خطيئة التّكلّم عن الخطيئة
أغسطس 17, 2023
كلمة الله بلهجة حارتنا
سبتمبر 14, 2023

على شفير انقسام الإنجيليّة المؤسّسيّة: القوميّة المسيحيّة والتقدّميّة اللاهوتيّة

بقلم وس واتكينز

فيما كنت أقرأ الأناجيل على مرّ السنين، ازداد الإيمان بداخلي بأنّ المسيح لم يأتِ ليؤسّس دينًا منظّمًا، بل جاء ليؤسس دينًا غير منظّم. يبدو أنّه جاء ليحمل الدين من الهياكل إلى الحقول ومراعي الأغنام، إلى جوانب الطرق وضفاف الأنهار، إلى بيوت الخطاة والعشّارين، إلى المدينة والبريّة، إلى عضوية الذين في هذه الأماكن. – جايبر كرو، بقلم ويندل بيري

في العام الماضي، انتقلت أنا وعائلتي إلى أمريكا بعد أن عشنا في الشرق الأوسط لمدّة 16 عامًا رائعين. أفتقد الطقس اللطيف، وساندويتشات الطاووق، وبالطبع الأشخاص الطيبين والكرماء، ولا سيّما في كلية اللاهوت المعمدانيّة العربيّة.

كانت إحدى أهم أولوياتي هي العثور على كنيسة في بلدنا، لذلك بدأت أنا وعائلتي عملية “البحث عن كنيسة” إبّان وصولنا. لقد وجدنا العديد من الكنائس الممتازة التي تعلن الإنجيل وتلبّي احتياجاتنا في آنٍ معًا: وعظ عميق، ومسرح ومواد إعلاميّة جميلة، وموسيقى ملهمة، وقادة أتقياء مرسومين، وبرامج شبيبة ممتعة، وصفوف هادفة للأعضاء.

ورغم أنها كانت جميعها كنائس ممتازة، إلا أنها تختلف عن بعضها البعض بقدر اختلاف آهات أطفالي المتوقعة عن “نكات والدي”. بمعنى آخر، الكنائس التي وجدناها كانت متطابقة تقريبًا، مصبوبة في نفس القالب.

ورغم أنّها كانت جميعها كنائس ممتازة، إلّا أنّها تختلف عن بعضها البعض بقدر اختلاف همسات أطفالي المتوقّعة حول “نكات والدي”. بمعنى آخر، الكنائس التي وجدناها كانت متطابقة تقريبًا، مصبوبة في القالب نفسه.

لكن ما وجدته أكثر إثارة للدهشة هو ما يلي: بصرف النظر عن اختلاف اللغة، فإنّ تجربتي الكنسيّة بين الإنجيليين العرب في الشرق الأوسط كانت فريدة عمليًا، في الشكل والوظيفة، عن الكنائس الأمريكية.

كيف حدث هذا؟

في الوقت الحاضر، استقرّت الحركة الإنجيليّة في الولايات المتحدة وبدأت تعاني من التراجع والتفتت، ما يوفّر حالة دراسيّة ملائمة لإعادة النظر في فهمنا وممارستنا للكنيسة، حتّى في السياق العربي. لأسباب مختلفة، ولكن على غرار الوضع الحالي للكنيسة الأمريكيّة، يعاني الإنجيليون العرب أيضًا من التدهور (ثمّة استثناءات). إنّ هيكلية الكنائس الإنجيلية وطقوسها في الشرق الأوسط تنبع إلى حدّ كبير الإنجيلية الأمريكية، والتي هي نفسها مستمّدة من العالم المسيحي الأوروبي.

بصورة عامّة، إنّ لاهوتنا الكنسي المؤسسي بعيد كلّ البعد عن شبكات الكنائس البيتيّة “غير المنظّمة” التي نراها في العهد الجديد. في الأصل، كانت كنيسة يسوع عبارة عن مجتمع متضاعف من أتباعه، أنشأها الروح القدس، الذي كان موجودًا في التعبير الجماعي وخارجه. لقد كانت الكنائس هذه قابلة للتكيف وقابلة للتضاعف بصورة تسمح لها تتبع حركة روحه التي لا يمكن التنبؤ بها والتي تنمو بتوسّع مستمر.

