لنتكلّم عن الهمم المميّزة
نوفمبر 10, 2022

التلمذة الديناميكيّة: ما وراء المؤسستيّة والفردانيّة

 بقلم وس واتكينز

قال الراعي الكنيسة: “دعهم يأتون إلى الكنيسة واترك الأمر لي”.

كانت هذه بداية خدمتي في التلمذة منذ سنوات عديدة أثناء دراستي الجامعيّة. كلّ يوم أحد، كنت أحاول إحضار عدد قليل من الناس الجدد إلى الكنيسة. لقد كنت جيدًا في هذا الدور. بالنسبة لنا جميعًا كحضور في الكنيسة، كان القصد من العظة أن تكون الوسيلة الأساسية للكرازة والتنشئة الروحيّة.

لا أتذكّر الكثير من العظات، رغم أنّني كنت مجتهدًا في الاستماع والتعلّم. كان التركيز على نقل المعلومات: إلقاء المحاضرة وتلقيها. في المسيح، نضجت. وبعض أصدقائي اتبعوا المسيح، في نهاية المطاف، نتيجة مجيئهم إلى الكنيسة. لكن معظمهم لم يفعل ذلك.

أدرك الآن أن هذا في الواقع ممارسة واسعة النطاق في العديد من التقاليد المسيحية: كانت الخدمة بصورة أساسيّة وظيفة الشخص المحترف، الراعي. كان دوري كعضو في الكنيسة هو جلب الناس إلى الخبير. نظريًا، كنّا جميعًا نؤمن بكهنوت جميع المؤمنين وأنّ الكنيسة أكثر من حدث واحد في الأسبوع. غير أنّ ممارساتنا خانت معتقداتنا.

يستحق راعي كنيستي الثناء على الأقل لتركيزه على تنمية أتباع المسيح. غير أنّ هذه الممارسة باتت أقل تركيزًا في العديد من الكنائس اليوم. يبدو أحيانًا أنّنا نفعل كلّ شيء ما عدا التلمذة. ومع ذلك، من بين جميع الخدمات التي تناضل من أجل جذب انتباه الكنيسة، يذكّرنا آلان هيرش لماذا يجب أن نعطي الأولويّة للتلمذة: “نحن نتعامل مع هذا العامل الوحيد الأكثر أهميّة الذي سيحدّد في نهاية المطاف جودة الكلّ – إذا فشلنا في هذه النقطة، سنفشل إذًا في جميع النقاط الأخرى”.

تتمثل إرسالية الله المتعدّدة الأوجه في نهاية المطاف في إحضار مُلك المسيح الشافي إلى جميع الأمم (رؤيا ٢٢: ٢). يشمل نطاق إرسالية الله الشاملة كلّ مجموعات الناس في كلّ مكان (رؤيا 5: 9). في المسيح، نتشارك معه في إرساليته (يو. 20 :21). لذلك بدون المزيد من أتباع المسيح والمزيد من التشبّه بالمسيح، لن تتقدم حركة الله الفدائيّة للأمم.

شرح بولس جوهر ديناميكية هذه الحركة في أفسس 4: 1-16. انتهت خدمة يسوع على الأرض وصعد إلى السماء (العدد 8). غير أنّ حركة الله يجب أن تستمر. إذًا ماذا فعل يسوع؟ أعطي قادة مبتكرين (العدد 11) “لإعداد” الناس (العدد 12) للخدمة، حتى يستمر “ملء المسيح” (العدد 13). يردّد بولس هذه السلسلة من نمو الأجيال في أماكن أخرى، “وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا.” (2 تيموثاوس 2: 2). لقد أوصانا يسوع بمواصلة خدمة التلمذة هذه “لكلّ الأمم” (متى 28: 19).

في الواقع، التلمذة هي العدسة الواضحة التي يمكننا من خلالها رؤية حياة يسوع وخدمته. لقد جاء ليفدي الخطاة ويجدّدهم ليكونوا مثله، وهم بدورهم يتكاثرون بصورة جماعيّة. بدأ يسوع حركة تلاميذ ليسوع يعدّون تلاميذ ليسوع.

