الخدمة مقابل الجلوس عند قدمي يسوع: في خضم عمل الخير هل يفوتنا الأفضل؟

“في المسيح” في خضم الأزمة: دروس من بولس الرسول
يونيو 16, 2022

بقلم داستن ألينجتون

أرغب في مشاركة قصّة حول محادثة دارت وأنا جالس حول طاولة في زامبيا مع طلّاب من العديد من بلدان جنوب إفريقيا. (قبل تعييني مؤخرًا كعضو في الطاقم التعليمي لكلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، كنت محاضرًا في دراسات العهد الجديد في جامعة Justo Mwale في زامبيا لمدة اثني عشر عامًا.) كنّا نناقش قصّة زيارة يسوع لمنزل مريم ومرتا (لوقا ١٠: ٣٨- 42). يثير هذا النّص محادثة حول نوع الحياة التي يدعونا يسوع إليها: حياة تأمل، الجلوس عند قدمي يسوع مثل مريم؛ أو حياة الخدمة والعمل، كما خدمت مرتا يسوع، وكما تجسّد القصص الأخرى في السياق الأدبي الأوسع للوقا 10.

لاحظت أنا والطلاب مريم جالسة عند قدمي الرب، تستمع إلى كلمات ، وأنّ مرتا تطلب من يسوع أن يصحح أختها مريم حتّى تساعدها في الخدمة. لكن يسوع فاجأ مرتا بعدم تلبية اقتراحها. يوضح أنّ مريم اختارت “النصيب الصالح” (10: 42).

منذ بداية حديثنا، كان تلميذ يدعى ماكوكولا قلقًا بشأن الطريقة التي يستجيب بها يسوع لمرتا. “كانت مرتا تفعل الأمر الطبيعي المتوقّع.” أرادت فقط أن تفعل أختها أيضًا الأمر نفسه.

وافقه طالب آخر، مافونجا. لقد فكّر في أنّ يسوع كان مسافرًا وأضاف، “في بلدي، موزمبيق، لا تعرف ما إذا كانت قد مرّت أيام منذ أن أكل المسافر. عليك أن تطعمه أولًا. ثم تترك الزائر يتحدّث “.

لكن ماثابثا من جنوب إفريقيا قالت بعد ذلك: “تعاملت مرتا مع الموقف كما لو كان ضيفًا عاديًا يزورهم. لكنّني أعتقد أنّ مريم أدركت أنّ هذا كان نوعًا مختلفًا من الزوّار”.

هذا التعليق جعلني أفكّر. تدرك مريم أنّ يسوع ليس ضيفًا عاديًا. يعرّف المقطع يسوع بالرّب (١٠ :٣٩، ٤٠). وفي أماكن أخرى يعرّف إنجيل لوقا الرّب بإله إسرائيل (١:١٦، ٦٨). بينما تنهمك مرتا بالخدمة، يبدو أنّ مريم تدرك أنّ إله إسرائيل موجود في الغرفة من خلال حضور يسوع. لذلك، ما يتوقع من أيّ امرأة في مجتمعها أن تفعله هو الانتظار. مريم مركّزة على يسوع، وعلى استعداد لسماع ما يقوله.

مع استمرار حديثنا في ذلك اليوم، تحدّثنا عمّا إذا كان هناك تعارض بين الخدمة والجلوس عند قدمي الرّب. لاحظنا أنّ لوقا يقول حرفيًا، إنّ مرتا كانت مشتتة بسبب الخدمة الكثيرة. (يستخدم لوقا صيغة diakoneō، جذر فعل الخدمة في العهد الجديد). هل يمكن للخدمة أن تشتت انتباهنا؟

على ما يبدو ، من الممكن أنّه أثناء القيام بما هو جيد، نفقد الأفضل. أثناء الخدمة، يمكن أن نفتقد يسوع. كيف يجب أن نفكّر في ضرورة الانخراط في العالم من حولنا بالتوازي مع الحاجة إلى حياة الصلاة ودراسة الكلمة؟ ومع الحاجة الكبيرة إلى العمل من أجل عالم عادل ومسالم، وإعلان الإنجيل، هل حياة الصلاة (والجلوس مع كتاب لاهوتي) مسؤوليتنا حقًا؟

إنّه لأمر مدهش أن يأتي هذا المقطع بعد مثل السامري الصالح (10: 30-37). كان يسوع قد وضع لتوه السامري كمثال – الشخص الذي يتدخل على الفور ليساعد شخصًا مختلفًا عنه. يتحدّث هذا المثل عن ضرورة عدم إهمال الألم والأذى من حولنا. أنهى يسوع المثل بالكلمات، “اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هكَذَا.”

ومن الغريب أيضًا أنّ المقطع موجود في الفصل نفسه حيث أرسل يسوع 72 تلميذًا، قائلاً ، “إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ” (لوقا 10: 2). في الفصل نفس حيث أكّد يسوع الحاجة إلى فعلة أكثر، يقول إنّ مريم اختارت الأفضل – الجلوس عند قدميه، والاستماع، والاستمتاع بحضوره.