ومع ذلك، وعلى غرار كلّ الحركات في نهاية المطاف، فقد أخذت حركة يسوع منحى مؤسسيًّا على نحو تدريجي. وعندما حدث ذلك، أضحت حيويّة التضاعف المتأصّلة في الكنيسة مدفونة تحت التّقاليد والمؤسسات والقادة المهنيين. ولكي أكون واضحًا، فإنّ التّقاليد والمؤسسات والقادة، في حدّ ذاتهم، ليسوا أمرًا خاطئًا! الكنيسة المؤسسيّة لديها الكثير لتقدّمه لإرسالية الله. ولكن عندما يتعيّن على حركات الكنسية أن تخدم مؤسسات الكنيسة، وليس العكس، فقد بدأت المؤسساتيّة في الظهور. ويؤدّي إضفاء الطابع المؤسسّي على الكنيسة إلى هياكل جامدة، ما يعيق قدرتها على التّكيف مع السّياقات المتغيرة ويمنع ديناميكيّة الحركة الأصليّة وفعاليتها الإرساليّة.

غير أنّ المسيحيّة المؤسسيّة تعاني تشوّشًا إرساليًا أيضًا، والكنيسة في أمريكا هي خير مثال لهذا. عندما تصل الحركات الإنجيليّة النّاجحة إلى نهاية دورة حياتها، قد يظهر مأزقان متناقضان: القوميّة المسيحيّة والتّقدميّة اللاهوتيّة.

في الولايات المتّحدة، القوميّة المسيحيّة هي الاعتقاد بأنّ الدولة القوميّة الأمريكيّة الحديثة تحدّدها المسيحية، وأنّ الحكومة يجب أن تتّخذ خطوات فعّالة لإبقائها على هذا النّحو. ومن ناحية أخرى، ترفض التّقدميّة اللاهوتيّة المعتقدات التقليديّة القويمة لصالح تفسيرات أو وجهات نظر أكثر تعديلًا.

دعونا نلقي نظرة فاحصة على هذين التّعبيرين من المسيحيّة وكيفيّة ظهورهما.

يمكن رؤية القوميّة المسيحيّة (التي لها ظلال عديدة) في أحداث مثل تمرّد 6 كانون الثّاني / يناير 2021 في واشنطن العاصمة، حيث حمل العديد من أنصار الرّئيس السّابق دونالد ترامب لافتات أو شعارات أو رموز مسيحيّة. يعتبر المدافعون عن القوميّة المسيحيّة أن نظرتهم للمسيحيّة جزء لا يتجزأ من هوية بلادهم ويريدون من الحكومة تعزيز – أو حتّى فرض – مكانة الدين داخل البلاد.

من بين السّياسات الحكوميّة التي قد يرغب فيها القوميون المسيحيون عرض الرّموز المسيحيّة في الممتلكات العامة، والتّمويل الحكومي للمؤسسّات المسيحيّة، وفرض القيود على هجرة غير المسيحيين، وإعطاء الأولويّة للسلطة السياسيّة لمراقبة ما يعتبره بعض المسيحيين سلوكًا غير أخلاقي.

ومن ناحية أخرى، تميل التّقدميّة اللاهوتيّة (التي لها أيضًا ظلال عديدة) إلى تقليل الصّراع بين الإنجيل والثّقافة من خلال نبذ تعاليم الكتاب المقدّس التي قد تكون مسيئة ثقافيًّا. وهي تنفي المعتقدات المسيحيّة التقليدية الصريحة، مثل مفهوم غضب الله والحاجة إلى الفداء. بالإضافة إلى الموافقة على زواج المثليّين، فإنّ بعض تيارات التّقدميّة اللاهوتيّة قد تقلّل أيضًا من تفرّد يسوع وتنظر إلى الكتاب المقدّس على أنّه مجرد سجل تاريخي بشري وليس وحيًا إلهيًّا موثوقًا بسلطته.