الكلمة اليونانيّة في العهد الجديد لتلميذ، mathētēs، تعني ببساطة مبتدئًا يتبع شخصًا أعظم، وهي تشير إلى علاقة وثيقة بين الاثنين في هذه العمليّة. كمبتدئ، لا يحتاج التلميذ إلى أن يكون ناضجًا قبل أن يبدأ بتقليد المعلم. في الواقع، إحدى الطرق الرئيسة التي ينمو بها تلميذ المسيح وينضج هي إعداد المزيد من تلاميذ يسوع.

فيما كنت أتعلّم هذا المبدأ الذي يبدو غير منطقيًا، بدأت في النمو في رغبتي في أن أكون “مع” المسيح وأن أساعد الآخرين على فعل الأمر نفسه (مر 3: 14). وبدا أنّ تيسير دراسات الكتاب المقدس وتوجيه الناس على نحوٍ فردي ينشّط إيماني ويوفّر سياقًا أرى فيه آخرين يصبحون أتباعًا للمسيح أيضًا. كنت آمل أن يصبح الناس مثل يسوع ويتبعونه واحدًا تلو الآخر. لكن هذه الإستراتيجية من شخص تلو الآخر (على أمل) أن ينضم في نهاية المطاف إلى كنيستي كانت تمرين إضافة وليس مضاعفة (راجع تكوين 1 :28؛ أعمال 6: 7؛ 12 :24). بعد فترة وجيزة من دراستي الجامعيّة اكتشفت ظاهرة تُعرف باسم حركات زرع الكنائس. كان نهج التلمذة هذا مختلفًا عن تجاربي السابقة مع نماذج التوجيه التي تركّز على الراعي وإرشاد واحد تلو الآخر. لم يكن شأنًا مؤسسيًا أو فرديًا. بدت الحركات بأنّها قديمة وجديدة في آنٍ معًا، تذكّرني بالأناجيل، وسفر أعمال الرسل، ورسائل العهد الجديد.

أثار هذا أكثر من عقدين من البحث للإجابة على السؤال: كيف يتكاثر التلاميذ؟ أنا لا أشير إلى “أفضل الممارسات” التي تحوّلنا إلى تقنيين أو ميكانيكيين. ولا أبحث عن صيغة خدمة بسيطة للتنفيذ بغض النظر عن السياق. بل كنت أبحث عن عدسة إرساليّة لاهوتيّة لفهم 1) طبيعة تكاثر التلاميذ في الكتاب المقدّس، و 2) كيف يتكاثر التلاميذ في سياقات متنوّعة اليوم.

من خلال دراسة العديد من هذه الحركات وتحرير كتاب حول هذا الموضوع للتعلّم من الممارسين واللاهوتيين ذوي الخبرة (العديد من الأفكار أدناه هي أفكارهم)، حدّدت خمس خصائص لحركات المسيح في التلمذة. سأقدّم لمحة موجزة هنا ليس لأنني توصلت إلى مفهوم نهائي، ولكن لتقديم طريقة لشرح مسيرتي لاكتشاف عمل التلمذة في نموذج الكنيسة كحركة. آمل أن توفّر لكم هذه النقاط أعينًا جديدة لرؤية هذه الخدمة المهمّة بطرق جديدة.

  1. الشبكة الكنسيّة

يتكاثر التلاميذ بشكل أفضل في أنظمة طبيعيّة من القيادة والعلاقات، بدلاً من الهياكل الهرميّة للمؤسسات. تتبنّى الحركات ظاهرة التحوّل المتعدّد الأفراد داخل الشبكات الاجتماعية. لكنّهم لا يتوقّفون عند هذا الحدّ. ينتشرون إلى الشعوب والثقافات الأخرى.

تعتمد الحركات على نحوٍ طبيعي على مواهب التلاميذ لخلق طرق وهياكل مناسبة لتكوين المزيد من التلاميذ. يتطلّب هذا جهدًا أكبر في تطوير القيادة، وليس أقل. لا ينصب التركيز على توسيع الكنائس، بل على تضاعف الكنائس. تتكوّن الإكليسيولوجيا الحركيّة على نحوٍ أساسي من كنائس صغيرة مرنة من السكّان الأصليين أو شبكات كنائس بيتيّة.

  1. رؤية محورها المسيح

يوفّر المعنى الواضح لشخص المسيح ولاهوته التوجيه لرؤية للتلمذة. في جميع الحركات الأصيلة، يسوع هو في الصدارة والوسط، وليس علامة تجاريّة أو سياسة أو أيّ تزييف بائس. الرؤية في هذه الحركات ثابتة على يسوع نفسه، والعمل لتحقيق هدفه العالمي.

