انتهت الانتخابات النيابيّة. وهلأ لوين؟

عالقون في الانقسام الروحاني الأكاديمي؟
مايو 19, 2022
أبو عاقلة و الآخر الديني
يونيو 2, 2022

بقلم وسام نصرالله

انتهى موسم الانتخابات في لبنان حينما ذهب المواطنون إلى صناديق الاقتراع في 15 أيار/مايو، ويا لها من تعويذة مرهقة فكريًا وعاطفيًا. بالإضافة إلى الهجوم البصري لوجوه المرشحين وعيونهم الشاخصة نحونا عبر اللوحات الإعلانيّة الضخمة وشعاراتهم المبتذلة عليها، شعرت بالثقل من الإحساس بأنّنا قد لا نرى التغييرات التي بلادنا أمسّ الحاجة إليها. الوضع السياسي الراهن كارثيًا، ومع ذلك لم أستطع فهم ما هي الكارثة الأخرى التي يجب أن تحدث لتحفيز التغيير المستدام في هذا البلد. الانهيار المصرفي والمالي؟ المستويات التاريخية للتضخم المفرط؟ انتشار الفقر؟ الهجرة الجماعيّة؟ أكبر انفجار لا نووي في التاريخ في قلب بيروت؟ ما الذي نحتاجه أكثر لحثّنا على التغيير؟

بينما كنت أتصفّح نتائج الانتخابات بدقّة، أدركت أنّ الأمور قد اهتزت. يبدو الآن أنّ متلازمة ستوكهولم التي ابتلينا بها كشعب لسنوات عديدة بدأت تتلاشى. ربّما استغرق الأمر كلّ ما سبق ذكره للوصول إلى هذه اللحظة. أن تأتي متأخرًا أفضل من ألّا تأتي أبدًا. (يمكنك قراءة المزيد عن الانتخابات هنا).

مع أخذ ذلك في الاعتبار لقد كنت طوال الانتخابات اللبنانيّة، أسأل نفسي كيف يجب علينا، كأتباع للمسيح، أن نتعامل بمسؤولية وأمانة مع السياسة والشأن العام. كيف نمضي قدمًا بعد فرز الاصوات وهدوء زوبعة الغبار الديموقراطي؟ هل ثمة نهج مسيحي للانخراط في السياسة؟

قبل معالجة هذه الأسئلة، نحتاج إلى تحديد السياسة بعيدًا عن التحزب الأعمى وصراعات السلطة. يعرّف اللاهوتي السياسي لوك براذرن السياسة على أنّها “التفاوض على حياة مشتركة وسط الخلاف والحاجة إلى صبر أغوار عدم تناسق السلطة وتحويله“. بعبارة أخرى، تدور السياسة أساسًا حول كيفية اجتماع مجموعة من الأشخاص معًا لوضع القواعد وتطبيقها وتغييرها – عند الحاجة – التي تنظّم الحياة داخل المجتمع وتحكمها. لذلك، يمكن للسياسة في جوهرها أن تكون أداة قويّة لازدهار الإنسان.

على مرّ التاريخ، اعتمد المسيحيون مناهج مختلفة في التعامل مع الحياة العامّة. أرى في لبنان ثلاث فئات من المشاركة المسيحيّة في الشأن العام، والتي أشير إليها بثلاثة اختصاصات أخصائيي الأشعة والممرضات والجراحين.

