تفكيك النهج الإعلاني؟
مارس 2, 2023
الإيجابيّة السّامة: مناظير كتابيّة حول نزعة شائعة ضارّة
مارس 30, 2023

دور الأمثال في إعادة سرد قصّة الكتاب المقدّس

بقلم وليد زيلع

منذ أسابيع قليلة، زرت مع بعض زملائي في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة، بعض الكنائس وكلّيات اللاهوت في السودان. كانت استراتيجية زيارة طلّابنا على نحوٍ دوري في سياقاتهم مهمّة لنتفتح عيون معرفتي. إذ إنّني أدركت أنّ معظم المجتمعات ليس فقط في السودان، ولكن أيضًا في غالبية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي مجتمعات شفويّة. يُعرّف مصطلح “المجتمع الشفوي” كمجتمع لم يطوّر معرفة القراءة والكتابة الأساسيّة على نطاق واسع. قد يحمل المصطلح نفسه أيضًا معنى مجتمع متعلّم تكون قدرته الأساسيّة على التعلّم من خلال الوسائل الشفويّة. بالنسبة لغالبية هذا الجزء من العالم، يؤدّي الافتقار إلى التعليم بسبب الحروب والفقر وعدم الاستقرار السياسي والانهيار الاقتصادي إلى خلق جيل جديد من المجتمعات الأميّة. وفقًا لآخر الدّراسات التي أجرتها الشبكة الشفويّة الدّولية، فإنّ ٨٠٪؜ من سكّان العالم يتواصلون شفويًا- أي ما يقارب من ٥،٧ مليار شخص! إنّ الشبكة الشفويّة الدّولية تستخدم مصطلح “التواصل الشفوي” وتعرّف هذه المجتمعات على أنّها “أشخاص من جميع أنحاء العالم، من جميع مناحي الحياة وجميع مستويات التعليم الذين يتواصلون بصورة أساسيّة أو حصريّة من خلال الوسائل الشفويّة، وليس النّصيّة. وبالتّالي فإنّ من المحتمل أكثّر أن تتحوّل حياتهم من خلال القصص، الأغاني، الدراما، الأمثال ووسائل الإعلام.[1] بغضّ النظر عن الأسباب المختلفة – بدءًا من المصاعب (الحروب والفقر) إلى التقدّم التكنولوجي (وسائل التّواصل الاجتماعي) – فإنّ المتواصلين الشفويين هم الأغلبيّة. إنّ فهم سياقات أولئك الذين نخدمهم هو المفتاح لخدمتهم بكفاءة وإعدادهم لخدمة الكنيسة المحليّة بطريق أكثر جدوى. تحتاج كلّ من كلية اللاهوت والكنيسة إلى التحدّث بلغّة مماثلة عندما يتعلّق الأمر بتعليم اللاهوت أو كرازة الإنجيل.

علاوة على ذلك، يصوّر السّردّ الكتابي العلاقة بين الله المُعلن عن ذاته وبين خليقته في شكل قصّة. وهذا ينطبق على أجزاء كثيرة من الكتاب المقدّس: استخدم كلّ من أنبياء العهد القديم ويسوع القصص لتوصيل رسالة إلهيّة في مجتمعاتهم الأميّة بصورة أساسيّة. أثرّت التطورات في الدّراسات الكتابيّة على فهمنا لكلمة “مثل”، وهي الكلمة المستخدمة لترجمة ماشال משל – باللّغة العبريّة، والتي تعني “التشابه” أو “المقارنة”. اعتاد دارسو الكتاب المقدّس العبري حتّى العقود القليلة الماضية على تعريف “المثل” كنوع من القصّة القصيرة. كان العلماء مثل[2] أوريل سيمون يشيرون مباشرةً إلى قصّة ناثان في ٢صموئيل ١٢ و / أو أغنية إشعياء عن الكرم في إشعياء ٥ كأمثلة نموذجيّة “للمثل” كنوعٍ أدبي. جادل آخرون، مثال جورج دبليو كوتس، ضدّ فكرة تجميع جميع الأمثلة كنوعٍ واحد،[3] كما هو الحال عندما شكّك كوتس بخاصّة في فكرة الجمع بين ٢صموئيل  ١٢ وإشعياء ٥ تحت النّوع نفسه. لا ينبغي تعريف “المثل” على أنّه نوع معين من السّرد لأنّ كلمة” ماشال”، تعني “مثل” يمكن أن يكون له خصائص الأغنية أو القول المأثور أو المثل الشعبي، حسب السياق. لذلك، فإنّهم يتحدثون عن الأمثال في أشكالها المتعددة، مثل “أمثال المثل الشعبي”، “أمثال الأغنية”، “أمثال القصّة القصيرة”، وهكذا دواليك. ومع ذلك، في الدّراسات الكتابيّة الحديثة، تمّ استخدام “المثل” لوصف دور واحد وهو القصّة القصيرة بدلاً من اعتبار القصّة القصيرة كأحد أنواع الأمثال. ويجب التركيز على كلّ من الدور والمحتوى في أي دراسة حول الأمثال.