ومن الجدير للاهتمام أنّ كلا هاتين الأيديولوجيتين مترابطتان، وتعتمدان على بعضهما البعض من أجل البّقاء، وبالتالي تشكلان علاقة طفيليّة: فإنّ مجمل نتاج مطبخ القوميّين والتّقدميّين يجعل حياتهم المهنيّة أو هواياتهم منحصرة في مهاجمة بعضهما البعض بينما لا يقدّمان سوى مساهمة ضئيلة أو معدومة لحركة يسوع الفدائيّة في العالم. كلاهما يدّعيان أنهما “نبويان”، لكن كلاهما يعاني من التشوش الإرسالي.

لاحظ هذه الملاحظة التي كتبها الرائد في نظريات الحركة آلان هيرش:

تأتي الليبراليّة اللاهوتيّة دائمًا في وقت لاحق من تاريخ الحركة، وعادة ما ترتبط بانحدارها. ولذلك فهذا مظهر مؤسّسي للغاية من العالم المسيحي. وعلى هذا النّحو، فهو يقضي على الأشكال الرسوليّة للحركة الإرساليّة (الطرق المنسيّة، ص 283).

بمعنى آخر، تعتمد كلّ من القوميّة المسيحيّة والتقدميّة اللاهوتيّة على افتراضات العالم المسيحي حول الكنيسة وتتعارض مع الأشكال الحركيّة التي نراها في العهد الجديد.

كلما طالت فترة استمرار حركة تضاعف الكنيسة في سياق ما، وكلما أصبحت أكثر نجاحًا، زادت التّحديات الداخليّة التي ستواجهها للبقاء أمينة للمسيح. ستشكّل التّعدديّة تهديدًا للحركة، ولاسيما “المؤسّسيّة” التي يمكن أن تظهر في صورة القوميّة المسيحيّة أو التّقدميّة اللاهوتيّة. في حين أنّنا شهدنا بالفعل زوال العالم المسيحي الأوروبي، فمن المفارقة أنّ الشكل المؤسسي للكنيسة الذي يفترضه الإنجيليون عادة لا يزال محصورًا في شكله المسيحي، وهو ما يُسمّى “العالم المسيحي البروتستانتي الصغير”.

يجب علينا إعادة التّفكير في هذه الافتراضات الكنسيّة، وأعتقد أنّ حركات مضاعفة الكنيسة تقدّم شريكًا مهمًّا في المحادثة. بصفتي أستاذًا في كليّة اللّاهوت المعمدانيّة العربيّة وباحثًا في علم الإرساليّات، فقد حظيت بشرف دراسة ديناميكيّات الحركات التي تحدث في عالم الأغلبيّة. أحد الاكتشافات المفتاحيّة هو أنّ الإيمان الكتابي يمكن اعتباره حركة الله (باللاتينية، motus Dei). في مدوّنة كليّة اللاهوت المعمدانّية العربيّة، نشرت موضوع عن الإكليسيولوجيا الحركيّة والتّلمذة الديناميكيّة لتمييز الكنيسة كحركة عن المفهوم المؤسّسي الثّابت للكنيسة والتّلمذة.

في السّراء والضّراء، لا تزال أمريكا رائدة في الحركة الإنجيليّة العالميّة، وكثيرًا ما يقلّد الإنجيليون في أنحاء أخرى من العالم ما يرونه في المشهد الأمريكي. ما يقلقني هو أنّ العديد من الإنجيليين في جميع أنحاء العالم يعتقدون أنّهم ينخرطون في السّياق، ولكن بدلاً من ذلك، يتبنون الشكل الإكليسيولوجي من الولايات المتحدة والذي لا يعدو أن يكون سوى تعديل طفيف لنموذج العالم المسيحي. وبينما نشهد النهاية الهشة للحركة الإنجيلية في أمريكا، فمن المهم أن نميّز بين الأيديولوجيات المختلفة خشية أن يتم استيرادها في سياقات أخرى. إذا ما أخفقنا في التّحقق من افتراضاتنا اللاهوتيّة، فإنّنا نسلم السّرد الكتابي لمصالح وأجندات مختلفة لا تضع يسوع على رأس الكنيسة.