لقد قيل، “إذا كنت تريد بناء سفينة، فلا تحشد الرجال والنساء لجمع الأخشاب، وتقسيم العمل، وإعطاء الأوامر. بل علّمهم أن يتوقوا إلى البحر الشاسع الذي لا نهاية له”. ليس الله مجرد إله قبلي أو وطني. إنّه ملك الملوك المهيب وربّ الأرباب الذي مجده ملء كلّ الأرض كما تغطي المياه البحر (حب. 2 :14). فهو وحده مستحق العمل بتضحية ومحبة.

  1. الهويّة الشاملة

يشعر أعضاء حركات التلمذة بإحساس مشترك وجماعي بالانتماء إلى الآخرين. حدود العضويّة مفتوحة وشاملة وليست منظّمة ومرتّبة. تُعرّف الكنائس من الناحية اللاهوتية بأنها جماعة إرساليّة من أتباع المسيح خلقها روح الله. ووفقًا للحاجة، تتكيّف الوظائف وفقًا لتلك الهويّة. في الوقت الذي قد تقدّم فيه المؤسسات الدعم والموارد، فإنّ الكنائس المحليّة الجديدة هي من السكّان الأصليين ومستقلّة عن التبعية أو السيطرة الخارجية.

كأتباع للمسيح الخارج عن كلّ ما هو مألوف، يعتنق صانعو التلاميذ المخاطرة ويزدهرون فيها. مجموعات التلاميذ منفتحة وتتطلّع بجرأة إلى التواصل مع مجموعات جديدة من الأشخاص الذين يستخدمون الرائدين الاجتماعيين الروحيين كالكارزين وأهل السلام (لو 10: 5). غالبًا ما يكون هناك تفضيل للعمل مع المهمشين والمضطهدين في المجتمع ما يؤدي إلى تحوّل جذري شامل.

  1. الطاقة الحيّة

حركات التلمذة حيّة زتتمتّع بالطاقة. إنّ الانخراط الجماعي والدائم مع الكتاب المقدّس، مصحوبًا بوفرة الصلاة والصوم، يكوّنان معًا نبض القلب لعمل التلمذة. الأحداث التدريبيّة المنتظمة المرفقة بالعبادة المحليّة من خلال الموسيقى والفنون تربط قصّة الله بقصة تلك الثقافة. يستخدم الروح القدس هذا لتنشيط أتباع المسيح بشغف له ولربط الناس بملكه في حياتهم ومجتمعاتهم.

  1. أفعال الإيمان المطيع

أخيرًا، يجب أن تُترجم الطاقة إلى أفعال تدفع حركة التلمذة إلى الأمام، والتي بدورها يجب أن تحافظ على الطاقة من أجل المزيد من النشاط. لا تتأّلف الحركة من طبقة من المسيحيين الاحترافيين بل من تلاميذ عاديين يطيعون يسوع ببساطة كمجتمع. يسمعون صوته وهم يقرؤون الكتاب المقدس. وهم يتوقّعون أنّ ربوبية المسيح ستُحدث تغييرات في جميع مجالات الحياة: الأعمال التجارية، والتعليم، والتنمية، والإغاثة، وخدمة الاحتياجات الخاصّة، وما إلى ذلك. الصداقة الحقيقية والمحبة المضحية تصنع التلاميذ (يو. 15: 12-13).

خلاصة

تلعب الكنائس المؤسسية والتلمذة من فرد لفرد دورًا أساسيًا وهامًا في حياة الكنيسة. غير أنّ بانعزالهم، من المرجّح أن يلعبوا دور صيانة في حركة الله أكثر من دورهم المحفّز. إنّ حركة التلاميذ المتضاعفة هي التي تبدأ الملكوت في الأماكن التي كانت فيها الكنيسة أو لم تكن فيها من قبل. بينما تقرأ الكتاب المقدس من خلال عدسة الشبكات – الرؤية – الهويّة – الطاعقة – العمل أعلاه، آمل أن تكتسب رؤى جديدة لممارسة هذا النهج الجديد والقديم في التلمذة. الحصاد ينتظر.

اترك رد