دور الأمثال في إعادة سرد قصّة الكتاب المقدّس
مارس 16, 2023
تأمّلات عيد القيامة من كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة لسنة ٢٠٢٣
أبريل 13, 2023

الإيجابيّة السّامة: مناظير كتابيّة حول نزعة شائعة ضارّة

سميرنا خلف

في عالم يقدّر السّعادة والنّجاح أكثر من أيّ شيء آخر، باتت الإيجابيّة السّامة قضيّة منتشرة على نطاق واسع وبصور متزايدة. إنّ مصطلح – الإيجابيّة السّامة – أصبح شائعًا على وسائل التّواصل الاجتماعي بين مقدّمي المشورة وعلماء النفس والمدرّبين، ما دفع النّاس إلى التساؤل عن مقاربتهم لأن يكونوا إيجابيين.

تشير الإيجابيّة السّامة إلى فكرة الحفاظ دائمًا على عقليّة إيجابيّة بغضّ النّظر عن الظروف. يشير هذا النّهج في الحياة إلى أنّه يجب تجنّب المشاعر السلبيّة أو قمعها، وأنّ الإيجابيّة والتفاؤل هما مفتاح حياة السّعادة والنّجاح. قد لا تكون هذه القضيّة جديدة، ولكنّها سُميّت مؤخرًا بهذا المصطلح.

لقد سمعنا جميعًا أشخاصًا يقولون، “انظر إلى الجانب المشرق”، “كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ كثيرًا”، و”ثق بالله وسيصبح كلّ شيء على ما يرام”. هذه الأفكار المبتذلة الرّافضة للواقع في مواجهة المعاناة هي أمثلة على الإيجابيّة السّامة. على الأرجح أنّها تعكس النّوايا الحسنة للآخرين، لكنّ هذه الجمل نفسها التي تبدو مشجّعة يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على الأفراد وتسبّب في الواقع ضررًا للذين يعانون.

إنّه لأمر صحيح أنّه عندما يكون لدى النّاس نظرة أو منظور إيجابي للحياة، فإنّ ذلك يعود بفوائد على صحّتهم العقليّة ورفاههم. غير أنّ المشكلة هي أنّ حياة النّاس ليست دائمًا مليئة بالأمور الإيجابيّة. نمّر بالألم والأذى والحزن والمعاناة، ما يولّد مشاعر مؤلمة. يحتاج الأفراد والمجتمعات إلى تعلّم كيفيّة التّعامل مع هذه المشاعر المؤلمة ّومعالجتها بغية الحصول على الشفاء وزيادة رفاههم. الإيجابيّة السّامة لا تتعامل مع المشاعر المؤلمة التي قد يتعرّض لها النّاس؛ إنّها تقلّل منها وتنكرها، كما لو أنّه يُقال للشخص، “تلك المشاعر المؤلمة التي تشعر بها سيّئة وستجعلك أسوأ إذا اعترفت بها”.

كمسيحيين، يمكننا أيضًا أن نقع في فخ الإيجابيّة السّامة. قد نشعر بالضّغط للحفاظ على نظرة إيجابيّة للحياة، معتقدين أنّ هذا سيعكس إيماننا وثقتنا بالله. يمكن أن يؤدي هذا النّهج إلى الافتقار إلى التعاطف اتجاه الآخرين الذين يكافحون وفهمهم، وكذلك الإخفاق في الاعتراف بواقع الظروف الصّعبة. هذا يجعل الشّخص يشعر بأنّه غير مسموع وليس هناك من يدعمه.

بالإضافة إلى ذلك، قد يستخدم المسيحيون أيضًا الإيجابيّة السّامة لتجنّب معالجة القضايا النظاميّة والظلم. بدلاً من الاعتراف بمشاكل العالم الحقيقي التي تسبّب الألم والمعاناة والتّعامل معها، قد يختار بعض المسيحيين التركيز فقط على الإيجابيّة والحلول الروحيّة. في بعض الأحيان، نستخدم نحن المسيحيون الإيجابيّة السّامة كتجاوز روحي أو طريق مختصر لتجنّب التّعامل مع المشاعر أو القضايا الصّعبة. يمكن أن يتضمن التّجاوز الروحي استخدام التطمينات الإيجابية أو الصّلوات لقمع المشاعر السلبيّة أو استخدام المعتقدات الدينيّة لتجنّب اتخاذ إجراءات عمليّة لمعالجة مشكلة ما.