إذًا، هل وجدت عائلتي كنيسة لتكون موطنًا لها حتّى اللحظة؟

لقد انضممنا إلى شبكة الكنائس الصّغيرة التي تجتمع غالبًا في البيوت. إنّها بعيدة عن الكمال، ولكنّنا نحاول أن نتبع يسوع بأمانة في إرساليته لشفاء عالم مكسور. قد لا نصل أبدًا إلى “الحركة”، ولكن في ضوء ما بدأه يسوع، والذي لا يزال يجتاح أجزاء كثيرة من العالم اليوم، يبدو من الخطأ عدم المحاولة. في المسيح، الحمض النووي لحركة الله متجذّر في أنفسنا.

وس واتكينز هو أستاذ لاهوت الإرساليّات في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربية وميّسر الشبكة التي أنتجت ” Motus Dei: حركة الله لتّلمذة الأمم”.

1 Comment

  1. يقول Samuel Kharrat:

    قوميّة مسيحية أو تقدمية لاهوتية، أم ماذا؟

    نعم، العنوان “بنقّز”. هذا ما قلته لآنسة لفتت نظري الى مقالة وردت في مدوّنة كلية اللاهوت المعمدانية العربية، بتاريخ 31 أغسطس 2023، للزميل وس وتكنز. حمل عنوان المقالة الكلمات التالية: على شفير انقسام الإنجيليّة المؤسّسيّة: القوميّة المسيحيّة والتقدّميّة اللاهوتيّة. وفعلا أصابتني “النقزة والجفلة” حين قرأت ما ورد، وفكرّت مرتين قبل أن أكتب تعليقا على ما قرأت. تساءلت في نفسي، هل أدلي برأيي أم أهمل ما جاء وكأنّه ما كان. المسألة ليست مجرّد الإدلاء برأي، إنما الحاجة الى تصويب المفهوم لما بات يعرف بحركات مضاعفة الكنيسة أو حركات صنع التلاميذ (DMM) Disciples making Movements . ومما لا شكّ فيه ككلّ الحركات، يوجد ما هو صالح وما هو طالح أيضا، وتكتنفه الدوافع الغامضة. فلا بدّ هنا من لفت الإنتباه الى ما أعتبره حركة على حساب كنيسة المسيح المحلّية.
    ينبغي الإعتراف أننا ما عدنا أمناء على ما يعلّمه العهد الجديد عن الكنيسة، لكون التشديد هو على جزء على حساب الكل. إنها طبيعة البدع وهكذا تنشأ. الأمانة المطلوبة وجب أن تكون لكامل تعليم العهد الجديد في لاهوت الإكليسيولوجي، وليس لشطر منه. ما كانت الكنائس كاملة ونموذجية بكلّ معنى الكلمة، توجد أمور نقتدي بها وأخرى علينا أن نتجنبها. حالتها وقادتها كما كتب إليهم الروح في سفر الرؤيا، تتصف بالنجاح في نواح معينة، لكنّ الإخفاق أيضا أصاب منهم مقصدا. أن نتعامل مع الكنائس باعتبارها “ماكينات تفقيس”، أو ما أسموه “حركات يسوع” بقصد المضاعفة، فهذا عمل بشري صرف. أو أن نضرب الكنيسة المحلّية كي ننشىء مجموعات بيتية للإمتداد أفقيا فنحن لا نتعلّم من التاريخ. أفهم جيدا معنى التوبة وإعادة النظر في هيكليّات وممارسات كنسيّة مواكبة للعصر، ومخالفة لروح المسيح، حيث تتبنى الكنيسة في إجتماعاتها ما يشبه حفلات موسيقى الروك أكثر منها إجتماعات عبادة لأتباع يسوع. وتحويل منبر الكلمة الى مسرح، واستخدام الإضاءة المعتمة أو الملوّنة وصوت الموسيقى الصاخب والتركيز على نجوم المسرح، كلّها معوقات حقيقية تحول دون سماع صوت روح الله. فالكنيسة ليست مكانا لتسلية الناس وجذبهم، إنما مكان الإجتماع للعبادة والتركيز على الوعظ التفسيري وتفصيل كلمة الله بالحق والأمانة والإستقامة. لكي يكون انسان الله كاملا متأهبا لكل عمل صالح (2تي 3: 17)؛
