في ذكرى من خسر حياته في انفجار بيروت عبثًا
يونيو 30, 2022
هل يمكننا أن نتعلّم من القرآن؟: صلاة يونس
يوليو 14, 2022

ابنتا الرجاء المربكتان: تأمّلات حول العضلات الروحيّة في خضم الأزمنة العصيبة

بقلم كايس فان دير كنيف

حين تنتقل إلى بلد مختلف، مثلما فعلت منذ أكثر من عام بقليل، قد تبدأ في رؤية أمور كثيرة في ضوء مختلف. قد تبدو الأمور التي كنت تعتقد أنّها بديهية ليست كذلك. الأمور التي تعتبرها نادرة يمكن أن تبدو عاديّة. عندها تتخذ الكلمات معانٍ جديدة أو أكثر عمقًا. أحد المواضيع الذي راودني مرارًا خلال العام الماضي، وسط كلّ ما يجري في لبنان، هو موضوع الرجاء. لقد جعلني العيش في لبنان أكثر وعيًا بأوجه الأمل السطحية التي نميل إلى اعتناقها. أنا مقتنع بأنّنا بحاجة إلى أمل أعمق، أمل لا يبتعد عن الألم والشر، بل يمنح القوّة للعيش في الألم وكشف الشر.

في بعض الأوقات، على سبيل المثال عندما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية هذا الربيع، بدا أنّ موجة صغيرة من الأمل تتدفق عبر البلاد. تشبث الناس بشدّة بفكرة أنّ الأمور قد تتغير للأفضل.

إذا نظرت حولك بعناية، فلا يمكن أن يغيب عنك اليأس في لبنان. قد تضطر إلى النظر إلى ما وراء السيارات اللامعة التي لا تزال تسير في الطرقات والنظر إلى ما وراء الابتسامات التي تحيّيك في كلّ مكان. قد تضطر إلى الاستماع إلى ما يُقال بين السطور. في معظم الحالات، يكفي النظر إلى عيون الناس. اليأس في كلّ مكان. أعتقد أنّ الأمر نفسه ينطبق على العديد من الأماكن حول العالم، حتّى في الأماكن التي تبدو مستقرّة ومزدهرة من بعيد.

كمسيحيين، نعترف بأنّنا شعب الرجاء. لكن ماذا يعني أن نتمتّع بالرجاء في أوقات اليأس؟ أخشى أنّنا كمسيحيين إنجيليين نعتنق أحيانًا وجهات نظر سطحيّة عن الرجاء. يأتي الرجاء السطحي بأشكال مختلفة.

هناك نوع من الأمل “الإلزامي”: كمسيحيين، غير مسموح لنا أن نيأس. يجب أن نكون متفائلين، ومن ليس كذلك فهو يفتقر إلى الإيمان. مع هذا النوع من الأمل، ينتهي بنا الأمر بإلقاء كلمات جميلة حول قدرة الله وسيطرته وخططه لإسكات شكوكنا الداخلية حول كل ما هو مُربك.

لقد رأيت أيضًا أمل “يمكن أن تكون الأمور أسوأ”: طالما أنّك تذكّر نفسك كثيرًا بأنّ هناك أشخاص في مكان أسوأ منك، فستجد القوّة للمضي قدمًا. في عالم مليء بالشر المريع، سيظلّ دائمًا هذا المزيج من الرواقية والروحانية المسيحيّة ساريًا، لكنّه لن يساعد أيّ شخص على التعامل مع المعاناة الفعليّة بصورة عميقة ومغيِّرة.

أو هناك أمل “خزانة الأحذية”: عندما ندخل الكنيسة، نضع أعبائنا وأحزاننا في المكان المخصّص لها وندخل واحة تدوم ساعة فقط، عالمًا روحيًا مختلفًا تمامًا. نأمل أن تعطينا خدمة العبادة القوّة الكافية لتحمّل أعبائنا حتّى الأسبوع المقبل.

ثمّ هناك أمل “الهروب”: حيث يوضع الكثير من التركيز على نهاية الزمان والسماء، واثقين من أنّ هذا المنظور المليء بالرجاء سيجلب لنا قدرًا كافيًا من القدرة على التحمل للاستمرار حتّى عودة المسيح الظافرة.

ثمة عناصر من الحقيقة في كلّ هذه الأنواع من الأمل، ومع ذلك أخشى أن تكون معيبة لسببين أساسيين. أولاً، تركّز هذه الأنواع جميعًا على الأمل باعتباره شعورًا داخليًا، ومصدرًا للسلام الداخلي. كإنجيليين، غالبًا ما نتوخى الحذر من أشكال إنجيل الازدهار. غير أنّ هل يمكن أن يكون لدينا نسخنا “الرومانسيّة” الخاصّة بنا؟ نميل إلى مساواة الإيمان السليم ليس بالازدهار الاقتصادي بل بالمشاعر الإيجابيّة. طالما نشعر بالسلام الداخلي والحب الداخلي والأمل الداخلي، فإنّنا نعتقد أنّ إيماننا سليم وأنّ علاقتنا مع الله مباركة.

