هل يمكننا أن نتعلّم من القرآن؟: صلاة يونس
يوليو 14, 2022
إعادة التفكير في “مشكلة” عدم الإنجاب
يوليو 28, 2022

هل يمكن أن تحافظ البيتزا الرديئة على استمراريتها في عالم قائم على العار؟ فماذا عنّا؟

بقلم باسم ملكي

في عام 2010 ، واجهت دومينوز بيتزا، إحدى أكبر سلاسل المطاعم في العالم، مشكلة. على الرغم من أنّ لديهم أسرع خدمة توصيل، إلّا أنّ جودة البيتزا كانت سيئة للغاية لدرجة أنّ الرئيس التنفيذي لشركة دومينوز باتريك دويل قال: “لقد وصل بنا الأمر أنّ الناس باتوا لا يُعجبهم بالبيتزا إذا علموا أنّها منّا.” لقد هدّدت هذه المشكلة العمل بأكمله، لذلك قامت شركة دومينوز بأمر رائع: استخدموا مزيجًا من الشفافية والاستراتيجية والتسويق التشويقي لإعادة ابتكار الشركة. جعلني هذا أتساءل كيف تتعامل الشركات مع السمعة السيئة في سياقاتنا في الشرق الأوسط. يبدو لي أنّه في ظلّ المواقف المخزية، نركض ونختبئ لإنقاذ شرفنا؛ لكن هذا يجعلنا نخسر المزيد.

لمعالجة مشكلة البيتزا المريعة، اختارت دومينوز السعي جاهدة للحصول على تعليقات سلبية من الزبائن ثمّ مشاركة تلك التعليقات القاسية في الإعلانات المحليّة القائلة أنّ “بيتزا الميكروويف أفضل بكثير” و”أسوأ بيتزا على الإطلاق” و”طعم قشرتها مثل الورق المقوّى”. قبلت الشركة النقد، وشاركت النقد، واحتضنت النقد، ثم عملت بجدٍّ لتحسينها. جعلوا أنفسهم عرضة للآخرين من خلال الاعتراف بنقاط ضعفهم وإخفاقاتهم ثمّ طلب المساعدة لمعالجة مشكلتهم. تغيّرت ثروات دومينوز التجاريّة بالكامل لأنّهم اختاروا ببراعة أن يكونوا صادقين مع أنفسهم ومع زبائنهم. تمنحنا القصّة الكثير للتفكير في فهمنا للثقافة والإيمان.

من المؤكّد أنّ ما يحفّز دومينوز هو شيء واحد: الأرباح. لكن ما فعلوه هو نموذج مثير للاهتمام يجب على الأفراد والكنائس والجماعات والمنظمات المسيحية مراعاته. في الواقع، يجبرنا الروح القدس وكلمة الله على الإسراع في الاعتراف والتوبة عندما نخطئ، خاصة عندما نخذل الآخرين. عندما نفشل – لا بل أكثر – عندما ندرك ذلك، نحتاج إلى الاعتراف بخطئنا، واحتضانه، ثمّ إصلاحه.

على الرغم من أنّ هذا يبدو بسيطًا، إلّا أنّني أعلم أنّ الثقافات القائمة على العار يمكن أن تواجه صعوبة في السير وفق هذا المسار. أتساءل كيف سيشعر المسيحي، في ثقافتنا، عندما يعترف بإدمان معيّن! أو لكي تعترف الكنيسة بأنّ محبتها فاترة وتحتاج إلى الاعتراف بأنّها تحمل دينونة تجاه الآخرين! هل يعترف الصديق المسيحي بأنه ينمّ وراء ظهر صديقه؟ هل يمكننا الوثوق بأصدقائنا المسيحيين كمساحة آمنة للاعتراف بالخطيئة؟

هذا ليس بالأمر السهل في الثقافات القائمة على الشرف والعار. نعتقد أنّ إخفاء إخفاقاتنا سيبقي شرفنا دون أن ندرك أنّ الاعتراف في الواقع يزيل العار ويعيد الشرف. تميل الثقافات القائمة على العار إلى الاعتقاد بأنّ هناك عارًا في الاعتراف بالضعف أو الفشل، وأنّنا بحاجة إلى إخفائه للدفاع عن شرفنا. ولكن يبدو أنّ ما يقوله لنا يسوع هو أنّ الاعتراف بالضعف لن يجعلنا نفقد الاحترام بل نكتسب المصداقية. لا سيّما إذا طلبنا المساعدة، وطلبنا الله، وعملنا بجد للتغلب على فشلنا. أعلم أنّ التحول يجب أن يحدث من جميع الجوانب. يجب أن يكون التعلّم شفافًا لتعزيز مساحة آمنة للنمو والتجديد.