    أحببت أن أتعرّف على سر عمل الله في خلال انتشار الكنائس المعمدانية الأولى في الخمسينات من القرن الماضي في لبنان، فسألت الدكتور فنلي غراهم، مؤسس كليّة اللاهوت المعمدانية العربية، قبل رحيلة الى الولايات المتحدة: ما هو سر استخدام الله لك في تلك المرحلة؟ فاجاب بلهجته العربية: “أخوي أخوي، لسنا نحن. كنا فقط نتحرك مع تحرك وقيادة روح الرب”. كان هناك أناس مدعووين من الله للخدمة، أقامهم المسيح رأس الكنيسة وأطلقهم، تأسست كنائس وانتشر الإنجيل. وما زال الإنجيليون الأمناء في لبنان هم ذوو الفضل بنعمة الله لإنتشار الكتاب المقدس وسط المجتمعات المسيحية التاريخية وغيرها. أن يعمل الروح القدس وتتحرك الكنيسة مع عمله، فالأمر قمّة في الروعة. بحسب أعمال الرسل 1: 1، “ابتدأ يسوع”. غير أنّ الفصل التالي يقول “ابتدأوا” 2: 4؛ جميع ما ابتدأه يسوع، أسفر عن جميع ما “ابتدأوا به”. لكن ما نراه في مواقع عديدة هو صناعة بشرية يطغى عليها قالب التقارير المشبوهة ومقاييس التجارة العالميّة والإستفادة المالية.
    يرينا لاهوت الأكليسيولوجي في العهد الجديد، ابتداء حياة المؤمنين في المسيح كأفراد ومجموعات، لكنه لا يتوقّف هناك. تعبّد أولئك في الهيكل والبيوت وعلى ضفاف الأنهار. لكن حركة يسوع امتدت ونمت نموا عدديا وتنظيميا ومؤسسيا. توصي رسائل بولس بالكثير من الترتيب المؤسسي والمرجعيّة الكنسيّة. صارت الكنائس مؤسسة ومنظّمة تجتمع في البيوت في أفسس، وفي آن، كُّلِّف تيموثاوس بأن يكون راعيا للكنيسة هناك، تيطس في كريت، وبقي يعقوب في أورشليم. ولا ينبغي أن ننسى أن لوائح المواهب هي إثنتان فقط (رومية 12، كورنثوس الأولى 12). أمّا الثالثة كما ترد في الرسالة الى أفسس (أفسس 4: 11)، فهي لائحة القادة الذين وهبهم الله كعطايا لكنيسته، ومنهم المبشرين ورعاة معلمين. وقد تتشابه ممارسات وخدمات الكنائس الإنجيلية في العالم من حيث الشكل الخارجي، لكنّها حكما تنبع من الرأس وتُقاد بروح الله القدوس، وبموجب سلطة الكلمة الموحى بها.
    لقد حكم كاتب المقالة المشار إليها، ولا ندري مدى صوابية حكمه حين قال أنه” في الوقت الحاضر، استقرّت الحركة الإنجيليّة في الولايات المتحدة وبدأت تعاني من التراجع والتفتت، ما يوفّر حالة دراسيّة ملائمة لإعادة النظر في فهمنا وممارستنا للكنيسة، حتّى في السياق العربي. لأسباب مختلفة، ولكن على غرار الوضع الحالي للكنيسة الأمريكيّة، يعاني الإنجيليون العرب أيضًا من التدهور (ثمّة استثناءات)”. أعتبر شخصيا أنّه لا داع لهذه المقاربة والمقارنة، فهي في غير محلّها. فالإنجيليون في الولايات المتحدة في سياق والإنجيليون العرب في سياق آخر. ولسنا على دراية بوجود قوميّة مسيحية، خاصة في أوساط الإنجيليين العرب. والمؤسف هو أن تغزو التقدمية اللاهوتية معاهدنا وبعض كنائس الإنجيليين. والتقدميّة اللاهوتية، تعبير مرادف للحركات اللاهوتية الليبرالية التي استبدلت عصمة وسلطة الكتاب المقدس بالعقل البشري. فليس صحيحا على الإطلاق أنّ “الليبرالية تأتي في وقت لاحق وترتبط بانحدار المظهر المؤسسي كنتيجة”، إنماّ هي سبب من أسباب الإنحدار إذا ابتعدت الكنيسة عن نماذج