تتألف المجموعة الأولى من الإنجيليين الذين تبنّوا عقلية السبي التي تحثّ على “طلب المدينة العتيدة” (عبرانيين 14:13). غالبًا ما يُترجم هذا بالحدّ الأدنى من الانخراط في السياسة، وهو أمر يُنظر إليه على التي تُعتبر فاسدة وقذرة. ونتيجة لذلك، فإنّهم يحدّون نظرتهم للحكومة والمشاركة في الحياة العامة بتصريحات بولس المتطرّفة في رومية ١٣: الخضوع للسلطات وفعل الخير خوفًا من العقاب ومن أجل ضميرك. بعبارة أخرى، ينصب تركيزهم على السعي للحفاظ على “سيرتهم الحسنة بين الأمم” (بطرس الأولى 2: 11). علاوة على ذلك، يجادل البعض بأنه نظرًا لأن المشاركة السياسية لا تقود شخصًا ما إلى الإيمان بالمسيح ، فلا ينبغي أن تكون أولويّة قصوى. نظرًا لأنهم يميلون إلى تقديم تشخيص جيد للمشاكل المحيطة بنا ولكنّهم لا يفعلون سوى القليل لعلاجها، أحب أن أنظر إلى هذه المجموعة كأخصائيي أشعّة.

المجموعة الثانية، التي أشير إليها تحت مسمّى الممرّضات، حاولت تجاوز الفردية لتطبيق الوصيّة المسيحيّة باغتنام الفرصة “لفعل الخير للجميع” (غلاطية 6 :10) من خلال تضميد جروح المجتمع من خلال أعمال العدال والرحمة. هذا ما يسميه كثيرون “السعي وراء الخير العام”. فلقد أمر النبي إرميا المسبيين في بابل “اطْلُبُوا سَلاَمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي سَبَيْتُكُمْ إِلَيْهَا، وَصَلُّوا لأَجْلِهَا إِلَى الرَّبِّ” (إرميا 29: 7).

المجموعة الثالثة يأخذ انخراطها خطوة إلى الأمام من خلال تشجيع النشاط المسيحي لتغيير الهياكل الاجتماعية غير العادلة. فعلى غرار الجراحين، يسعون إلى معالجة الأسباب الجذرية بدلاً من مجرّد تضميد الجروح. وهذا يشمل خطوات مثل الضغط، وتنظيم الحملات، والتظاهر، والجدال، وحتّى الترشح لمنصب. منطقهم هو: نظرًا لأنّ الكنيسة الأولى لم تتح لها الفرصة لانتخاب ممثلين أو للمطالبة بالمساءلة من أولئك الذين في السلطة (على غرار العديد من العرب اليوم)، يجب أن نبحث عن جميع الوسائل القانونية المتاحة لنا لإحداث التغيير. حتّى بولس عمل ضمن النظام السياسي والقانوني في عصره من خلال التنقل بمهارة عبر الوقائع السياسية المحلية المختلفة. على سبيل المثال، عندما وجّهت إليه تهمة إثارة الفتنة، مارس حقّه في الاستئناف أمام قيصر كمواطن روماني (أعمال الرسل 25 :10). علاوة على ذلك، ثمة أمثلة عديدة في الكتاب المقدّس عن العصيان المدني عندما تتعارض شريعة الإنسان مع شريعة الله (خروج 1، دانيال 3، أعمال الرسل 5).

بصفتنا أتباع المسيح، فإنّ التحدي الذي نواجهه هو أن نميّز أيّ نهج يجب أن نتبناه وكيف نطبّقه: “لكلّ شيء زمان” (جامعة 3: 1)، ثمة وقت للانسحاب ووقت للانخراط. وقت للكلام ووقت للعمل بصمت.

ومع ذلك، بغضّ النظر عن الموسم أو النظام السياسي المعمول به، كمسيحيين، من واجبنا أن نكون ملحًا ونورًا. على الرغم من أنّنا لا يجب أن نتوافق مع نموذج هذا العالم (رومية 12: 2)، إلّا أنّه يجب على نورنا أن يخترق الظلام.

قد يجادل الكثيرون بأنّ الانخراط في السياسة أسهل بالنسبة للمسيحيين الذين يعيشون في الديمقراطيات الليبرالية مقارنة بالمسيحيين في العالم العربي. في حين أنّ هذا صحيح في كثير من النواحي، إلّا أنّني ألاحظ كيف تؤدي أمور مثل وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة الإلغاء واستبداد الصواب السياسي إلى تآكل الرأي العام في البلدان الديمقراطية وشبه الديمقراطية مثل لبنان.