إنّ منظور الشرف والعار الذي نعيش فيه يملي ويؤثّر على الكثير من تفكيرنا واستجاباتنا على الفشل ونقاط الضعف. في مرحلة ما كأبٍ، أدركت أنّني وزوجتي كنّا نعلّم أطفالنا أنّ التصرّف على نحوٍ صحيح يعني التصرّف بشرف وأنّ مشكلة فعل ما هو خطأ هو العار. على الرغم من أنّ هذا أمر صحي من نواح كثيرة، فقد خاطرنا بفقدان بوصلة توجّهنا في بعض المجالات، مثل التركيز على ما يتوقعه الآخرون. في الغرب أعتقد أنّ الشعور بالذنب هو الرد الطبيعي على الفشل في فعل الصواب. في الثقافة القائمة على العار، مشاعر الخزي هي الاستجابة المشروطة مسبقًا للفشل. هذا لا يعني أنّ ثقافتنا أكثر صحّة أو أقل صحّة، لكن لديها تأثيرات مميّزة خاصّة بها على كيفية عملنا في المجتمع ومعالجة أوجه القصور.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يحدّد شرف المرء صورته ويحافظ على سمعته العفيفة. لذلك، فإنّ ثقافتنا تشجّعنا على التستر بدلاً من الاعتراف، والتجنب بدلاً من المواجهة. غالبًا ما تميل ثقافتنا إلى رفع الكرامة فوق الضمير. إذا كان قول الحقيقة يجلب لنا العار، فإنّنا نميل إلى الكذب. نحن نميل إلى ارتداء أقنعة لتغطية نقاط ضعفنا والتباهي بالإنجازات الصغيرة التي لدينا. نحن نميل لخلق شرف مزيف. أعتقد أنّ هذا ما فعله الفريسيون وانتهرهم يسوع. على سبيل المثال، في لوقا 18: 9-14، بينما كان الفريسي واقفاً ويصلّي شاكراً الله أنّه ليس مثل غيره من الناس – لصوص، فاعلي شر، زناة … وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلًا: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. أكّد يسوع على ذلك، “أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ”.

قد تجعل عقلية الفريسيين هذه الشفافية والمساءلة مسألة معقّدة. يصوّر شكسبير هذا المأزق في عطيل (أوتلو)، متسائلاً، “لكن لماذا يجب أن يحيا الشرف أكثر من الصدق؟” هل نجرؤ على التعبير عن عيوبنا مؤمنين بأنّنا إذا تعاملنا معهم بانفتاح، فسنخرج أفضل؟ آمل ذلك بالتأكيد لأنّه إذا لم تكن الكنيسة المكان المناسب لذلك، فما هو إذًا؟ هل يمكن أن يوفّر العالم نظامًا أفضل ممّا يقدّمه المسيح؟ أعتقد أنّ ما يقدّمه الإنجيل يفوق الحكمة البشريّة في تجديد البشر. ومع ذلك، قد نقع في كذبة أنّ الاعتذار والاعتراف والتوبة ليس هو السبيل للعودة.

النقد الذاتي يتجاوز اللوم الأخلاقي. التحدي الذي يواجه الكنيسة والمسيحيون الذين نشأوا ويعيشون في ثقافة الشرف والعار هو أن نسأل أنفسنا ما إذا كان السماح للروح القدس بتغييرنا ليكون لدينا عقلية تؤمن بأنّ النقد الذاتي هو فضيلة؛ يمكن أن يستعيد شرفنا بدلاً من جلب العار. يقول الرسول بولس، ” فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ…. حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ..” (٢ كورنثوس ١٢: -٩-10) لقد فهم بولس أنّنا عندما نعترف بضعفنا، نسمح لقوة الله بالظهور. لكن همّنا الغالب هو الدفاع عن شرفنا بدلاً من المصداقية والثقة التي قد نحصدها من مناقشة أو اعتراف صادق. يصبح الدفاع عن كرامة المرء أكثر أهمية بكثير من تحسين الذات وإكرام الله في هذه العملية.

أنا أفهم فداحة عواقب العار. في حين أنّ الشعور بالعار في الثقافات الغربيّة، أو الخزي علنًا، قد لا يعني نهاية العالم بالنسبة للمرء، فإنّ الشعور بالعار في ثقافة الشرف والعار يعني أنّه من الممكن أن يصبح المرء منبوذًا.

لا أحد يستطيع أن يرفع نفسه. إنّ رسالة الإنجيل إلى ثقافة قائمة على العار هي أنّ الله لديه القوة والرغبة في الارتقاء بالرجل والمرأة من حياة مليئة بالضعف إلى مرتبة الشرف من خلال نعمته. استرداد دومينوز بيتزا من الفشل، على الرغم من كونها عملية رائعة، إلّا أنّها لا تُقارن بما يمكن أن يفعله الآب في حياتنا إذا التزمنا بقيمه.

باسم ملكي هو عميد الأساتذة ومدير قسم صنع السلام في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

اترك رد