يوضح السياق الأدبي لقصّة يسوع مع مريم ومرتا أنّ يسوع يهتم بشدّة بحياة العمل. (وفي لوقا ٢٢: ٢٦-٢٧، استخدم يسوع صيغة الكلمة نفسها المستخدمة في عمل مرتا، diakoneō، ليقول إنّ القائد هو الذي يخدم، ويكون خادمًا بين تلاميذه.)

في السياق الأدبي نفسه، نجد يسوع يصف حياة العمل وحياة تنحية الالتزامات جانبًا، لمجرد الجلوس في حضور يسوع، مُقدِّرًا كلماته.

بالعودة إلى المناقشة في ذلك اليوم في جنوب إفريقيا … قال طالب زامبي، يُدعى فيري، “يجب ألا نهرب من الانشغال بالعديد من الاحتياجات والكثير من الخدمات. لكن يجب علينا ترتيب الأمور حسب الأهمية”. (انظر أيضًا أعمال الرسل ٦: ٢-٤.)

أجد أنّه من الجدير بالملاحظة أنّه في الفصل نفسه من لوقا حيث نجد يسوع يقول أن الحصاد كثير، لكن الفعلة قليلون (١٠: ٢)، يقول بعد ذلك: “صلّوا”. “فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ.”

يعرف يسوع كم هي كبيرة الاحتياجات، وهو يعرف مدى الحاجة إلى العمل. ثم ينتقل إلى الخطوة المنطقية التالية التي قد لا نراها: الاحتياجات الهائلة تتطلّب حضور الله وتدخله. بالنسبة لمستوى الخدمة التي يحتاجها هذا العالم، نحتاج إلى مصدر عميق للقوّة والمحبّة والتوجيه.

لذلك بعد إرسال 72 تلميذًا للخدمة، وبعد أن قال إنّ الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون، وبعد سرد مثل السامري الصالح، اتخذ يسوع نموذجًا للتلمذة مريم التي تجلس عند قدمي يسوع وتستمع. وبعد ذلك في لوقا 11 سيبدأ في تعليم التلاميذ عن الصلاة.

احتياجات عالمنا تحيط بنا. هناك عمل يجب القيام به. لكن الإجابة في لوقا 10 ليست ببساطة، “انشغل أكثر”. الإجابة مختلفة: تعرّف على حضور الرّب. استمع إلى كلمته. لذلك، نجلس عند قدمي الرّب، حيث نصلّي إلى ربّ الحصاد، حيث نتلقّى الكلمة، والمحبّة والتوجيه، لنذهب ونعمل.

يوضح السياق الأدبي أنّ يسوع لا يعارض الخدمة مع الصلاة والاستماع.

أثناء دراسة الكتاب المقدّس مع الطلّاب، قالت ماثاباتا أيضًا: “إنّنا نميل إلى التركيز على الآخرين وعلى الخدمة، لكنّنا يمكن أن نفتقد حضور الله والجلوس عند قدمي يسوع، ما يتركنا في موقف نحاول فيه منح الناس شيئًا لا نملكه.”

في هذا النّص الكتابي، ترى مرتا أنّ مريم تشتت انتباهها عن فعل ما يجب القيام به. هل يمكننا أحيانًا أن نكون مذنبين بالأمر نفسه، ونحكم على رفاقنا المؤمنين الذين قد لا يبدو عليهم الانشغال بالخدمة كما نحن؟ هل نحط من قدر أولئك الذين يبدون أقل عزمًا على العمل، لكنّهم يحبّون حضور يسوع، وربما أن يقرأوا كتابًا لاهوتيًا جيدًا؟

ومع ذلك، يرى يسوع أن مرتا مشتتة الانتباه. مشتتة بالخدمة. ومرتا تحكم على مريم بانّها جالسة تستمع. لذلك قال يسوع اسمها مرّتين، “مرتا، مرتا”. يكفي أن يجعلها تنظر إليه، حتى تتمكّن حقًا من سماع الرّب يخاطبها. يسوع يريد الأمر نفسه منّا. هل نحن هادئون بما يكفي لسماع يسوع يقول اسمنا؟

يمكن أن تصرف الخدمة انتباهنا ونفشل في التعرّف على الأفضل: أن نكون في حضرة الرّب، حيث نجلس ونستمع. في لوقا 10 وإنجيل لوقا ككلّ، تتضمن التلمذة حياة عمليّة. لكن التلمذة ليست في الحقيقة تلمذة بدون الجلوس عند قدمي الرّب. (راجع أوجه التشابه في إحدى المدوّنات المنشورة مؤخرًا.)

كتلاميذ يعيشون في عالم شديد الاحتياج، دعونا نأتي أمام يسوع ونطلب منه أن يجعلنا مثل مريم التي اختارت الأفضل. دعونا نطوّر طرقًا للجلوس عند قدمي الرّب. ما نحتاجه لحياة عمليّة نجده عند قدمي الرّب.

داستن هو أستاذ في العهد الجديد ويستعد للانتقال مع زوجته إلى لبنان هذا العام للخدمة في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة- وهو يأخذ أيضًا وقتًا للجلوس والتفكير والصلاة.

اترك رد