ومعايير الكتاب المقدّس. والقصة هي أكثر من محاولة للتوفيق بين الإنجيل والثقافة المعاصرة، أو ما يعرف بـــ “اللاهوت السياقي أو التنميط الثقافي”. إنها أجندة معادية للإنجيل. يكفي أن نقرأ ما جاء في المقالة من توصيف: ” تميل التّقدميّة اللاهوتيّة (التي لها أيضًا ظلال عديدة) إلى تقليل الصّراع بين الإنجيل والثّقافة من خلال نبذ تعاليم الكتاب المقدّس التي قد تكون مسيئة ثقافيًّا. وهي تنفي المعتقدات المسيحيّة التقليدية الصريحة، مثل مفهوم غضب الله والحاجة إلى الفداء. بالإضافة الى الموافقة على زواج المثليّين ، فإنّ بعض تيارات التّقدميّة اللاهوتيّة قد تقلّل أيضًا من تفرّد يسوع وتنظر إلى الكتاب المقدّس على أنّه مجرد سجل تاريخي بشري وليس وحيًا إلهيًّا موثوقًا بسلطته”. ويمكن هنا إضافة الكثير من هذه التوصيفات. نضيف الى اللائحة ضرب الحقائق التاريخية للأصحاحات الإحدى عشر الأولى من سفر التكوين، ورفض حقيقة البديلية لموت المسيح الكفّاري. إذا فما الذي يمكن أن تقدّمه اللاهوتية التقدميّة من خير في بناء حياة الإيمان والكنيسة سوى البيض العفن بحسب التعبير الإنكليزي: “Nothing comes from this nest except rotten eggs”. لذا لا غنى عن التنبير على محورية الكنيسة التي أحبّها “الله وأقتناها بدمه” (أع 20: 28). فالكنيسة المحليّة – جسد المسيح، غير مبنية على “افتراضات العالم المسيحي”، كما ورد في المقالة، إنما على كلّ ما فعله يسوع وعلّم به الروح القدس في سجّل العهد الجديد. فلا القومية المسيحية حيث وجدت هي المرجعيّة، ولا التقدمية اللاهوتية على السواء. لنا كتاب تنفّس به الله، ويسوع المسيح رأس الكنيسة وحجر الزاوية، فلا حاجة لآخر. وينبغي أن تبقى الكلمة المقدّسة وحدها المرجعية الصالحة الوحيدة للكنيسة في العبادة والعقيدة والخدمة وانتشار الكنيسة.
    وأمام ما نشهده من فوضى عارمة، أكان من جهة القيادة غير المؤهّلة للمجموعات البيتية أم من جهة ندرة التعليم، أم الجهل الروحي لأفراد تلك المجموعات البيتية، والعديد من حركات المجموعات البيتية تخفي أجندة رفضها للكنيسة كمؤسسة، يجدر القول أنّه لا يمكن تمييز “الكنيسة كحركة”، أو حركة الكنيسة وأي نشاط لها عن المفهوم الثابت للكنيسة. فكل خدمة وجب أن تنطلق وتكون تحت إشراف ومرجعيّة الكنيسة، والولاء المخلص لها. تماما كما كان موقف مرسلي كنيسة أنطاكية الأولين (أعمال 13 وما بعده). ونختتم بالسؤال المطروح: قومية مسيحية وتقدمية لاهوتية أم ماذا؟ لا هذه ولا تلك. نعم لصورة الكنيسة الكاملة التي رسمها العهد الجديد. نعم لمحورية الكتاب المقدس، والله في يسوع المسيح مخلّصا وربّا على رأس الكنيسة المفتداة، يقودها ويرعاها، يحفظها ويوسّع تخومها، “لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إِلَى جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.” (أف 3: 21).
    القس الدكتور صموئيل الخراط.
    راعي الكنيسة المعمدانية الإنجيليّة في بكفيا (منذ حزيران 1979)، وأستاذ مواد اللاهوت الراعوي والمشورة والأخلاق المسيحية في كليّة اللاهوت المعمدانية العربية في المنصورية (1983- 2018).

اترك رد