمناء لكتبنا المقدّسة إذا قلنا لكنائسنا بأنّه من واجبنا الكتابي أن نقترع.

من الواضح أنّ واجبنا الكتابي هو الأمانة للإنجيل، الأخبار السارة ليسوع المسيح. الله افتتح الخليقة الجديدة في المسيّا. الله يعمل أمرًا جديدًا في العالم ويوحّد السماء بالأرض في شخص يسوع. ونحن ننضمّ لهذه الخطة الإلهيّة الرائعة ككنيسة ونسعى نحو العدل والرحمة، ونحيا حياة الخدمة وغسل الأرجل لبعضنا البعض ومجتمعنا والعالم.

غير أنّ طريقة فعل هذا تختلف من فرد لآخر ومن مجتمع إيمان لآخر، وفقًا للظروف. أنا أختار أن أسعى للعدالة من خلال الاقتراع. أنت قد تختار السعي للعدالة من خلال أعمال الرحمة في مجتمعك المحليّ. الموقفان ليسا في تناقض ولا يمنع الأوّل إمكانية الآخر وليس أحدهما أفضل من الآخر. المفتاح للمعضلة هو الأمانة للإنجيل. هل أعمالي وأعمالنا توسّع تخوم الملكوت؟ هل تمجّد الله؟ يجب أن نتصارع مع هذه الأسئلة كمجتمع وأفراد في مسيرنا على طريق الإيمان.

وأودّ هنا أن أقدّم ملاحظة جانبيّة وهي أنّه عدا عن التعقيدات اللاهوتية للمسألة ثمة أنظمة ديمقراطية وانتخابية مختلفة، وكلّ نظام قد يتطلّب أسئلة لاهوتيّة مختلفة. إذًا، ليست المسألة فقط موقفًا لاهوتيًا أتّخذه ولكن أيضًا أنظمة مختلفة (ولحظات سياسيّة متنقلة) تقود أفعالي. قد أشعر بارتياح للتصويت في وقت ما وثمّ لا أقترع في موقف آخر. لاهوتنا ممارسة وهذا يتطلّب منّا مرونة ما، ومن الجيّد أن نقوم باستمرار بفحص مواقفنا اللاهوتية وأن “نقترع للتغيير” عندما نشعر بإلهام ما.

هل يحثّك ضميرك على الاعتكاف عن الاقتراع؟ هذا مقبول. ثمة تراث مسيحي غني اختار عبر العصور أن ينسحب عن الاشتراك في أنظمة سياسية فاسدة ومارس الأعمال الكنسيّة بتواضع ورحمة للجميع. جزء من كنيسة الأنابابتيتست يرفض الاشتراك بالحياة السياسيّة. هل يدفعك ضميرك للاقتراع؟ رائع! ثمة تراث مسيحي غني اختار عبر العصور أن ينخرط بالسياسة المحليّة للدفاع عن المهمّشين والمظلومين. وأذكر هنا المثال الشهير لويليام ويلبرفورس (1759 – 1833) والذي  قاد “الحملة لإلغاء تجارة الرق البريطانيّة في البرلمان لعشرين عامًا حتّى إقرار قانون تجارة الرق في 1807.”

كيف نقارب إذًا الإنتخابات اللبنانيّة المهمّة كمجتمع إيمان؟

دعونا نعلم أنّه قبل الانتخابات وخلالها وبعدها يسوع هو ربّ.

دعونا ننتبه أن تكون فلسفاتنا السياسيّة، سواء قادتنا للاشتراك المباشر أو الاعتكاف الواعي، منحازة للفقراء والنازحين والمظلومين، وليست منحازة للسلطة أو المال أو الحفاظ على مكتسبات في النظام الفاسد.

دعونا نبتعد عن تصديق خياراتنا السياسيّة بأختام بيبليّة ولاهوتيّة. المسيحي الأمين يقترع. المسيحي الأمين قد يعتكف أيضًا عن الاقتراع. تراثنا البيبليّ واللاهوتي منزل كبير يتّسع للموقفين.

غير أنّ في كلّ الأوقات والأمكنة التابع الأمين لطريق المسيح يختار العدالة والرحمة. هذا هو الحق الذي يقودنا يوم الانتخابات وما بعده في كلّ أيّام حياتنا.

يا ربّ، ارحم لبنان وشعبه – لبنانيين ونازحين وعمّال أجانب.

يا ربّ، قوِّ كنيستك لكي تكون في كلّ ما تقوله وتفعله أيادي يسوع وأرجله بقوّة الروح القدس وبحسب المحبّة الكاملة للآب في هذا العالم المكسور والتّعب.

يا رب إرحم.

نبيل حبيبي محاضر في دراسات العهد الجديد في كليّة اللاهوت المعمدانية وهو ناشط سياسي ضمن حركات المعارضة العلمانيّة.

 

اترك رد