سلام الجماعة: الجزء الثاني من سلسلة مدوّنة مؤتمر الشرق الأوسط 2022
أكتوبر 14, 2022
لنتكلّم عن الهمم المميّزة
نوفمبر 10, 2022

السلام الوطني: الجزء الثالث من سلسلة مدوّنة مؤتمر الشرق الأوسط 2022

 

بقلم كيس فان دير كنيف

استضافت كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، عبر الإنترنت، مؤتمر الشرق الأوسط 2022 بعنوان “سلامًا أترك لكم: نظريات خدمة السلام وممارساتها في الشرق الأوسط” وذلك من 21 أيلول/سبتمبر إلى 23 أيلول/سبتمبر. احتشدت مجموعة من المساهمين افتراضيًا لمساعدتنا على التفكير في كيف يمكن للكنيسة أن تكون صانعة سلام في أوقات النزاع. بغية تحقيق ذلك، عالج مؤتمر الشرق الأوسط الموضوع من خلال عدسات خدمة السلام عبر الأبعاد الشخصية والجماعية والوطنية. هذه هي المقالة الثالثة في سلسلة مدونة كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة المكوّنة من 3 أجزاء والتي تعكس المناقشة الشاملة للمؤتمر.

 

صنع السّلام وخطايا اللافعاليّة

خلال الأسابيع الماضية، غطّى زملائي بصورة ممتازة المحادثات التي جرت خلال اجتماعات مؤتمر الشرق الأوسط الأخير حول بناء السلام. عندما قرأت تقاريرهم، وراجعت ملاحظاتي الخاصة، لا سيّما من اليوم الثالث، والتي غطت صنع السلام على المستوى الوطني، لاحظت أنّ لديّ عدد من المشاعر المتضاربة. في هذا المنشور الأخير على المدونة لسلسلة مؤتمر الشرق الأوسط، أريد التركيز على ما أعتبره أكثر هذه المشاعر أهميّة.

طوال الأيّام الثلاثة، تساءلت مرارًا وتكرارًا عن البعد اللاهوتي لمؤتمر الشرق الأوسط. بالطبع، كان هناك مراجع كتابيّة. بالطبع، كان هناك حجج لاهوتيّة. لكن شعرت بطريقة ما أنّ الله كان غائبًا إلى حدّ كبير في تأملّاتنا. كان هناك اتجاه ناشط لمعالجة المؤتمر، مع التركيز الشديد على كلّ ما نحتاج إلى القيام بها كصانعي سلام.

هذا لا يعني أنّ كل هذه الأنشطة ليست مهمّة. وأنا لا أقترح أنّنا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي وننتظر أن يعمل الله عمله. ولكن من الواضح أنّنا عندما نتحدّث عن صنع السلام، نجد صعوبة في إيجاد الكلمات للتعبير عن كيفية ارتباط انخراطنا في هذا العمل واعتمادنا فيه على إرسالية الله السابقة للمصالحة. قد نفتقر إلى الكلمات المناسبة لربط ملكوت الله بانخراطنا. نحن لا نربط شخص الله كإله السلام بعملية صنع السلام، إلّا من خلال الإلهام والتمكين الشخصيين. هذا نقد لتفكيرنا اللاهوتي أكثر منه لجميع الخدمات الجميلة التي تجري في المنطقة.

كما ذكرت آنفًا، هذا النقد للمقاربة الناشطة جزء من المشاعر المتضاربة لدي. أين يكمن الصراع؟ حسنًا، لاحظت أنّ هذا التركيز النشط، رافقه خيط من السلبية اللافعّالة في ملاحظاتي. عندما كان المتحدثون يتحدثون عن عوائق لبناء السلام، لم يركّزوا على مثيري الشغب النشطين، على أولئك الذين يعارضون صنع السلام علنًا. بل ركّزوا على الميول إلى اللافعاليّة في الكنيسة الإنجيلية. فيما يلي، أود أن أبرز أربعة من خطايا اللافعاليّة تلك.

 

خطيئة النسيان

ركّز مرتان عقّاد في عرضه لعمل شركاء في الأبحاث الإجرائيّة، على أهميّة التعامل على نحوٍ سليم مع الماضي فيما يتعلّق بصنع السلام. إنّ تغطية الجرح المتعفّن والمناداة “سلام سلام” (إرميا 6:14) ليس حلاً، ولكن للأسف هذه الصورة تشبه إلى حدّ بعيد ما حدث في لبنان. ونجد عكس ذلك تمامًا في الكتاب المقدّس فالكلمة المفتاحيّة فيه هي التذكّر. لذلك، من أجل بناء صورة دائمة من السلام، لا بدّ من السماح للناس أن يُخبروا تجاربهم لأنّ لهم قيمة ويجب محاسبة المسؤولين عنها. عندما نرتكب خطيئة النسيان، فإنّنا نعزّز على ثقافة الإفلات من العقاب ونقويها.