نرى في الكتاب المقدّس نهجًا مختلفًا للتعامل مع المشاعر السلبيّة والظّروف الصّعبة. يمكن أن يساعدنا الرّوح القدس في التّعرف على مشاعرنا ومعالجتها، وطلب التّعزية والدّعم من الله والآخرين في مجتمعنا، وإيجاد الرجاء والقوّة في وعود الله.

يقدّم سفر المزامير العديد من الأمثلة القويّة لمعالجة المشاعر السلبيّة والإيجابيّة. وكمجموعة من الصلوات والترانيم، تشمل المزامير مجموعة واسعة من المشاعر مثل الخوف والغضب والحزن واليأس، فضلاً عن الفرح والامتنان والتسبيح. تمّت كتابة العديد من المزامير في أوقات الشّدة الصّعبة، على سبيل المثال عندما يلاحق الأعداء صاحب المزمور (3: 5-6)، أو عندما يواجه المرض أو الموت (6: 1-10)، أو الشّعور بأنّ الله قد تركه (22: 1). وبدلاً من قمع هذه المشاعر السلبيّة أو إنكارها، يرفعها كتّاب المزامير أمام الله في الصلاة، ويسكبون قلوبهم ويطلبون التّعزية والملجأ في حضور الله.

 يُعتبر المزمور 13 مثالاً ممتازًا على هذا النّهج: “إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُومًا فِي نَفْسِي وَحُزْنًا فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟ إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟ انْظُرْ وَاسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ إِلهِي.” يوضح المرنّم أنّه لا بأس بأن تراودنا المشاعر السلبيّة ونعبّر عنها، وأنّه يمكننا نقل هذه المشاعر إلى الله في الصلاة، واثقين من أنّه سيعزّينا ويقوّينا في محنتنا طوال رحلة حياتنا.

ثمّة جانب آخر مهم للتعامل مع المشاعر الصّعبة في الكتاب المقدّس وهو طلب التّعزية والدّعم من الآخرين في مجتمعنا. يكتب الرّسول بولس في 2 كورنثوس 1: 3-4 ، “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلَهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ اللهِ”.

 هنا، يعترف بولس بأنّنا جميعًا نختبر الضيق والمعاناة، وأنّ الله يعزّينا في ضيقنا حتّى نتمكّن من تعزية الآخرين. يذكّرنا هذا المقطع بأنّه لا يتعيّن علينا مواجهة صراعاتنا بمفردنا، ولكن يمكننا طلب التّعزية والدّعم من إخوتنا وأخواتنا في المسيح. لهذا السبب، كمؤمنين متشبّهين بالمسيح، نحتاج إلى إنشاء مجتمعات آمنة ومُحبّة حيث يمكن للنّاس التعبيرعن مشاعرهم ومعالجتها مهما كانت مؤلمة.

ثمّة بالفعل قيمة كبيرة لكونك إيجابيًا، حيث أنّ لذلك تأثيرًا مباشرًا على علاقاتنا ورفاهنا والحياة ككلّ. ومع ذلك، يجب أن نكون حذرين كيف ومتى نستخدم الإيجابيّة – لا سيّما كأتباع ليسوع مع من حولنا.

 سميرنا أستاذة مساعدة في المشورة في  كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة ومدّربة في جامعة ريجنت. وهي متخصّصة في العلاقات الزوجيّة والأسريّة بالإضافة إلى المشورة في الصدمات النفسيّة. بالإضافة إلى التدريس والمشورة، فهي تشرف على أخصّائيي الصّحة العقليّة في استشارات الصدمات. 

1 Comment

  1. يقول Moufid Tohme:

    Very true ! And needed awareness specially among believers , God bless you 🙏

اترك رد