نميل إلى حبس أنفسنا داخل غرف يتردّد فيها صدى أصوات أشخاص يشابهوننا في التفكير ويعزّزون معتقداتنا (أو قناعاتنا أو أيديولوجياتنا) بدلاً من تحديها. لهذا السبب نظهر وكأنّنا نصرخ بوجه الآخرين من لوحات مفاتيح أجهزتنا بدلاً من الانخراط في مداولات صحيّة. هذه مشكلة خطيرة لأنّه في السياسة السليمة، فإنّ المداولات ليست ترفيهيّة ولكنّها ضروريّة للتوصل إلى إجماع وموافقة تؤدّي في النهاية إلى الحوكمة. ربّما إذا وضعنا مطارقنا جانبًا فإنّنا سنتوقّف عن رؤية المسامير في كلّ مكان.

كمسيحيين، لا ينبغي أن يكون الانخراط في السياسة بدافع الانتقام أو استنادًا إلى منافعنا الخاصّة، بل بالأحرى يجب أن يكون تصرّف نابع من الرغبة في “خدمة بعضنا البعض بتواضع في المحبة” (غلاطية 5 :13). يجب أن “نتكلّم باسم أولئك الذين لا يستطيعون التحدث عن أنفسهم، من أجل حقوق جميع المعوزين (أمثال 31: 8).

كما يظهر التاريخ، فإنّ المؤمنين الذين لديهم التزام عميق بالعدالة والرحمة – مثل ويليام ويلبرفورس وديتريش بونهوفر ومارتن لوثر كينج جونيور وديزموند توتو – قدّموا الكثير للشأن العامة والصالح العام. لذلك، يجب أن تكون مشاركتنا للأسباب الصحيحة: محبّة الله ومحبّة القريب.

في النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أنّ الله له السيادة على الأحداث والسيطرة عليها، سواء في نظام طائفي فاسد أو في ديمقراطية ليبرالية. سواء أحببنا أولئك الذين انتخبهم الشعب أم لا.

يقول جون بايبر، في ختام عظة من رومية ١٣:

“نحن أهل الصليب. استسلم ربّنا للصلب طوعا ليخلّص أعداءه. نحن مدينون له بحياتنا الأبديّة. نحن خطاة غُفرت خطاياهم. هذا يزيل التباهي من احتجاجاتنا. إنّه يخرج الغطرسة خارج مقاومتنا. وإذا، بعد فشل كلّ الوسائل الأخرى، يجب علينا العصيان من أجل المحبّة والعدالة، فسنقوم أولاً بإزالة الخشبة من أعيننا، مما سيسبب ما يكفي من الألم والدموع لتخفيف سخطنا إلى لا هادئة متواضعة، ولكن لا تتزعزع. أعظم معركة نواجهها ليست التغلب على القوانين الظالمة، بل أن نصبح هذا النوع من الناس”.

بغضّ النظر عن كيف ستجري السلطة السياسية بعد الانتخابات في لبنان، وبغض النظر عما ستقدّمه الولاية القادمة للشعب في هذا البلد، ليخرج أتباع المسيح في عالم سياسي كالملح والنور. قد يُزعج ذلك الناس من حولنا (لا سيّما أولئك الذين يتمتعون بالسلطة)، لكنّه سيضعنا أيضًا في لبّ قيم تقليد إيماني نابض بالحياة ومتأصّل في الكتاب المقدس.

وسام هو مدير العمليات للجمعيّة اللبنانيّة للإنماء التربوي والاجتماعي. شغفه أن يرى المسيحيين الأمناء يغيّرون مجتمعاتهم من أجل محبّة الله ومحبّة القريب.

اترك رد