 

خطيئة التمركز حول الذات

ركّزت القسيسة نجلا قصّاب على الدور العام للكنيسة في عمليات صنع السلام والمصالحة. في كثير من الأحيان، تعاني الكنيسة المسيحيّة (الإنجيليّة) في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من عقدة الأقليّة ولا تتحلّى لا بالرغبة ولا بالشجاعة في أن يكون لها صوت خارج أسوار الكنيسة. ينصب التركيز على خدمة من هم في الداخل، بدلاً من أن تكون مضيافةً لمن هم في الخارج. ووفقًا لقصّاب، يجب على الكنيسة أن تغامر بالدخول إلى مساحات جديدة، وتندد بالظلم وترحّب بجميع المبادرات الجيّدة التي تواجهها. لا تقتصر هذه المساحات الجديدة على الشأن العام، ولكنّها تشمله بالتأكيد، بإشراك السلطات الموجودة فيه. عندما سأل أحدهم خلال جلسة النقاش ما إذا كان يمكن للكنيسة أن يكون لها صوت عام، كانت إجابتها حازمة: “أيمكن ألا يكون للكنيسة صوت عام؟”

 

خطيئة التواطؤ

شارك القس سبت من السودان تعقيدات كونه صانع سلام في مجتمع غارق بشدة الفساد. كيف يمكنك محاربة الظلم والعمل من أجل السلام، في حين أنّ الهياكل التي تحتاجها للقيام بذلك هي نفسها غير عادلة إلى حدّ كبير؟ هل لدى الكنيسة فرصة للبقاء طاهرة وصادقة في مجتمع ينتشر فيه الفساد؟ وحذّر سبت من أنّ الكنيسة التي تتمادى مع النظام تصبح فاسدة نفسها وتفقد صوتها في مواجهة الشر. لن يتخذ أيّ شخص قرارًا بأن يصبح كنيسة فاسدة، ولكن يمكن بسهولة أن تصبح جميع أعمال التواطؤ الصغيرة المتزايدة جزءًا من ثقافة الكنيسة.

 

خطيئة الصمت

بالنسبة للعديد من المشاركين ، كانت رواية منال الطيار الثاقبة لقصة ثامار ابنة الملك داود في العهد القديم (2 صم 13) الجزء الأكثر إثارة للصدمة في هذا اليوم الأخير. من كان المسؤول عن اغتصابها؟ أو ربّما أسأل من لم يكن مسؤولًا؟ عالجت منال خطيئة الصمت وعدم المجاهرة. بالرجوع أيضًا إلى تفاعل يسوع مع المرأة النازفة (مرقس 5)، سلّطت الضوء على وجود خطيئة مزدوجة للصمت يمكننا ارتكابها عند مواجهة الظلم: خطيئة عدم التكلّم علنًا، وخطيئة عدم إعطاء صوت للمظلومين. دعا يسوع المرأة للتحدث ومشاركة خبراتها حول ما حدث ودوافعها للمسه. وكذلك حثّت منال المشاركين على منح صوت نشط للمرأة في عمليات المصالحة، والتنديد علانية بمحاولات العفو عن العنف الجنسي في مطالب العفو العام.

في الأيام التي تلت مؤتمر الشرق الأوسط، كان مفهوم “خطايا الصمت” يتردد في ذهني كثيرًا. كم مرّة نلاحظ الأمور الخاطئة، لكنّنا لا نجد الشجاعة للتنديد بها، سواء شخصيًا أو ككنيسة؟ كم مرّة نضحّي بالحق والعدالة على مذبح راحتنا الشخصية؟

قد تكون هناك انعكاسات مهمّة هنا على العلاقات بين الخدمات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ورعاتها الغربيين. مع كلّ التطورات المقلقة التي تحدث داخل الكنائس الإنجيليّة الغربيّة، أدركت فجأة أنّه قد تكون هناك تحديات كبيرة على هذه الجبهة للعديد من المنظّمات المسيحيّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لا يمكن للعديد من المبادرات الرائعة في المنطقة أن تدوم بدون رعاتها في الغرب. تفحص العديد من هذه المنظمات نشراتها الإخباريّة بحثًا عن وجهات نظر أو عبارات قد تكون مسيئة لمانحيها. ولكن إلى أي مدى يمكننا إهمال هذا التوتر؟ هل ستأتي لحظة يتعيّن علينا فيها الاختيار بين الحقيقة والعدالة أو تلقي الدعم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نحن على استعداد لعدم ارتكاب خطيئة الصمت؟ تُعتبر علاقات التبعية، كتلك التي تشارك فيها العديد من كنائس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والمنظمّات المسيحيّة، أرضًا خصبة للعديد من خطايا اللافعاليّة التي ذكرتها.

في ضوء مخاطر اللافعاليّة، كان من الجيد وجود نهج ناشط في مؤتمر الشرق الأوسط. غير أنّ هذا النشاط لا يكون فعّالًا إلّا إذا ما استمرينا في السعي لأن نرى كلّ جهود صنع السلام في ضوء من أُعلن: هو سلامنا!

اترك رد