ثانيًا، تشجّع الأشكال الأربعة للأمل السطحي المرء على النظر بعيدًا عن المعاناة والألم. يدعوننا للتركيز بقوّة على أمر أفضل لدرجة أنّنا ننسى أعباء الحياة الحقيقية وأحزانها.

غير أنّك قد تسأل، ما الخطأ في المشاعر الداخلية الإيجابيّة التي تساعد المرء على التغلّب على اليأس؟ لماذا هذا سطحي؟ (يمكن أن يكون لها قوّة علاجية هائلة في خضم الأوقات الصعبة!) إنّها سطحية بصورة أساسيّة لأنّ ما نحتاجه في الأوقات العصيبة هو شيء (أو شخص ما) يمنحنا القوّة دون النظر بعيدًا عن المعاناة والألم، شيء حقيقي. شيء حقيقي بما يكفي ليس فقط لمنحنا مشاعر دافئة ولكن لتمكيننا من الوقوف في وجه مصادر الألم والمعاناة. الرجاء ليس مجرد شعور، إنّه عضلة. من المفترض أن تجعل الأشياء تتحرّك. في عالم ينتشر فيه الشر، فإنّ الرجاء هو عمل محوّل، بل ومقاومة. الأمل لا يخيب!

ثمة قول جميل يُنسب غالبًا إلى أوغسطين: “للرجاء ابنتان جميلتان. اسماهما غضب وشجاعة. الغضب من الطريقة التي تسير بها الأمور، والشجاعة لرؤية عدم بقائها على ما هي عليه “. من الواضح، بالنسبة لكاتب هذا القول، أنّ الرجاء لا ينتج عنه مشاعر داخليّة دافئة، ولا يبتعد عن الشر. ابنتا الأمل الجميلتان مربكتان، تنزعان السلام الداخلي بدلاً من جلبه. انتان تجلبن النار المشتعلة بدلاً من الدفء.

ماذا يعني العيش برجاء في عالم يائس؟ ماذا يعني أن تكون الكنيسة رسول رجاء في الأوقات العصيبة؟ هل من الممكن أن يكون الرجاء معناه الإشارة إلى الظلم ومعارضته والتعبير عن غضبنا؟ هل يمكن أن يعني حشد شجاعتنا الضعيفة لمحاولة تغيير الأشياء للخير؟

أميل أكثر فأكثر إلى الاعتقاد بأنّ إيماني، والروحانيّة الإنجيليّة عامةً، بحاجة إلى الترحيب بابنتي الرجاء المربكتين. أصبحت مقتنعًا أكثر فأكثر أنّه يجب علينا الكشف عن ميول البحث عن الراحة المتأصّلة في روحانيتنا الإنجيليّة. تلك الميول التي تمنحنا رخصة لننظر بعيداً. نعترف بملك هزم القوى عندما مات على الصليب وقام من القبر. نصلّي من أجل أن يأتي ملكوته ويُنهي كلّ شرّ وألم ومعاناة. وفي الوقت نفسه نحن مكتفون بالرجاء كشعور داخلي مريح؟

إحدى بركات دراسة تاريخ الكنيسة واللاهوت هي لقاء أشخاص ووجهات نظرٍ تتحدّى قصر نظرنا المعاصر. أيضًا وأيضًا ستجد كلمات توقفك في مساراتك وتجعلك تتوقّف للتفكير والتأمل. يبدو أنّ فرانسيس الأسيزي، وهو راهب اختار حياة فقر راديكاليّة، كان يعلم أيضًا أنّنا نحتاج أحيانًا إلى جرعة صحيّة من الانزعاج الداخلي للعيش بأمانة في عالم يائس. لقد ترك لنا “صلاة البركة” التي قد تثير الكثير من الدهشة في الكنائس الإنجيلية المعاصرة في جميع أنحاء العالم. ولكن قد يكون هذا هو نوع البركة التي نحتاجها هذه الأيّام. ليس عبثًا دعا أوغسطينوس ابنتي الرجاء المربكتين “البنتان الجميلتان”.

ليبارككم الله بارتباك لا يكلّ حول الإجابات السهلة وأنصاف الحقائق والعلاقات السطحيّة، حتّى تبحثوا عن الحقيقة بجرأة ولكي تحبّوا من أعماق قلوبكم.

ليبارككم الله بغضب مقدّس على الظلم والجور واستغلال الناس، حتّى تعملوا بلا كلل من أجل العدالة والحريّة والسلام بين جميع الناس.

ليبارككم الله بعطية الدموع لتذرفوها مع من يعانون الألم أو الرفض أو الجوع أو فقدان كلّ ما يفرح قلوبهم، لكي تمدّوا يدكم لتريحهم وتحوّلوا ألمهم إلى فرح.

ليبارككم الله بما يكفي من الحماقة لتؤمنوا أنّه يمكنكم حقًا أن تحدثوا فرقًا في هذا العالم، بحيث تكونون قادرين، بنعمة الله، على فعل ما يزعم الآخرون أنه لا يمكن القيام به.

آمين.

كايس هو أستاذ مساعد في اللاهوت النظامي في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة ويسعى باستمرار ليقوّي عضلاته الروحيّة.

اترك رد