تثير جميع أشكال الأمثال المختلفة، سواء كانت أغنية أو مثلًا أو قصّة قصيرة، نوعًا من المقارنة. تحتوي بعض الأمثال على مقارنات داخليّة باستخدام العبارة العبريّة כ “ك” “يبدو مثل” أو “على نحو”. على سبيل المثال، نقرأ في تكوين 10: 9، “כ كَنِمْرُودَ جَبَّارُ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ”. على الرّغم من أنّ الكاتب يشرح المثل من خلال ذكر نمرود وبراعته كصيّاد على أنّهما سبب وجود المثل الحالي في زمن الكاتب، فإنّ هذا المثل يعتبر نمرود صيّادًا عظيمًا ويمدح صيادًا مختلفًا من خلال استحضار وجه المقارنة مع نمرود. يوجد هذا النّوع من المقارنة الداخليّة بشكلٍ أساسي في شعر العهد القديم، ولا سيّما في الأمثال والأدب المماثل. تصبح الأمثال الأخرى أساس المقارنة التي ينشئها المتكلّم. وهذا يعني أنّه بدلاً من احتوائه على المقارنة، فإنّ المثل يقوم بدور المقارنة. على سبيل المثال، في 1 صموئيل 10: 12 سؤال النّاس، ” أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟” أصبح هذا مثلًا في إسرائيل. لكي يعمل هذا السؤال كمثل، يجب على المرء أن يقارن أنشطة شخص آخر في ظروف مختلفة بنشاطات شاول بين الأنبياء. لا تحمل القصص القصيرة الموجودة في الجزء النثري من الكتاب المقدّس العبري تسمية “مثل”، على الرغم من أنّ العديد من القصص غير الكتابيّة تتلقّى هذه التسميّة في الكتابات التعليمية اللاحقة. يقترح بعض العلماء المعاصرين أنّنا يجب أن نفهم سفر يونان بأكمله على أنّه مثل، حتّى لو لم يتّم تسميته على هذا النحو. من خلال تقنيات التّكرار، والتبايّن، ومحاذاة الكلمات والزخرفات، قد يدعو نصّ معين، مثل سفر يونان، أو شخصيّة، مثل شاول، القارئ إلى إجراء مقارنة داخل أو حتّى خارج نصوص الكتاب المقدّس.

عندما روى النبي ناثان قصّة الحمل (2 صموئيل 12)، كان يبيّن رغبات داود العميقة وأسراره وخطاياه. كانت المرحلة الأولى من سقوط داود سيّئة جدًا؛ لقد أخذ زوجة جنديه الشّجاع، أوريّا. لقد وضع خطّة معقّدة لقتله بسيف الأعداء. جاهد من أجل ملكه، ولم يكن يعلم بالمؤامرة الشرّيرة، مات أوريّا، وأصبحت زوجته زوجة لداود. استخدم ناثان المثل ليحدّد بدّقة عواقب أفعال داود، التي تعطي الفرصة لأعداء الرّب للتجديف. الرّسالة من مثل ناثان توجّه الشّخص المذنب إلى الاعتراف بمخالفته الشريعة وإصدار الحكم على نفسه. ولكي يحقّق هذا النّوع من الأمثال رسالته المنشودة، يجب أن يكون واقعيًا قدر الإمكان حتّى يحاصر المستّمع الغافل عن إدانته لنفسه بعبارة مثل “أنت هو الرّجل!” أو “حياتك  هي حياته!” تتجلّى مهارة الرّاوي في قدرته على الكشف تدريجيًا عن الأجزاء المخفيّة والأكثر سريّة من حياة المستمعين حتّى يصلوا إلى نقطة محوريّة حيث يدركون أنّ القصّة المحكيّة تعكس قصّة حياتهم الحقيقيّة.

يوضح مثال ناثان كيف يمكن للقصّة أن تؤدّي إلى التحوّل، وهو نموذج رائع لطّلاب اللاهوت وقادة الكنيسة والرعاة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للاستفادة من القصص الكتابيّة للمساعدة في تحويل المتواصلين الشفويين أثناء مشاركتهم، والاستماع إليهم، والتعلّم من سرديات الكتاب المقدّس التي يتّم التّعبيرعنها لهم في شكل قصص قصيرة متصلّة ببعضها البعض. تكمن قوّة التّحوّل في القدرة على ربط قصّة الكتاب المقدّس بقصّة حياة المستمعين.

وليد هو العميد الأكاديمي لكليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة وراعي كنيسة الإيمان المعمدانيّة في المنصورية، لبنان.

 

[1] الشبكة الشفويّة الدّولية | من هم المتواصلون الشفيّون؟

[2] Uriel Simon, “The Poor Man’s Ewe-Lamb: An Example of a Juridical Parable,” Biblica 48, no. 2, (1967): 208.

[3] George W. Coats, “Parable, Fable, and Anecdote: Storytelling in the Succession Narrative,” Interpretation, 35, no. 4 (1981): 370.

اترك رد